بسام مرتضى (2/ 2): "عبّرت بصرياً عما كنت أراه وأحس به"
Arab
1 week ago
share
في الحلقة الثانية والأخيرة من حواره مع "العربي الجديد" (الحلقة الأولى، 16 يناير/كانون الثاني 2026)، يُكمِل المخرج المصري بسام مرتضى حكايته مع وثائقيّه "أبو زعبل 89"، الذي استعاد فيه علاقته بوالديه، تحديداً بوالده المعتقل السياسي، الذي سيُعاني متاعب شخصية نتجت من الأعوام المديدة في السجون. (*) حملت مشاهد حضورك إلى جانب الوالد في الصورة إحساسين: نوع من الازدواجية، وإحساس بتباعد أو انعدام تواصل أو سوء فهم، من خلال تكوين كادرات فيها تنافر بينكما. ما انطباعك عن هذا؟ كيف اشتغلت على الجانب البصري لتتوفّق في استدعاء هذه الأحاسيس؟ هناك فكرة حضرت في محاولتي فهم طبيعة والدي، مفادها أن هناك بالفعل مسافة وغياب تواصل، بطريقة ما، لكن هناك أيضاً تشابك بيننا. هناك شيء ما مشترك ومتشابه يجمعنا، لكننا لا نلتقي في الوقت نفسه. أدركت هذا منذ البداية، وركزت مع مدير التصوير (ماجد نادر ـ المحرّر) على كيفية التعبير عنه. كنا نذهب إلى البيت، ونضع الكاميرا، ونفكر طويلاً في شكل الأماكن. هذا الهمّ جزءٌ من نقاش جمعني مع أفراد فريق العمل، حتى وأنا أمام الكاميرا: كيف نقبض على تماثلية الأشياء أو انقسامها على شخصيتين؟ إذاً، عبّرت بصرياً عما كنت أراه وأحس به، وتدريجياً بدأت أستوعب أني أنجز الفيلم، لأن عندي إحساساً بهذا التباعد، وأسئلة منبثقة عنه. فعلاً، لدي إحساس عميق أن جزءاً كبيراً من والدي في داخلي. ثم جاء اختيار أن أختبر ما عاشه، وأحسّ به بوصفه جزءاً من محاولة الفهم والتأمل واستكمال التشابك بيننا، رغم أن والدتي كانت تقول لي الوقت كلّه إنها لا ترغب في أن أكون مثله. كنت ألاحظ في عينيها أنها تراني مثله. هذه المساحة في حاجة إلى تفكير متأنٍّ، بصرياً وفنياً. (*) أمن هنا جاء البحث عن شهود، كالمعتقلين السابقين مع الوالد، صابر ورياض، والاجتماع بهما في مناسبات عائلية، كأعياد الميلاد، والحديث الذي يجمعك مع خلود كريمة صابر؟ بالضبط. اختيار عيد الميلاد مثلاً مقصودٌ، لأنه جزء من تقاليد سجنهم واحتفالهم بعيد ميلاد الابنة عن بعد، ولأن فيه شيئاً من بهجة زائفة، مع أغانٍ وطقوس. لكننا نعرف جيداً ما وراء هذه البهجة. أحسست أنه سيحمل تجربة درامية مختلفة. حضور الممثل سيد رجب فارق، لأنه قال حكياً درامياً قوياً، على عكس صابر ورياض، اللذين يفضّلان حكي تجربة الاعتقال سريعاً وساخراً، بغية تجاوزها. سيد، بحكم أنه أنجز عرضاً، ولأن المشاهد يستوعب أن الأمر يتعلق بمسرح، استطاع تكثيف فكرة التعذيب، وإضفاء شكل درامي عليها. دوره مهم، وأنا مدين له بفضل تحمّسه للتجربة منذ اتصالي الأول به. (*) بذكر المسرح، تحضر في الفيلم فكرة استخدام الفن (مسرح، أغان، أفلام) وسيلة ليست للتعافي، بل للفهم، باعتباره خطوة أولى إلى التعافي. كيف تمثّلت حضور الفن في مقاربتك الجمالية للفيلم؟ صحيح. القصة أيضاً عن يساريين مرتبطين بالفن دائماً، ولو أنهم ليسوا أنفسهم فنانين. والدي ليس فناناً، لكني اكتشفت بحديثي مع أصدقائه أنهم كانوا يتردّدون على تداريب الممثلين. حين سألت عن سبب ذلك، أجابوني أن الأمر عادي لهم. كأن الفن جزء من نشاط اجتماعي يومي، ومرتبط بتفاعلهم مع الشأن العام. لذا، فتصوّر هذا الجيل عن الشأن العام مُتصل، بالضرورة، بالمسرح والسينما والأدب والأغاني. الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم من أهم الرموز الشعرية والغنائية للحركة اليسارية والنضالية، والمعتقلون يلجؤون إلى أغانيهما باعتبارها نوعاً من الترويح. بفضل ذلك أيضاً، استوعبت شيئاً جديداً: عندما حكى والدي عن الأغنية التي اختارها، "كلمتين لمصر" لهما، قال إنه بعد أن غناها، انخرط في بكاء شديد، رغم أن الفكرة تفترض أن اختيارها سينشر شعوراً بالقوة، ويشحذ العزيمة على النضال. ما حصل يوضح اختلاف ردة الفعل على الفن، وكيف أن أغنية كهذه تغدو مؤلمة في سياق معين. (*) اللافت للانتباه أن أبرز الشهود على تجربة اعتقال الوالدة، التي لم تعشها، لكنها استطاعت، رغم شرط المرض، التعبير بوضوح عن مكنونها، عكس الوالد الذي فَقَد للأسف، بسبب التداعيات النفسية للاعتقال، قدرته على التعبير عما يمور فيه. بالضبط. يرجع هذا أيضاً إلى الاختلاف بين شخصيتيهما، ما يخلق توتراً درامياً في الفيلم، بطريقة ما. هناك شخصية قادرة على التعبير، رغم المرض والإنهاك الناتج منه، وتعلم ما ترغب في قوله، وتدرك جيداً مصدر غضبها وإحساسها بالخذلان. بينما أنا أقرب إلى والدي في عدم قدرتنا على التعبير باللغة بوضوح. عندما أفصحت والدتي بوضوح عن شعورها إزاء هزيمة والدي أو انسحابه، وكيف أننا مشتركان بذلك، بدأت أنا أيضاً أحس بوالدي، وأدرك حجم التشابه بيننا، وكيف أني بدوري لست واضحاً كما كانت أمي ترغب. في دراما السجون وأدبها، نركّز عادة على من هم في الداخل، لكن والدتي تقول إن الأقرباء خارج السجن يشقون كثيراً بدورهم. (*) أعود إلى حضور السينما في الفيلم، واختيارك اللافت للانتباه أفلاماً لا ترتبط مباشرة بتجربة الاعتقال السياسي، رغم توفر السينما المصرية على أعمال قوية عنها، كـ"إحنا بتوع الأتوبيس" (إخراج حسين كمال، 1979 ـ المحرّر). صحيح. منذ البداية، اقتنعت أن اختيار الأفلام سيرتبط بشخصيات الفيلم، والأعمال التي تأثّرت بها. حين كنت أتخيل صورة والدي في المعتقل، لم تكن قريبة من أفلام كـ"الكرنك" (علي بدرخان، 1975 ـ المحرّر)، أو "إحنا بتوع الأتوبيس"، بقدر اقترابها من شخصية علي (أحمد محرز ـ المحرّر) في "عودة الابن الضّال" (يوسف شاهين، 1976 ـ المحرّر)، الذي يحتوي على مشهد وحيد وقصير عن المعتقل، وفيه يظهر علي بقامته الطويلة والنحيفة، بعد وفاة عبد الناصر، وهو ينزل مُحبطاً من سور السجن بواسطة سلّم. في طفولتي، هذه الصورة تخيلتها عن والدي في السجن. علي أقرب إلى طريقة تعبيره وكلامه، لا أبطال آخرون. هذه أفلام شكّلت خيال شخصيات فيلمي، وربما حضر فيها همٌّ نقدي أكثر. بمعنى أن أفلام السجون المصنوعة في مصر، عن فترة عبد الناصر بعد وفاته، قائمة على إظهار التعذيب، وكيف أن النظام الناصري عنيف، لأنها أُنجزت في فترة نظام مختلف. أما الأفلام الأخرى، ومنها التي اخترتها كـ"عودة الابن الضال" و"شحاتين ونبلاء" (أسماء البكري، 1991 ـ المحرّر) و"عفاريت الأسفلت" (أسامة فوزي، 1996 ـ المحرّر)، فتنطوي على خطاب نقدي لأبطالها أنفسهم ولاختياراتهم، إزاء هزيمتهم أو استسلامهم أو تواطئهم، لا مجرد أفلام بكائية، إلى حد ما، عن حالة معيّنة. (*) بذكرك شعور الإحباط والهزيمة، وربما الإسقاطات التي لا مناص منها عن ثورة 2011 وما تلاها، ليس بحكم مطلق، لأن من المبكر جداً الحكم عليها ارتباطاً بما سمّاه جيل دولوز "السيرورة الثورية": هل تمثّلتها بطريقة ما في اشتغالك على الفيلم؟ كيف كانت ردات الفعل على عرضه، من هذه الزاوية؟ صحيح أن جزءاً من الفيلم يتأمل في سؤال نحسّ به في الفترة الحالية: "ماذا بعد الأحلام الكبرى"، أو كيف أن الجيل الذي عاصر انبثاق حلم كبير انكسر، لأن الثورات بالضرورة، كما تفضّلت، يصعب الحكم عليها سياسياً، لكن من يعاصر لحظتها تحصل لديه حالة انكسار في مشاعره وتوقعاته، والإحباطات المرتبطة بذلك، وحتى على مستوى تغيّر شكل الأماكن. مثلاً، شكْلُ ميدان التحرير تغيّر جذرياً بعد خمسة أعوام من الثورة، فأصبح كأنه مكان آخر غير الذي عرفناه. التاريخ والجغرافيا يتغيران، وسؤال ما العمل عند انصرام الفورة، المرتبطة بالأحلام الكبرى، حاضرٌ بتصوري. تساءلت: هل سيكون كذلك واضحاً للجمهور، من غير طرحه مباشرة؟ في مصر تحديداً، حتى عند عرضه بتونس، بسبب تشابه التجربتين، التقط جمهور شباب ثورتي يناير والياسمين الرابط بين الإحساس بالوحدة، والرغبة في السفر، أو الانسحاب الحاضر في الفيلم، وتجربة الثورة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows