صرت الآن في بلاد بعيدة
Arab
1 week ago
share
يمكنني الآن أن أقبّل خدّك، ولا أفكّر بأيّ جثّة رأيتها، تُحدّقين في عيني فلا ترين فيهما سوى الضوء والشجر، فقد مات حيدر الذي عاش الإبادة بكلّ طريقة أوردها الخيال إليه، بكلّ الطرق التي لا يموت إثرها الناس العاديون. صرت الآن في بلادٍ بعيدة، وعندما يصير المرء في بلادٍ بعيدة، فإنّ شيئاً فيه يموت، وأنا الآن حي، عاشق، وسعيد، لأنّ الغربة لم تجد فيّ شيئاً تقتله. يمكنني الآن أن أقبّل خدّك، ولا أفكّر بأيّ وجع عشته، ولا بأيّ مرارة سلخت الفرح عن قلبي، لكنني أملك أسئلة مُحيّرة، مُعقّدة، إن لم أكن أنا، فمن ذلك الشخص الذي مات في مخيّلتي بأشدّ الطرق قسوة؟ الرجل الذي رأيته في خيالي وهو يُقتل بطريقة بشعة، كانت لديه نفس هيئتي، مشيتي، شعري، وشامة على الرقبة، دخل محلّ إقامتي، كسر صحناً في المطبخ، كتب على الجدران قصائد وأُمنيات، طَرَقَ غرف زملائي الطلاب، كسر المرآة في غرفة الجلوس، كسر أقدام الكراسي والطاولات، ولم يشعر بوجوده أحد من زملائي في السكن، فالأموات أمثالنا لا يُلتفت إليهم إلى هذه الدرجة. عندما يصير المرء في بلاد بعيدة، فإنّ بعضاً من كلماته تذوب، وتختفي يمكنني الآن أن أقبّل خدّك، ولا تشمّين في ثيابي رائحة الموت، ولا في عيوني محلّ حزن أو وجع، عندما تلتقي أجسادنا أصير ابن اللحظة التي تضعين فيها يدك على خدّي، وابن البلاد التي تخضرّ في عينيك حين تضحكين. صرت الآن في بلادٍ بعيدة، وعندما يصير المرء في بلاد بعيدة، فإنّ بعضاً من كلماته يذوب، ويختفي. أّما رجل مثلي، لا يملك في حياته سوى الكلمات، فإنه يفردها على مُتسع غرفته، غرفتي باردة، وعندما أضع كلمة "ماما" تحت الوسادة، أنام متأكدّاً أنّ أحداً سيغطيني كلّما انحسر الغطاء عني. صرت الآن في بلادٍ بعيدة، أنا الذي كتبت للغيم، ولحرّاس الأمنيات، وحلمت أنني ألوّن الغيم بكلّ لون يجعل الأطفال تضحك، أنا الذي في قلبي غابة تحترق، وما وجدتم في عيني شرارة واحدة، أنا الذي في قلبي تغرق الكلمات، وعلى فمي ينام الصمت، أنا الذي رغبت من الشعر أن أخلق لوناً جديداً لوردةٍ واحدة في الحقل، لم أبك يوماً إلا وعدت بقلب مجروح، ولم أضحك إلا وصعد غصن جديد على الشجرة، أنا الذي أطعمت العصافير قلبي، وعندما جاء عام الحزن، غنّت نشيدنا الوطني. لم أبك يوماً إلا وعدت بقلب مجروح، ولم أضحك إلا وصعد غصن جديد على الشجرة صرت الآن في بلادٍ بعيدة، حولي الشجر والتلال والبيوت الملوّنة وثلاث وردات جميلة، ولأنني أضحك كثيراً عند النافذة ومطلات التلال، لأنني هناك أعود طفلاً ليس في ذاكرته أيّ وجع، أتخيّل قلبك، وعندما يحدث ذلك، أجد فيه شجراً، تلالاً، بيوتاً ملونة، وثلاث وردات جميلة. يمكنني الآن أن أقبّل خدّك، ولا أفكّر بأيّ وجع عشته، ولا بأيّ مرارة سلخت الفرح عن قلبي، لكنني أملك أسئلة مُحيّرة، مُعقّدة: كيف لهذه الحقول أن تكون موحشة ومنفى، أنا أرى قلبي هناك، وهكذا تصير الأشياء أوطاني. دعونا من القضايا الكبيرة إذاً، وتعالي أيتها اللغة من كلّ النوافذ، إنّني مُحاط بالحدائق، ولا بُدّ لك أن تمرّي فوق وردة وشجرة، وتتوقفي عن المجيء المستمرّ من الإبادة. فإنّني جئت هنا لأبتسم، وأنتمي للشمس، فإنّ واحداً مثلي يعرف أنّ الشمس لا تطفأ، لا يحبّ أن يخسر أوطانه. جئت هنا لأبتسم، وأنتمي لكلّ أرض يطلع الورد فوقها، وإن متّ، فإنني حينها على الأقل، أُدفن في مكان أحبّه. صرت الآن في بلاد بعيدة، بالخطأ تنادي عليّ أمي في البيت، فيزورني سرب حمام على الشرفة. بالخطأ تنادي عليّ أمي التي لا تُخطئ، وفي تلك اللحظة تحديداً، لا أصدّق أنني صرت في إيطاليا.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows