المواقف التونسية من الاعتداء على فنزويلا
Arab
6 days ago
share
عاشت تونس صمتاً رسمياً لافتاً وغريباً تجاه الاعتداء العسكري الأميركي يوم 3 يناير/ كانون الثاني الجاري على فنزويلا، واختطاف رئيسها وزوجته، وتحويلهما إلى نيويورك، لمحاكمتهما بتهم مزعومة تتعلّق بتهريب المخدّرات وترويجها داخل التراب الأميركي. وقد أصبحت تفاصيل العملية العسكرية الأميركية داخل الأراضي الفنزويلية، والاعتداء على بلدٍ آمنٍ يتمتّع بالسيادة والاستقلال والعضوية الكاملة في منظمة الأمم المتحدة (وليس في حالة حرب مع أي دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها)، أمراً معلوماً ومتداولاً في المنتديات الدولية ووسائل الإعلام العالمية والمحلّية. وبالتوازي مع تلك العملية، لا يخفى على أحد من العارفين بالجغرافيا السياسية المعاصرة ولعبة المصالح والصراعات الدولية والإقليمية ومراكز صنع السياسات في العالم (موالين لأميركا ومعادين لها) أن نزعة الهيمنة الاستعمارية الأميركية على فنزويلا، وعلى دول أميركا اللاتينية كلها، القديمة والمتجدّدة، هي محرّك العملية العسكرية الأميركية. قيس سعيّد: سياسة الصمت ومن وراء تلك النزعة هدف محدد ودقيق: الاستيلاء على النفط الفنزويلي والثروات المعدنية، وإبعاد الدولة المالكة أكبر احتياطي نفط في العالم من الحلف الصيني - الروسي، ومن والاها من التجمّعات الإقليمية والدول الأخرى. لذلك، لا يمكن السكوت عن الأراجيف التي يسوّقها الرئيس الأميركي ترامب بأن مادورو "مستبدّ" و"مروّج مخدّرات"، بما يستوجب إزاحته عن السلطة في بلده واعتقاله ومحاكمته؛ إذ دأبت الولايات المتحدة على دعم أنظمة حكم موالية لها، موغلة في الاستبداد وقمع شعوبها بالحديد والنار، والفساد، والاتجار بالبشر والأسلحة والمخدّرات ومختلف الممنوعات. صمتٌ رسمي عاشته تونس تجاه الاعتداء العسكري الأميركي على فنزويلا واختطاف رئيسها وعلى عكس ما اعتاد عليه متابعو الشأن العام التونسي في الداخل والخارج، من استعمال الرئيس قيس سعيّد شعار الدفاع عن السيادة الوطنية، ورفض التدخّل الأجنبي في الشأن الداخلي للدول والشعوب والأمم (ناهيك عن التدخّل العسكري الاستعماري المباشر) في خطابه السياسي وتعبئة أنصاره، اختار الرئيس التونسي، هذه المرّة، عدم الإدلاء بموقفه تجاه الاعتداء الصارخ على دولة صديقة لتونس، تجمعها بها علاقات دبلوماسية منذ 61 سنة، وروابط متينة بلغت حدّ تبادل إلغاء التأشيرة بين البلدَين، كما سكت عن اعتقال رئيسها في عملية هوليوودية مهينة لكل الدول التي تلتزم القانون الدولي في علاقاتها وسياساتها الخارجية، وتؤمن بالسلم العالمي، وبحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وسيادتها على أراضيها. وعلى خطى الرئيس سعيّد، توارت عن الأنظار وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين في الخارج، فلم تنشر صفحتها الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي بياناً أو تصريحاً للوزير محمّد علي النفطي، يناهض فيه ما حدث في فنزويلا، التي تجمعها بتونس عضوية حركة عدم الانحياز، وقد شاركت تونس سنة 2016 في قمّتها السابعة عشرة في العاصمة الفنزويلية. سياسة النعامة كما اختارت المؤسّسة التشريعية بغرفتيها (البرلمان والمجلس الوطني للجهات والأقاليم) سياسة النعامة تجاه المسألة الفنزويلية، فلم يُسمع لهما صوت، والحال أنهما لا يتأخّران عن التعبير عن مواقفهما في حالاتٍ مماثلة أقلّ أهمية، وتحويل الجلسات العامة إلى مهرجانات خطابية، ملؤها التهديد والوعيد وذرف "دموع الوطنية"، تقرّباً من الرئيس سعيّد وسلطته، وتزلّفاً واقتداءً به ورفعاً لشعاراته، وتيمّناً بسياساته وخياراته، ومنها السكوت عمّا يجري في فنزويلا. وتطابق موقف "اللاموقف" للرئيس سعيّد وسلطته من اعتقال مادورو، وقصف القوات العسكرية الأميركية العاصمة الفنزويلية كاراكاس هذه المرّة، مع صمت حزبَين معارضَين مهمَّين في تونس، ومتضادَّين فيما بينهما: الحزب الدستوري الحرّ وحركة النهضة الإسلامية، إذ خلت صفحتاهما في "فيسبوك" من أي بلاغ (بيان) حول ما عُدّ أهم وأخطر حدث عالمي في السنة الجديدة، أو من تصريح إعلامي لقيادي هنا أو هناك يكسر الصمت. وقد فسّر بعض المهتمّين بالشأن السياسي التونسي هذا الصمت بأنه نتاج خوف من الإدارة الأميركية أو طمع في كسب ودّها. اختار الرئيس التونسي عدم الإدلاء بموقفه تجاه الاعتداء الصارخ على دولة صديقة لتونس بيانات الإدانة في المقابل، اختار لفيف من الأحزاب اليسارية والقومية العربية وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني التنديد بالاعتداء الأميركي بكل وضوح وصراحة، وتسمية الأشياء بمسمّياتها. وقد وصل الأمر لدى شبيبة بعض الأحزاب والقوى المدنية إلى تنظيم وقفات مساندة وتضامن مع الرئيس مادورو أمام سفارة فنزويلا في العاصمة تونس، والتظاهر أمام سفارة الولايات المتحدة للاحتجاج والتنديد. فقد أدان حزب العمال "العدوان على فنزويلا"، واصفاً إياه بأنه "لا يمثّل غير عملية عربدة وإرهاب دولة واعتداء سافر على سيادة دولة مستقلة"، بما "يوكّد الطبيعة الإمبريالية والعسكرتارية التوسّعية لحكومة ترامب التي لا تتوانى عن دوس كل القوانين والأعراف ولا تحترم سيادة الشعوب". وقال الحزب الجمهوري إن القوات العسكرية الأميركية أقدمت على "تدخّل عسكري مباشر، وقصف أراضي فنزويلا، واعتقال قسري لرئيس دولة ذات سيادة واقتياده خارج أراضي بلاده"، وهو ما "يُعدّ جريمة عدوان، وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة"، و"انتقالاً خطيراً في العلاقات الدولية من منطق الشرعية إلى منطق القوة والاختطاف"، معبّراً عن إدانته للعدوان واعتباره "جريمة عدوان واختطافاً دولياً يهدّد السلم والأمن العالميّين". وربطت حركة الشعب، في بيانها (3 يناير) بعنوان "بيان حركة الشعب حول العدوان الإجرامي على جمهورية فنزويلا البوليفارية"، بين الاعتداء الأميركي على فنزويلا والعدوان الصهيوني على غزّة وما صاحبه من حرب إبادة، مؤكّدة رفضها المطلق العدوان، وإدانتها ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في حقّ دولة فنزويلا وشعبها ورئيسها الشرعي، ودعمها للشعب الفنزويلي و"لحقّه المشروع في الردّ على العدوان ومقاومة آثاره". وفي بيان (مؤرّخ 4 يناير) بعنوان "الإدارة الأميركية وفيّة للبلطجة والقرصنة والإرهاب"، اعتبر المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل أن العملية "تأتي امتداداً لاعتداءات أميركية متواصلة على فنزويلا منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، شملت حصاراً وتهديدات واستفزازات متكرّرة"، وأدان الاتحاد "اختطاف رئيسها المنتخب ديمقراطياً"، ورفض "تنصيب الولايات المتحدة نفسها وصية على الشعب الفنزويلي وشرطيّة على بلدان العالم"، محذّراً من أن دولاً أخرى في أميركا الجنوبية قد تواجه المصير نفسه إن لم تتّحد لمواجهة التغطرس الأميركي، مؤكّداً ضرورة وقوف النقابات والقوى الديمقراطية وشعوب العالم ضدّ "الإرهاب الدولي"، ومناهضة الاستعمار بأشكاله كلّها. اختارت المؤسسة التشريعية في تونس سياسة النعامة تجاه المسألة الفنزويلية كما أصدرت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس بياناً (في 5 يناير) وقّعه عميدها بوبكر بالثابت، قالت فيه إن التطوّرات في فنزويلا تمثّل "أعمالاً عدوانية وانتهاكاتٍ خطيرة واختطاف الرئيس الشرعي للبلاد نيكولاس مادورو"، وإن هذا السلوك "يُشكّل خرقاً فاضحاً لمبادئ القانون الدولي"، معتبرة التدخّل "محاولة للسيطرة على مؤسّسات الدولة الفنزويلية وعلى مواردها الطبيعية الرئيسية". التضامن الشعبي ولماذا صمتت الرئاسة؟ لم تكن حركة التضامن الواسعة، التي عرفها المجتمعان السياسي والمدني في تونس، مع فنزويلا ورئيسها الأسير في سجون الولايات المتحدة، سوى امتداد لما انتشر في المنتديات والمجالس الشعبية، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، من تضامن تونسي عارم لا يرفض الاعتداء الأميركي فحسب، بل يستحضر بمرارة وأسى الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة عربياً وإسلامياً على العراق وليبيا وأفغانستان لإطاحة حكّامها ونهب ثرواتها وتشريد شعوبها. وقد ساعد في انتشار موجة التعاطف التونسي مع الرئيس نيكولاس مادورو ما نُسب إليه من مواقف تاريخية "شجاعة" من حرب الإبادة الصهيونية المدعومة أميركياً على غزّة وفلسطين، والتنديد بها، والوقوف المُعلَن إلى جانب فلسطين. ومن بين ما جرى تداوله على نطاق واسع من أقواله وخطاباته: "فنزويلا هي فلسطين"، و"لا للحرب"، و"أوقفوا العدوان ضدّ الشعب الفلسطيني". ومع أن الموقف الشعبي التونسي المتضامن مع الزعيم الفنزويلي نابع (وفق هذا التصوّر) من نصرته للقضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية ودعم غزّة، فإن التساؤل الشعبي والنخبوي الذي لم يجد جواباً ظلّ قائماً: لماذا لم يصدر الرئيس قيس سعيّد موقفاً من العدوان الأميركي على بلد صديق وحليف ومناصر لفلسطين وشعبها؟ ولماذا صمت، وهو الذي سوّق نفسه في الداخل وعلى المستوى العربي معادياً للصهيونية ومدافعاً عن فلسطين وضرورة تحريرها كاملة "من النهر إلى البحر"؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows