Arab
تشهد الساحة الفلسطينية تراجعاً واضحاً في حضور الأحزاب السياسية وقدرتها على إقناع الجمهور بأنها تمثل خياراً حقيقياً للتغيير أو لإدارة الشأن العام. ومع ضعف الثقة الشعبية وتراجع الإقبال على صناديق الاقتراع، تجد هذه الأحزاب نفسها أمام معضلة تمسّ شرعيتها وحجمها الفعلي في المجتمع، ما يدفعها إلى تجنّب الامتحان المباشر الذي تفرضه الانتخابات.
في هذا السياق، يصبح نهج التوافق خياراً بديلاً عن المنافسة الانتخابية، لا باعتباره آلية وطنية لتعزيز الشراكة والاستقرار، بل وسيلة لتفادي مواجهة الإرادة الشعبية التي قد تكشف هشاشة القواعد التنظيمية وتقلّص التأثير الحقيقي لبعض القوى السياسية، فالأحزاب الفلسطينية باتت تدرك أن خوض انتخابات دون امتلاك قاعدة شعبية صلبة سيُظهر وزنها الحقيقي، وهو ما قد ينعكس سلباً على صورتها في المشهدَين السياسي والإعلامي، لذلك تلجأ إلى ترتيبات توافقية مع قوى أخرى أو مع مجموعات اجتماعية مؤثرة، تضمن لها موقعاً داخل الهيئات المنتخبة من دون خوض منافسة مفتوحة. ويتجلى هذا السلوك بوضوح في انتخابات الهيئات المحلية، إذ يتحول التوافق إلى أداة للهروب من اختبار إرادة الناس.
ومع تراجع قدرة الأحزاب على تعبئة الجمهور حول برامج سياسية واضحة، تتزايد حاجتها إلى القوى الاجتماعية التقليدية، وفي مقدمتها العشائر والعائلات. هنا يتقدّم البعد العشائري ليحل محلّ العمل السياسي المنظم، فتُبنى التحالفات الانتخابية على أسس عائلية تحت عناوين سياسية، فيما يبقى جوهرها محكوماً بحسابات النفوذ العشائري أكثر من استناده إلى رؤية أو برنامج حزبي.
الأحزاب الفلسطينية باتت تدرك أن خوض انتخابات دون امتلاك قاعدة شعبية صلبة سيُظهر وزنها الحقيقي، وهو ما قد ينعكس سلباً على صورتها في المشهدَين السياسي والإعلامي
وهكذا تتحول القوائم الانتخابية إلى تحالفات عائلية لا تعبّر عن خيارات سياسية بقدر ما تعكس توازنات اجتماعية، ما يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها السياسي، ويُضعف دور الأحزاب بوصفها أدوات لإنتاج السياسات العامة وصياغة البرامج الوطنية.
هذا السلوك يعمّق أزمة الديمقراطية الفلسطينية، إذ يفقد التوافق معناه حين يُستخدم لتفادي التنافس بدل أن يكون وسيلة لتعزيز الشراكة الوطنية، كما يؤدي إلى إضعاف مؤسّسات الحكم المحلي، التي تُدار على أساس المحاصصة والتوازنات العشائرية، لا على قاعدة الكفاءة أو التفويض الشعبي الحقيقي، وبغطاء سياسي شكلي.
في المحصلة، فإنّ لجوء الأحزاب الفلسطينية إلى التوافق لا ينبع، في كثير من الحالات، من حرص فعلي على الوحدة الوطنية أو السلم الأهلي، كما يُروَّج له، بل هو نتاج مباشر لضعفها أمام الجمهور، وعجزها عن تقديم نفسها بديلاً مقنعاً، وخشيتها من أن تكشف صناديق الاقتراع حجمها الحقيقي. وفي ظلّ هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل العمل الحزبي الفلسطيني: كيف يمكن لأحزاب تتجنّب الاختبار الديمقراطي الأساسي أن تقود مشروعاً سياسياً أو اجتماعياً قادراً على مواجهة التحديات الوطنية؟
Related News
بري لفتح قنوات التواصل بين عون و«حزب الله»
aawsat
25 minutes ago
ترمب يحمل الديمقراطيين مسؤولية أحداث مينيابوليس
aawsat
36 minutes ago
طفل يتيم جدّاً
alaraby ALjadeed
39 minutes ago
من غزّة إلى غرينلاند... الأوطان ليست أراضي للبيع
alaraby ALjadeed
39 minutes ago