Arab
خلال أقل من أسبوعَين من قيام قوات أميركية باختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو من كاراكاس، بدأت كرة الصراع على جزيرة غرينلاند القطبية تتدحرج بسرعة، على وقع إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب ودائرته الضيقة على مقاربة "كل شيء أو لا شيء" في ملف السيطرة على الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي والتابع للدنمارك، بما يختزنه من ثروات معدنية ومائية وموقع جيوسياسي بالغ الحساسية. وبات من حكم المؤكّد في غرينلاند أن الأيام التي تلت النهج الأميركي المتشدّد الأخير لم تعد تشبه ما قبلها.
التوتر لم يعد محصوراً في الغرف الدبلوماسية، بل بات ملموساً في الشارع الغرينلاندي نفسه. في نوك، عاصمة غرينلاند الصغيرة المحاطة بالجليد، يصف صحافيون أجانب أجواءً "ساخنة على نحو غير مسبوق"، رغم الطقس القطبي، يقول المصور الصحافي الأميركي المقيم في ألمانيا الذي يعمل مع شركة "غيتي" الإعلامية، شون غالوب، لـ"العربي الجديد"، بعد تظاهرة أمس السبت الحاشدة: "سمعتني امرأة أتحدث بالإنكليزية، ثم صرخت فجأة وهي ترفع إصبعها: لا أتحدث معكم أيها الأميركيون".
هذا المشهد ليس فردياً، بل يعكس أجواء غرينلاندية يمكن تلمسها في انتشار ما يشبه حالة ضيق عام ونقمة متصاعدة لدى سكانها، الذين يشعرون بأنهم تحوّلوا فجأة إلى "سلعة سياسية وإعلامية"، في لعبة شدّ حبال دولية، يُستخدم فيها الضغط النفسي والدعائي لأجل دفعهم نحو خيار أميركي على حساب بقائهم ضمن كومنولث مملكة الدنمارك.
وشهدت نوك أمس أكبر تظاهرة في تاريخها الحديث، إذ خرج الآلاف مردّدين شعارات من قبيل: "غرينلاند ليست للبيع" و"لسنا للبيع" و"غرينلاند للغرينلانديين". اللافت في التظاهرة لم يكن حجمها فحسب، بل المشاركة السياسية الواسعة فيها. رئيس حكومة الحكم الذاتي، ينس فريدريك نيلسن، بدا، وفق مصادر صحافية في غرينلاند، وكأنه فوجئ بحجم الحشد، وهو الذي وجد نفسه يخاطب جمهوراً أوسع وأكثر تنوعاً مما اعتاد. نيلسن يحاول الإمساك بالعصا من المنتصف: من جهة، رفض واضح لأي تبعية أميركية. ومن جهة أخرى، إبقاء باب تقرير المصير والاستقلال عن كوبنهاغن مفتوحاً إرضاء لتيار استقلالي، في ظل انقسام داخل النخبة الغرينلاندية نفسها.
ويلاحظ في هذا السياق فجوة اجتماعية- سياسية لافتة؛ فجزء من النخبة، ولا سيّما في يمين ويسار الوسط، التي تتخذ الدنماركية لغة أولى لها، متهمة من ناشطين وقوميين استقلاليين بأنها لا تُمانع فتح الأبواب أمام الولايات المتحدة والشركات العملاقة، ولو عبر بوابة العلاقة السيادية مع الدنمارك. في المقابل، يُبدي يساريون واستقلاليون تخوفاً مزدوجاً من التاريخ الاستعماري الدنماركي وسياساته السابقة، ومن "لعبة ترامب" الرامية إلى شق الصف الغرينلاندي، عبر مخاطبة الفئات الأكثر هشاشة وفقراً، بإغراءات مالية مباشرة ووعود استثمارية و"شيكات"، في محاولة لتجاوز الإجماع الشعبي الرافض.
في الدنمارك، لا يبدو الثمن سهلاً. فوزير الخارجية لارس لوكا راسموسن تحدث صراحة في واشنطن عن "خطوط حمراء" تتعلق بسيادة المملكة على غرينلاند، إلّا أن التحذيرات في كوبنهاغن تتزايد من انتقال الخط التصعيدي لواشنطن من مستوى سياسي- إعلامي نفسي إلى خطوات عقابية مباشرة. ووفق حسابات اتحاد الصناعات الدنماركية، فإنّ فرض تعرِفات جمركية بنسبة 25% قد يؤدي إلى فقدان نحو 16 ألف وظيفة في الدنمارك. وقال رئيس قسم التجارة والاستثمارات العالمية في الاتحاد لوكاس لاوسن، للوكالة الوطنية للأنباء في كوبنهاغن "ريتزاو": "نحن نتأثر بشدة. التجارة تصبح أكثر تكلفة، الأسعار ترتفع، وحجم المشتريات ينخفض، وهذا ينعكس مباشرة على فرص العمل".
وبحسب الخطة الأميركية، ستُفرض تعرِفات بنسبة 10% اعتباراً من 1 فبراير/ شباط، ترتفع إلى 25% في يونيو/ حزيران، في حال عدم "السماح" للولايات المتحدة بشراء غرينلاند، في صيغة وُصفت في الدنمارك بأنها "ابتزاز اقتصادي صريح".
أوروبا: اختبار وحدة حقيقي
يحاول ترامب، عبر توسيع نطاق التعرِفات لتشمل دولاً أوروبية داعمة للدنمارك، شق صفوف الاتحاد الأوروبي، إلّا أن حساباته اصطدمت، حتى الآن، بتماسك أوروبي. فقد أصدر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين بياناً مشتركاً أكدا فيه "التضامن الكامل مع الدنمارك وشعب غرينلاند"، محذرين من أن الرسوم الجمركية "قد تقوّض العلاقات عبر الأطلسي وتدفع نحو دوامة تصعيد خطيرة".
وشدّد البيان على أن الاتحاد الأوروبي "سيظلّ ثابتاً في دفاعه عن القانون الدولي وسيادة أراضي الدول الأعضاء"، فيما سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى التأكيد أن "الترهيب والتهديدات غير مقبولة"، متعهداً برد أوروبي موحّد إذا مضت واشنطن في تهديداتها.
كما أعلن رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون دعماً صريحاً للدنمارك، مؤكداً أن "الابتزاز لن ينجح"، وأن هذه القضية "أوروبية بامتياز". وفي مؤشر إضافي على خطورة الموقف، استُدعي سفراء الاتحاد الأوروبي إلى اجتماع طارئ في بروكسل لمناقشة غرينلاند والتهديدات الأميركية الجديدة.
فريدركسن: أوروبا لن ترضخ للابتزاز الأميركي
وفي أول ردة فعل رسمية على الضغوط التجارية والاقتصادية الأميركية، أكدت رئيسة حكومة الدنمارك ميتا فريدركسن، أن بلادها لن تخضع لتهديدات ترامب بفرض تعرِفات جمركية عقابية على خلفية ملف غرينلاند، مشدّدة على أن "القضية لم تعد شأناً دنماركياً داخلياً، بل تحوّلت إلى اختبار أوروبي واسع".
وفي رد مكتوب لوكالة الأنباء الوطنية الدنماركية "ريتزاو"، قالت فريدريكسن:"تحظى مملكة الدنمارك بدعم كبير، وفي الوقت نفسه بات من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن هذه القضية تتجاوز حدودنا بكثير"، وأضافت: "نحن نرغب في التعاون ولسنا من يسعى إلى الصراع، لكنّني أرحب بالرسائل المتسقة التي وصلتنا من بقية دول القارة: أوروبا لن ترضخ للابتزاز".
ويُنظر إلى تصريح فريدركسن على أنه تأكيد سياسي واضح لتمسّك كوبنهاغن بالموقف الأوروبي الموحّد في مواجهة التصعيد الأميركي، ورسالة مباشرة إلى واشنطن بأن استخدام الأدوات التجارية للضغط السياسي لن يؤدي إلى شق الصف الأوروبي، بل قد يدفع نحو مزيد من التنسيق والتصلب في المواقف.
"الإكراه الاقتصادي" وخيارات الرد
يرى بعض الأوروبيين أن تهديدات ترامب تعد مثالاً صارخاً على الإكراه الاقتصادي. وتملك بروكسل، نظرياً، أدوات رد قوية، أبرزها "آلية مكافحة الإكراه"، التي أُنشئت أصلاً لمواجهة الضغوط الصينية، لكنها لم تُستخدم بعد. واستخدامها في مواجهة الضغوط الأميركية سيعكس شرخاً عميقاً في معسكر التحالف الغربي.
وقال الكاتب والصحافي البلجيكي المتخصّص بالشؤون الاقتصادية، هينك ديدني، لـ"العربي الجديد" إنّ "أوروبا ستكون مضطرة لخوض دفع الثمن مع كوبنهاغن"، وأضاف: "هم لا يستطيعون التنازل في هذا الأمر، ومن بين ما يمكن أن تعمل عليه بروكسل هو إلغاء الاتفاقيات الأخيرة مع واشنطن، وفرض رسوم جمركية مضادة، وتقييد مشاركة الشركات الأميركية في المناقصات العامة، وفرض ضرائب على شركات التكنولوجيا الكبرى، واستخدام النفوذ الأوروبي في قطاعات حيوية مثل الأدوية"، واستدرك المتحدث: "مع ذلك، يبقى السؤال حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي يملك الإرادة السياسية لاستخدام هذه الأدوات، أم أن الاعتبارات الأمنية والعلاقات الأطلسية ستكبحه مجدداً؟".
ما بين شوارع نوك الغاضبة، وقلق كوبنهاغن الاقتصادي، وتصعيد ترامب، واختبار وحدة أوروبا، تبدو غرينلاند اليوم في قلب لحظة تاريخية حساسة. فإمّا أن تتحول إلى سابقة في إعادة رسم الخرائط بالقوة والإكراه الاقتصادي، أو إلى محطة تؤكّد أن السيادة، حتّى في أقصى الشمال المتجمد، لا تُشترى ولا يجري التنازل عنها.

Related News
ضغوط أميركية لفتح معبر رفح
aawsat
5 minutes ago
السودان: معارك طاحنة في محور النيل الأزرق
aawsat
11 minutes ago
مصرع ثمانية أشخاص على الأقل في حادث غرق عبارة في الفيليبين
aawsat
12 minutes ago