أسّس حزب الإصلاح مشروعه السياسي خلال أكثر من ثلاثة عقود على استراتيجية المصالح الوطنية، ومنها صيغت مواقفه وعلاقاته وتحالفاته السياسية، سواء كان جزءًا من السلطة أو في موقع المعارضة.
ومن أبرز مرتكزات هذا المشروع تصوره لطبيعة العلاقة اليمنية -السعودية، باعتبار المملكة الدولة الشقيقة الأكثر ارتباطًا باليمن، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح.
وتكتسب العلاقة بين اليمن والسعودية أهمية استراتيجية خاصة، إذ تفرض الجغرافيا نفسها كحقيقة حتمية من خلال أطول شريط حدودي بين البلدين، ما يجعل أمن واستقرار اليمن جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني السعودي.
هذه المحددات أسّست عبر عقود لرسوخ المصالح المشتركة، وفرضت مقاربة تقوم على الشراكة لا المجاملة السياسية.
رؤية استراتيجية منذ التأسيس
عند تأسيس حزب الإصلاح في سبتمبر 1990، وانطلاقًا من المصلحة الوطنية، أُدرجت مادة واضحة في نظامه الأساسي تخص العلاقة مع المملكة العربية السعودية، ومنحتها مكانة متفردة في رؤيته السياسية والحزبية.
فقد راعت هذه الرؤية أهمية وجود علاقة متميزة بين البلدين، بوصفها علاقة تتجاوز الظرف السياسي إلى العمق الاستراتيجي.
وعلى عكس قوى وكيانات سياسية ارتبطت علاقاتها الخارجية بخلفيات فكرية أو حزبية متصلة بأنظمة أو مشاريع إقليمية عابرة للسياق الوطني، ظلت علاقة الإصلاح بالسعودية محكومة بمنطق الدولة، لا بتكتيكات المصالح الضيقة، وهو ما جنّبه الوقوع في تحالفات مؤقتة سرعان ما تنكشف مخاطرها.
وكأي حزب وطني يلتزم بالدستور والقانون، لا يتلقى الإصلاح دعمًا خارجيًا، إذ يعتبر علاقته بالمملكة علاقة وطنية مؤسسية، تندرج ضمن مسؤوليته السياسية في الإسهام الإيجابي بتعزيز العلاقات بين البلدين، سواء كان في المعارضة أو مشاركًا في السلطة.
ورغم الانتقادات التي وُجهت للإصلاح بسبب تخصيص مادة في نظامه الأساسي للعلاقة مع السعودية، أثبتت الأحداث في دوراتها المختلفة صواب هذه النظرة الاستراتيجية، وأهمية تبنّي ثقافة سياسية حزبية تحترم أسس الجوار والعلاقات الجيوسياسية بوصفها ركائز للاستقرار.
ويدرك اليمنيون عمومًا أن أي خلافات مع الجيران يجب أن تُحل عبر القنوات الرسمية وبالوسائل الدبلوماسية، وأن العلاقة الطبيعية بين اليمن والسعودية هي الأساس، فيما تظل فترات التوتر عابرة، سواء ارتبطت بقضايا حدودية أو خلافات سياسية مرحلية.
وفي هذا السياق، لعب رئيس الحزب الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر دورًا إيجابيًا وبنّاءً في تقريب وجهات النظر بين البلدين، والمساهمة في تهيئة الأجواء للتوصل إلى اتفاقية ترسيم الحدود، في تجسيد عملي لموقف الإصلاح وأولويته في بناء علاقة متميزة مع المملكة.
وفي الوقت ذاته، يمتلك الإصلاح تصورًا وطنيًا للسياسة الخارجية، ينطلق من منطق الفرص المتاحة وإمكانات التعاون، ويرفض المواقف القطعية التي تُبنى على أزمات مؤقتة، إذ يرى أن الخلافات السياسية قابلة للتجاوز ولا يجوز تحويلها إلى مسارات دائمة.
تعاطٍ إيجابي مع المبادرات
شهد اليمن خلال السنوات الماضية تحولات عميقة، أبرزها ثورة 11 فبراير 2011 التي كان الإصلاح جزءًا منها، وتبنت السعودية حينها المبادرة الخليجية كإطار سياسي لانتقال سلمي للسلطة. وقد تعامل الإصلاح مع هذه المبادرة بإيجابية، انطلاقًا من إدراكه لأهمية تجنيب البلاد الانزلاق إلى الفوضى، وتمسك ببنودها، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية ومؤتمر الحوار الوطني.
وخلال مراحل متعددة من التباينات العربية، لم يغيّر الإصلاح بوصلته، بل حافظ على استقلالية قراره، مؤكدًا أن منطلقاته تقوم على المصلحة الوطنية، وأن الدولة تظل الحامل الرئيس للمشروع الوطني، مهما تعقّدت التحولات.
وطوال تاريخه السياسي، حافظ الإصلاح على انسجام واضح بين خطابه وممارساته، ولم تُسجّل عليه فجوة بين التصريحات والمواقف العملية، ما منحه قدرًا من المصداقية السياسية، سواء كان في السلطة أو في المعارضة.
تعزيز العلاقات والتعاون
عندما طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي تدخل السعودية لدعم الشرعية ضد انقلاب الحوثيين عام 2015، كان الإصلاح أول حزب سياسي يمني يعلن بوضوح دعمه لعملية "عاصفة الحزم" بقيادة الرياض، رغم إدراكه لحجم الثمن الذي سيدفعه، من استهداف قياداته وممتلكاته في مناطق سيطرة الحوثيين.
وانطلق هذا الموقف من إيمان الإصلاح بأهمية الدولة والشرعية الدستورية بوصفهما الإطار الحامي للقرار السيادي، والمانع لتوسع الميليشيات المنفلتة، التي لا تهدد وحدة اليمن فحسب، بل تشكل أداة لتهديد أمن الدول المجاورة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ضمن مشروع إقليمي تقوده إيران.
وخلال السنوات الماضية، كان حزب الإصلاح جزءًا من الشرعية اليمنية، ومكوّنًا فاعلًا في تعزيز العلاقة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، كما أثبت أنه ركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة، ولا يزال في حالة انسجام مع قيادة التحالف العربي بقيادة السعودية.
ولم يعد استقرار اليمن مسألة تضامن سياسي أو جوار جغرافي فحسب، بل تحوّل إلى أحد محددات الأمن القومي السعودي، في ظل تصاعد التهديدات العابرة للحدود التي تمارسها الميليشيات الحوثية بأدوات إيرانية، وهو ما يجعل استعادة الدولة اليمنية ضرورة أمنية إقليمية لا خيارًا سياسيًا.
وفي هذا السياق، يدرك حزب الإصلاح أن معركة استعادة الدولة لا تنفصل عن متطلبات أمن الإقليم، وفي مقدمتها أمن المملكة العربية السعودية، باعتبارها العمق الاستراتيجي لليمن، وهو إدراك شكّل أحد مرتكزات موقفه السياسي وانخراطه الواضح في دعم الشرعية والتحالف العربي.
وحرصت قيادة الإصلاح على الحفاظ على خطاب سياسي مسؤول تجاه السعودية، خالٍ من التشنج والاتهامات، إدراكًا لحساسية العلاقة بين البلدين، وعلى الرغم من تعقيدات المرحلة، ظل موقف الحزب ثابتًا، يعكس الرؤية الاستراتيجية التي تبناها منذ تأسيسه.
واتسم موقف الإصلاح بالمرونة السياسية والاستعداد للانخراط في أي حوار يهدف إلى تبديد المخاوف، دون التفريط بثوابته الوطنية.
تحصين الداخل اليمني
وإلى جانب مواقفه السياسية المعلنة، يمتلك حزب الإصلاح امتدادًا اجتماعيًا واسعًا وقدرة تنظيمية تجعل منه عامل استقرار داخل المجتمع اليمني، لا سيما في مواجهة محاولات تفكيك النسيج الوطني التي تقودها الميليشيات الحوثية.
ويُدرك الإصلاح أن تحصين الداخل اليمني يمثل خط الدفاع الأول عن أمن الإقليم، وفي مقدمته أمن المملكة العربية السعودية، إذ إن غياب القوى السياسية المؤمنة بالدولة يفتح المجال أمام مشاريع الفوضى والتطرف، وهو ما يجعل دعم مسار الدولة والشراكة مع السعودية خيارًا وقائيًا طويل الأمد، لا استجابة ظرفية لظروف الحرب.
تحالف استقرار
في المحصلة، تمثل تجربة حزب الإصلاح مع المملكة العربية السعودية نموذجًا في الحياة السياسية اليمنية، يقوم على التفكير وفق أسس الدولة ومصالحها الاستراتيجية، والاستثمار في العلاقات طويلة المدى بدل الارتهان لتحولات اللحظة السياسية.
وبالتالي، فإن ثبات هذا الموقف لا يخدم حزبًا بعينه، بل يشكل ركيزة من ركائز استقرار اليمن والمنطقة، ويعزز مشروع الدولة اليمنية بوصفه الخيار الوحيد القادر على إنهاء الفوضى، واستعادة الاستقرار، وبناء مستقبل آمن لليمن ومحيطه الإقليمي.
لقد أثبتت تجارب الصراع والتحولات السياسية في اليمن منذ ستينيات القرن الماضي أن استقرار ووحدة اليمن جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمي العربي، وأن تجربة استقواء الميليشيات بالسلاح خلال العقد الماضي لم تفضِ إلا إلى تفكك داخلي وتهديد مباشر لأمن السعودية ودول الجوار، بما فيها سلطنة عُمان، عبر أجندات خارجية غير وطنية.