Arab
أعلنت وزارة الزراعة الأميركية في مطلع العام الجديد عن أكبر برنامج دعم يقدمه الرئيس دونالد ترامب للمزارعين الأميركيين تحت مسمى "جسر مساعدة المزارعين"، بقيمة 12 مليار دولار تصرف بصفة عاجلة في نهاية شهر فبراير/شباط المقبل، وفاء بعهده الذي قطعه بأنه "لن نخذل مزارعينا أبداً". وكشفت الوزارة عن حصول مزارعي محصولي الأرز والقطن على أكبر نصيب من الدعم، بمعدل 133 دولاراً لفدان الأرز، و117 دولاراً للقطن، و82 دولاراً للشوفان، و44 دولاراً للذرة، و39 دولاراً للقمح، و31 دولاراً لفول الصويا. في بداية توليه الحكم، قدم ترامب 23 مليار دولار مساعدات للمزارعين المتضررين من سياساته التجارية. وبنهاية العام الماضي، تلقى المزارعون 40 مليار دولار مدفوعات حكومية، وهو رقم قياسي غير مسبوق. ويقول المختصون هناك إن الحزمة تهدف إلى الحفاظ على الأمن الغذائي الأميركي.
الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي
تستهدف سياسة ترامب تحقيق الأمن الغذائي من خلال الإنتاج المحلي لجميع السلع الغذائية الأساسية، وهو ما يعرف بسياسة الاكتفاء الذاتي، والتي تختلف تماماً عن مفهوم الأمن الغذائي الذي تروجه الأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو) التابعة لها منذ سنة 1996، والقائم على توفير الغذاء بالكمية الكافية والجودة العالية والسعر المناسب لكل فئات المجتمع وطوال الوقت ودون انقطاع، من خلال الإنتاج المحلي للسلع التي تحقق فيها الدولة ميزة نسبية، واستيراد السلع الأخرى من الدول التي تحقق فيها ميزة نسبية متخصصة، في إطار قوانين تجارة حرة، والأسواق المفتوحة.
لكن أزمة الغذاء العالمية التي ضربت العالم في سنة 2008، وموجات الجفاف التي ضربت مناطق إنتاج الغذاء في روسيا وأوروبا في سنة 2010، وانتشار وباء كورونا في بداية سنة 2020 وتبني سياسات الإغلاق الصارمة، ثم حرب روسيا على أوكرانيا ووقف تصدير السلع الزراعية في سنة 2022، جميعها أثبتت فشل تلك السياسة، لأن الدول المنتجة تمنع تصدير السلع الغذائية في وقت الأزمات حفاظاً على رفاهية المواطن، وما يحتاجه المواطن يمنع تصديره للأجانب.
أهم ما في برنامج الدعم وأخطره، أن المحاصيل التي شملها برنامج دعم ترامب جميعها من المحاصيل الحقلية التي تعرف في علم الاقتصاد الزراعي بالأساسية أو الاستراتيجية، والتي تدخل مباشرة في تغذية الإنسان، وهي الأرز والقمح والبقوليات وبنجر وقصب السكر، والتي تستخدم في صناعة الأعلاف الحيوانية اللازمة لإنتاج اللحوم والألبان ومنتجاتها والدواجن والأسماك، وهي فول الصويا والشعير والشوفان والذرة الرفيعة، والأساسية لاستخراج زيوت الطعام، وهي الذرة والصويا ودوار الشمس، والصناعية متعددة الأغراض، سواء لإنتاج النسيج والملابس وزيوت الطعام والأعلاف متمثلة في محصول القطن بالدرجة الأولى. ومن المتوقع أن تستحوذ محاصيل القمح والذرة وفول الصويا أكثر من ثلاثة أرباع ميزانية البرنامج.
وخلا برنامج الدعم السخي من أي دعم موجه للمحاصيل البستانية، الخضر والفاكهة، والسلع غير الأساسية والتي يطلق عليها الهامشية، مثل الفراولة والكنتالوب (الشمام) والتفاح والعنب والموز، وهي التي تشجع الحكومات المتخلفة على التوسع في زراعتها على حساب المحاصيل الاستراتيجية بحجة أنها محاصيل نقدية لا تستهلك المياه بكثرة ويتم تصديرها واستيراد السلع الأساسية بعوائد صادرات تلك الفواكه، بحجة أنها شرهة لاستهلاك المياه.
الغذاء سلاح لترويض الشعوب
الاهتمام بدعم إنتاج المحاصيل الأساسية، خاصة القمح والذرة والصويا، هي السياسة التي سعت الولايات المتحدة لتنفيذها بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد سنوات قليلة استخدمت الولايات المتحدة القمح سلعة سياسية وسلاحاً لترويض الشعوب والحكومات. وتُعزى سياسة استخدام "الغذاء سلاحاً" إلى هنري كسينجر وإيرل بوتز، وزيرا الخارجية والزراعة في عهد الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، وتقوم على تجويع الولايات المتحدة الدولة المستهدفة لإخضاعها، ليس بالحصار العسكري، ولكن عن طريق رفض بيعها أو منع منحها القمح. وتجلت هذه السياسة في حرب أكتوبر سنة 1973، عندما منع الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز البترول عن الغرب من أجل القضية الفلسطينية العادلة، فرد كسينجر بقوله "سنعطيهم بكل قطرة بترول حبة قمح".
وفي سنة 1974، قال إن نقص الحبوب في العالم يمنح الولايات المتحدة سلطة لم تكن تملكها من قبل، إنها سلطة تمكنها من ممارسة السيطرة الاقتصادية والسياسية تفوق تلك التي مارستها في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية. واستخدمت بلاده هذه السياسة في حصار العراق لمدة 13 سنة حتى احتلاله عسكرياً في سنة 2003. ونظراً لأن الأرز مادة غذائية أساسية لنصف سكان الأرض، ورغم معاناة الولايات المتحدة من الجفاف المزمن منذ سنوات، لم تتخل عن برامج دعم زراعة الأرز، ولم تحارب أو تحظر زراعته كما فعلت مصر حين حظرت التوسع في زراعته وفرضت عقوبة الحبس والغرامات المالية على المزارعين، وتحولت من دولة تزرع مليوني فدان وتصدر مليون طن إلى دولة تزرع 724 ألف فدان وتستورد 500 ألف طن.
وكذلك العراق، حظر زراعة الأرز والذرة الصفراء لمدة سنتين بحجة مواجهة الشح المائي، ما جعله يستورد الأرز بكميات تصل إلى 1.3 مليون طن في سنة 2024. وعندما قلصت مصر زراعة الأرز في سنة 2017، زار وفد من اتحاد منتجي الأرز الأميركي القاهرة للفوز بسوق الأرز عريض الحبة الذي انسحبت منه مصر وكانت تصدر مليون طن سنوياً لدول الخليج وتركيا بقيمة مليار دولار. ورغم أن إنتاج الولايات المتحدة من الأرز لا يتجاوز 2% من الإنتاج العالمي، إلا أنها تصدر 5% من إجمالي الصادرات العالمية، وتحتل المرتبة الخامسة عالمياً بين أكبر المصدرين، إذ تُصدّر 45% من الإنتاج سنوياً. وتقدم إدارة ترامب إعانات مالية سخية لمزارعي القطن الأميركيين، ما يضمن تحقيق أرباح واستقرار مستويات الإنتاج، والمحافظة على موقعها ثالث أكبر مصدر للقطن وتتحكم في 37% من تجارته عالمياً دون اهتمام بقواعد منظمة التجارة العالمية التي تمنع الحكومات من تقديم دعم للمزارعين حفاظاً على قواعد المنافسة العادلة.
ومنذ منتصف القرن الماضي، لم تتراجع سياسات الولايات المتحدة عن تدمير القطن المصري طويل التيلة، المنافس الوحيد للقطن الأميركي بيما. وقد حكى الصحافي المصري الراحل، محمد حسنين هيكل، في لقاء تلفزيوني أنه في مايو/أيار عام 1953 طلب وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جون فوستر دالاس، من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، أن تقلل مصر إنتاج القطن طويل التيلة، لأنه ينافس نظيره الأميركي كبادرة حسن نية لمساعدة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور. وبالتدريج، رفعت الحكومة المصرية يدها عن دعم مزارعي القطن، وأصبح يحقق خسائر نتيجة الزراعة دون دعم، وتراجع إنتاج القطن المصري من مليوني فدان إلى 130 ألف فدان في سنة 2016، وقام النظام المصري ببيع شركات الغزل والنسيج للقطاع الخاص وخرجت مصر تماماً من سوق القطن طويل التيلة، والذي كانت تتربع على عرشه لمدة 200 سنة.
إفقار المزارع العربي
تستورد الدول العربية 70% من احتياجاتها من القمح والدقيق اللازم لصناعة الخبز، وتستورد 55% من احتياجاتها من الأرز، و70% من الذرة، و74% من الشعير، و77% من السكر، و65% من زيوت الطعام، و55% من البقوليات، وفق التقرير السنوي لأوضاع الأمن الغذائي العربي الأخير، والصادر عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية. ومن أكثر الدول استيراداً للغذاء، مصر الأولى عالمياً في استيراد القمح، والجزائر الرابعة والمغرب التاسعة. وتتعرض الحكومات العربية لثورات اجتماعية على فترات متقاربة بسبب نقص الخبز وغلاء أسعار الغذاء والسلع الرئيسية. ودائماً ما تبرر فجوة الغذاء الضخمة بشح الموارد المائية وزيادة عدد السكان، ولا تقدم حلولاً ناجحة وناجزة لحل تلك الأزمة المزمنة منذ عقود طويلة.
والمزارع العربي محروم تقريباً من كل صور الدعم المالي الحكومي الذي يعينه على تغطية التكاليف. ولا تقدم الحكومات العربية دعماً ذا قيمة للمزارعين بهدف زيادة الإنتاج وتعويض التكلفة كما يفعل ترامب، ولا تدعم البحوث الزراعية اللازمة لاستنباط أصناف زراعية وفيرة الإنتاج وتتحمل الجفاف والتغيرات المناخية، ولا تقدم أسعاراً تشجيعية للمحاصيل لتغطي التكلفة الباهظة، وتحقق هامش ربح يسمح للمزارع بالاستمرار في الإنتاج وتغطية الفجوة الغذائية، وأحياناً تعاقبه على زيادة الإنتاج. وتفضل تلك الحكومات أو تضطر للاستيراد من الدول التي تسيطر على إنتاج الغذاء مثل الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، وفق اتفاقيات إذعان قد لا تعطيها حرية التفاوض على السعر، ولا اختيار الجودة المناسبة من الأغذية المستوردة ولا التوقيت المناسب في وقت الأزمات، وما زالت مأساة المزارع العربي مستمرة.

Related News
الهلال يخطب ود غريب بعرض رسمي
aawsat
21 minutes ago
الدوري الفرنسي: ستراسبورغ يعمق جراح ليل بفوزٍ كاسح
aawsat
23 minutes ago
هجوم مسلح يستهدف مديرية أمن ديار بكر التركية
alaraby ALjadeed
31 minutes ago