Arab
داخل خيمة نزوح مهترئة في أحد المخيمات وسط مدينة غزة، يعيش الفلسطيني خالد قلجة وزوجته ديما، منذ أكثر من أربعة أشهر، محاصرين بالمرض والفقد والعجز، في حياة لم تترك لهما سوى الصبر الثقيل وانتظار رحمة لا يعرفان من أين ستأتي.
خالد قلجة، النازح من حي التفاح شرقي مدينة غزة، خرج من بيته قسراً بعدما صُنف الحي ضمن ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ومنذ نزوحه، يعيش قلقاً مضاعفاً؛ قلق المرض وقلق المجهول. يقول قلجة لـ"العربي الجديد" إنه لا يعلم حتى اللحظة مصير منزله، فرغم علمه أن حي التفاح دُمر بشكل شبه كامل، إلا أن أحداً لا يستطيع الوصول إلى البيت الواقع على بُعد أقل من نصف كيلومتر من "الخط الأصفر" لمعرفة ما حل به.
ويبين قلجة أنه يعاني من انزلاق غضروفي حاد في الظهر، وحصوات في الكلى؛ وهما مرضان يستنزفان جسده يومياً. ورغم زيارته المتواصلة للعيادات والمستشفيات، إلا أنه يعود في كل مرة محمّلاً بالألم ذاته، بسبب عدم توفر الأدوية اللازمة، وارتفاع أسعار البدائل والمسكنات بشكل يفوق قدرته. ولا يمتلك قلجة أي مصدر دخل، ولا يستطيع العمل بفعل وضعه الصحي، وكل ما يتمناه اليوم أن يجد جهة إنسانية تعينه على توفير العلاجات الضرورية لتخفيف وطأة الألم. قبل الحرب، كان خالد يعمل "سمكري سيارات"، يعتمد على يديه في إعالة أسرته، لكن الحرب سلبته عمله وصحته معاً. ويحاول أبناؤه مساعدته، غير أن انعدام فرص العمل وواقع البطالة الخانق يقف حائلاً أمام قدرتهم على دعم الأسرة، ليبقى الأب أسير الحاجة والعجز.
معاناة وقسوة وأبواب العلاج مغلقة في غزة
إلى جواره، تعيش زوجته ديما قلجة معاناة لا تقل قسوة. قبل الحرب، كانت تشكو من ارتفاع حاد في ضغط الدم وصل أحياناً إلى مستويات خطيرة (170 و180)، ما كان يتسبب لها بحالات إغماء متكررة. وبعد إجراء الفحوصات، تبينت إصابتها بورم في "الغدة الكظرية"، فتم تحويلها بشكل عاجل إلى مصر، حيث خضعت لعملية استئصال للورم، وواصلت تلقي جلسات العلاج الكيميائي حتى تساقط شعرها بالكامل. عادت ديما إلى قطاع غزة، لكنها لم تنعم بالاستقرار طويلاً؛ إذ عادت الآلام نفسها، وبدأت تشكو من مكان العملية مجدداً.
وتوضح الزوجة لـ"العربي الجديد" أنها حاولت السفر للمتابعة والعلاج، إلا أن الأبواب أُغلقت في وجهها، وأخبرها الأطباء أنها بحاجة إلى صور أشعة مخصصة غير متوفرة داخل القطاع بسبب نقص الإمكانات. ومع ذلك، لم تتمكن من الحصول على تحويلة للعلاج في الضفة الغربية أو مصر، لتبقى حالتها معلّقة.
وإلى جانب ذلك، تعاني ديما من "حساسية القمح" الحادة، ما يتطلب نظاماً غذائياً خاصاً (خالياً من الغلوتين)، وهو أمر شبه مستحيل في ظل ظروف النزوح وانعدام أبسط مقومات الحياة. وتتحدث ديما بمرارة عن تقصير المؤسسات الإنسانية بحقها، مؤكدة أن حالتها تتطلب توفير غذاء وطحين مخصص من مؤسسات مثل "أرض الإنسان"، لكنها لم تتلق طوال فترة الحرب سوى سلة غذائية واحدة وثلاثة أكياس طحين فقط. وتقول بحزن إن رسالة وصلتهم قبل أيام تطلب منهم التوجه إلى خانيونس (جنوباً) لاستلام طرد غذائي مخصص لحساسية القمح، وأثناء توجه أبنائها لاستلامه، وصلت رسالة أخرى تعتذر عن عدم تقديم المساعدة، وهو ما أصابها بإحباط إضافي فاق قدرتها على الاحتمال.
ولا تتوقف معاناة ديما هنا، فهي تشكو من آلام شديدة في المعدة نتيجة التقرحات الناجمة عن مضاعفات حساسية القمح وعدم توفر الطعام المناسب، إضافة إلى معاناتها من زيادة الشحنات الكهربائية في الدماغ والتشنجات، ما يستوجب بقاء أحد أفراد أسرتها إلى جانبها بشكل دائم. وتزيد الأجواء القاسية داخل الخيمة -من حرارة ورطوبة وانعدام للخصوصية- من معاناتها اليومية. كما تعاني الزوجة من ارتجاع في صمام القلب، يرافقه شعور دائم بالإرهاق، وتساقط للأسنان. وتحتاج حالتها إلى فحوصات شاملة ومتابعة طبية دقيقة، إلا أن الأطباء يتخوفون من إعطائها التخدير اللازم لأي إجراء طبي، خشية تأثيره المباشر على التشنجات التي تعاني منها.
بين ألم خالد وعجز ديما، تمضي الأيام ثقيلة داخل خيمة لا تقي برداً ولا تحمي من وجع؛ حيث تتقاسم الأسرة المرض والفقد وقلة الحيلة، وتبقى أمنيتهم الوحيدة أن تمتد إليهم يد إنسانية تُعيد لهم حقهم في العلاج، وشيئاً من الكرامة التي أنهكها النزوح والمرض والحرب.

Related News
الهلال يخطب ود غريب بعرض رسمي
aawsat
23 minutes ago
الدوري الفرنسي: ستراسبورغ يعمق جراح ليل بفوزٍ كاسح
aawsat
25 minutes ago
هجوم مسلح يستهدف مديرية أمن ديار بكر التركية
alaraby ALjadeed
33 minutes ago