العالم إلى أين؟
Arab
1 week ago
share
العالم يئنّ تحت وطأة جراحه؛ جراح صنعها بشرٌ آخرون باسم السلطة، وباسم الأمن، وباسم الديمقراطية. لم يعد هذا العالم مجرّد فضاءٍ جغرافي، بل غدا حقلَ تجارب وجودية تتداعى فيه المعاني. فكل انفجار، وكل دمعة طفل، وكل مدينةٍ تنهار تحت وطأة الحروب، ليس حدثاً عابراً أو مصادفة تاريخية، بل تجسيدٌ ميتافيزيقي لفلسفة القوة المطلقة التي تتقدّم على الإنسان وتختزله. الولايات المتحدة الأميركية هنا ليست مجرّد دولة بالمعنى التقليدي، بل فعلٌ وجودي يُفرغ الآخر من ذاته، ويُعيد تشكيل الواقع وفق إرادته. إنها قوة تتخذ شكل العدم الإنساني، وتفرض منطقاً سياسياً يسبق القيم الأخلاقية والوجودية، حيث لا يعود الإنسان موضوعاً للحقوق، بل مادةً للتجربة، ووسيلةً لإعادة إنتاج الهيمنة. تحمل كل حربٍ توقيعها الواضح: من العراق إلى أفغانستان، ومن ليبيا إلى سورية، ومن فلسطين إلى لبنان، وحتى في أماكن لا تُذكر كثيراً على الخرائط. الحرب هنا ليست مجرد حدثٍ عسكري، بل تجربة صادمة للوعي الجمعي؛ اختزالٌ للوجود في موازين استراتيجية باردة، وتحويلٌ للتاريخ إلى سردية مصاغة بلغة الانتصار والخسارة، بينما تُسحق الأجساد وتُستنزف الأرواح بلا اكتراث. وفي خضمّ هذا المشهد تتجلّى القسوة بأقسى صورها؛ إذ يُجبر العالم على إعادة تعريف مفاهيم الحرية والعدالة تحت سلطة آلةٍ لا تعرف الرحمة، بينما يُلبس الإعلام كل موتٍ معنىً زائفاً، تحت عناوين براقة مثل "الأهداف الاستراتيجية" و"الاستقرار العالمي"، وكأن القتل يمكن تبريره إذا صيغ بلغةٍ أنيقة. العالم اليوم يركض بلا اتجاه، يتلوّى تحت وطأة قراراتٍ تُتخذ بعيداً عن معاناة الناس، وكأن حياة الملايين لا تتجاوز كونها أرقاماً في جداول إحصائية. كل حربٍ تُشعلها المصالح تخلّف وراءها قلوباً محطّمة، ومدناً خاوية، وأجيالاً مقيّدة بالذكريات والجراح، فيما يجلس المتسبّبون على موائدهم الفاخرة يتحدّثون عن "إعادة التوازن" و"إدارة الأزمات". فعلياً، ما يحدث هو سقوط الإنسان في العدم السياسي؛ إذ تُستبدل الفاعلية الأخلاقية بالقدرة على فرض السلطة، ويغدو الضمير مجرّد فكرة هامشية في كتاب التاريخ. فالحروب الأميركية، بهذا المعنى، ليست عبثاً ولا انفعالاً عشوائياً، بل تجارب إرادية على معنى السلطة والوجود، واختبارٌ قاسٍ لعلاقة الإنسان بالقوة، ودليلٌ على أن القانون بين الأمم يُخضعه الأقوى لا الأعدل. تحمل كل حربٍ توقيعها الواضح: من العراق إلى أفغانستان، ومن ليبيا إلى سورية، ومن فلسطين إلى لبنان، الحرب هنا ليست مجرد حدثٍ عسكري، بل تجربة صادمة للوعي الجمعي إذن… العالم إلى أين؟ إلى مزيدٍ من الانكسارات الأخلاقية، أم إلى ولادة وعيٍ فلسفي جديد؟ إن كل صمت، وكل قبولٍ بالهيمنة، وكل تواطؤٍ معنوي، ليس إلا خطوة إضافية نحو هاوية وجودية يُلغى فيها الإنسان كذاتٍ مستقلة، ويُستبدل بموضوعٍ تجريبي في مختبر الصراعات الكبرى. عندها تصبح الحرية، والعدالة، والإنسانية، مفاهيم شبه فارغة، تمشي في صحراء القوة المطلقة بلا ظلٍّ ولا ماء. الأقسى من ذلك كله أن هذه الحرب ليست محلية ولا محدودة؛ إنها حرب ميتافيزيقية بالضرورة. فكل تدخل، وكل قرار، يعيد تشكيل الوجود الجمعي، ويفرض إرادةً على التاريخ والزمن، ويخلق عالماً يعيش فيه الإنسان في حالة دائمة من القلق الوجودي، كأنه كائنٌ يُساق فوق لغمٍ لا يعرف متى سينفجر. وإذا أردنا إجابة صادقة عن سؤال: "العالم إلى أين؟"، فإنها لا تكمن في الجغرافيا ولا في السياسة وحدهما، بل في وعي الإنسان بمصيره الفعلي. فالمقاومة، في جوهرها، ليست خياراً طارئاً، بل واجبٌ وجودي، وكل تواطؤٍ أخلاقي يقرّبنا من الانحطاط المطلق، حيث لا مكان للرحمة، ولا قيمة للحق، ولا معنى للحياة سوى أن تكون عبئاً في حسابات من يحكمون من بعيد. في نهاية المطاف، يبقى سؤال "العالم إلى أين؟" معلّقاً فوق رؤوسنا، ونحن نشهد تبعات الحروب التي تقف وراءها أميركا وهي تواصل تشكيل حاضرنا ومصيرنا. فالمستقبل ليس مجرد امتدادٍ زمني، بل انعكاسٌ مباشر للخيارات الإنسانية: إما أن نستسلم للهيمنة والعنف، ونغدو شهوداً صامتين على انحدار القيم، أو نعيد صياغة وعينا ومفهوم العدالة، لنستعيد زمام مصيرنا ونصنع عالماً لا يُحكم بالقوة وحدها، بل بالمسؤولية والضمير. العالم، في جوهره، ليس خاضعاً للقدر وحده، بل لأفعالنا وقراراتنا؛ فكل لحظة صمت أو تقاعس هي خطوة أخرى نحو المجهول.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows