Arab
عند ذكر بوب واير (Bob Weir)، عازف غيتار الإيقاع في فرقة الروك الكاليفورنية Grateful Dead، الذي رحل في العاشر من الشهر الحالي، تتداول أوساط المقرّبين من الفرقة وكتّاب السِّيَر حكايةً، وإن بدت ساخرة، إلا أنّها دالّة. ففي عزّ شهرتهم، تحوّلت دُورُهم في حيّ هايت-آشبري بمدينة سان فرانسيسكو، إلى ما يشبه محجّاً لجموع المعجبين، يؤمّونها بحافلاتٍ سياحيّة صباحاً ومساءً، على أمل الظفر بإطلالةٍ خاطفة لأحد أعضاء الفريق.
غير أنّ واير، ومعه عازف الطبول بيل كرويتسمان، لم يتعاملا مع تطلعات هؤلاء "الحُجّاج" بتعالٍ ألوهي، لا احتجاباً ولا استعراضاً، بل آثرا اللجوء إلى العبث؛ فكلّما اقتربت حافلة من سور دورهم، بادرا إلى إمطارها ببالوناتٍ مملوءة بالماء.
تُسلّط هذه الحكاية ضوءاً كاشفاً على الدور الذي لعبه بوب واير داخل Grateful Dead، انطلاقاً من شخصيّته، سواء في بعدها الخاص اليوميّ، أو في صورتها الجماهيريّة المُعدّة للظهور في الفضاء العام (Persona). فقد ظلّ ممّن يجدون متعةً في تمييع الحدود بين العيش والأداء، بين الفعل الفنّي المشاكس الصادر عن سبق إصرارٍ ورغبةٍ في الاستثارة والتحريض، والظهور بوصفه مقاومةً للاستعراض وتمسّكاً بمظهر المتواضع (Down to earth). وقد انعكس هذا السلوك على موسيقاه، مانحاً إيّاها قدراً عالياً من الأصالة الشخصيّة والفنّيّة.
من موقعه داخل فرقة مجتمع (Community band)، بكونه عازف غيتار إيقاعيّ، أي الفنان القابع تقليدياً في الخطوط الخلفيّة للإنتاج الموسيقي، والمُناط به إسناد الإيقاع الصادر عن الطبول بلبوسٍ نغميّ يُدعى Riffs، لعب بوب واير أدواراً متناقضة عبر آلته. فمن جهة، لم يمِل إلى البروز عبر استعراض المهارات التقنيّة، بل اكتفى بدور البوصلة الصوتيّة المُضمَرة التي توجّه مسار الأغنية من دون إعلان صاخب عن نفسه.
ومن جهةٍ أخرى، أعاد اختراع وظيفة الغيتار الإيقاعي في مضمار الروك آند رول، فلم يعد مجرّد "شرطيّ سير"، بل أداة مشاكسة تعتمد جملةً من الحِيَل التعبيريّة، كالإزاحة الإيقاعيّة (Syncope) والانتقالات النغميّة الطارئة، لتحريض زملائه على مزيدٍ من الاستجابات الارتجالية داخل فضاءٍ سلبيّ يتشكّل عن وعورة المسار الإيقاعي الذي كان يرسمه لهم، ولا سيّما في العروض الحيّة، من دون أن يفرضه فرضاً فجّاً.
وإنْ كان ثمّة عمل موسيقيّ يمكن إدراجه في سجلّ Grateful Dead الأكثر تفرّداً في أوج عطائها، ويُنسب في الوقت نفسه إلى بوب واير بصورةٍ شبه كاملة، ويُجسّد التناقض الظريف والخلّاق في شخصيّته الحياتيّة والفنّيّة، فلا شكّ أنّ أغنية Estimated Prophet تحتلّ هذا الموقع. فمن خلالها، أحدث عازف غيتار الإيقاع من موقعه الخلفي نتوءاً مقصوداً خارج النمط السائد في "كانون" الفرقة الأميركيّة الأشهر في سبعينيات القرن الماضي.
منذ صدورها عام 1977 ضمن ألبوم "محطّة ترابين" (Terrapin Station)، بدت الأغنية نشازاً مُحبَّباً داخل الريبرتوار، بسبب غرابة بنيتها الإيقاعيّة قياساً إلى روح الروك السائدة آنذاك؛ ما دفع النقّاد والمؤرّخين الموسيقيين إلى وصفها بأنها ذات "إيقاعٍ مُسنَّن"، في إشارةٍ إلى انزياح النبض عن الضربة الرئيسة (Syncope). إيقاعٌ حيويّ يُغري بالرقص، من دون أن يمنح الجسد ثباتاً أرضيّاً، وكأنّ الحلبة تحت الأقدام مُقامة على أرضٍ غير مستوية، ما يجعل الدبّ عليها بمثابة مغامرة خطرة.
مضموناً، تُقدَّم الأغنية بوصفها نقداً للثقافة الاجتماعيّة الطوباويّة التي سادت بين شباب الساحل الغربي للولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، كما تمظهرت في جماعات الهيبيز، ونشاطات منظمات السلم ومناهضة الحروب، وحركات التديّن الزائف والتصوّف الكاليفورني.
يتجسّد هذا النقد عبر شخصيّةٍ محوريّة شبه مسرحيّة، تشكّل مادّة النصّ الشعري الذي كتبه شريك بوب واير الأقرب، جون بيري بارلو. فالنصّ يتحدّث عن واعظٍ في صحراء، أو نبيّ شارع، تتأرجح شخصيّته بين جنون عظمةٍ مُتخفٍّ بثوب نبوّة استعراضيّة، وجنون الارتياب والشكوى من "عوارض الدجّال" (Impostor Syndrome). ولا يقف النصّ عند حدود رسم بورتريهٍ أو إنشاء سرديّة، بل يتّخذ طابعاً دراميّاً صريحاً، يستدعي في مخيّلة المستمع حضوراً تمثيليّاً، كما لو أنّه شخصيّة مسرحيّة تُؤدّى على الخشبة.
ولأجل تجسيد هذه الشخصيّة موسيقيّاً، لجأ واير إلى محاكاة لون الريغي في استعارةٍ ساخرة لفنٍّ ارتبط طويلاً بأيقونة الكاريبي بوب مارلي (1945 - 1981)، رمز الحركة الروحيّة – السياسيّة التحرّريّة المعروفة بالرستفاريّة التي تركت أثراً عميقاً في الحياة الثقافيّة لمجتمع الساحل الغربي الأميركي. وقد لعب الانزياح الإيقاعي المميّز للريغي دوراً أساسيّاً في جعل الأغنية حيّزاً فضفاضاً للارتجال، ولا سيّما في العروض الحيّة؛ لذلك اعتاد الفريق إدراجها ضمن فقرات النصف الثاني من الحفلات، بوصفها فاصلةً (Intermezzo) تفتح الباب أمام الآلات المتنوّعة كي تتسلّل عبر بُرهات الصمت التي يخلّفها العرج المقصود في أنماط الضرب على الطبول والصنوج.
من خلال Estimated Prophet، قدّم بوب واير، ومعه أعضاء الفرقة الأسطوريّة، رؤيةً موسيقيّة تجمع تيّاراتٍ فنّيّة عدّة بدأت تتبلور بفرادتها في ميدان الموسيقى الجماهيريّة أواخر السبعينيات، مستشرفةً لوناً سيغدو أكثر حضوراً في العقود اللاحقة، عُرف باسم الفانك (Funk).
من جهة، يبرز الأداء التمثيلي المُسنَد إلى الغيتار الكهربائي، سواء في أسلوب العزف المتقطّع، كأنّه كلامٌ منطوق، أو في صوته المُعدَّل ذي النبرة الساخرة التي تُقدِّم شخصيّة الواعظ المختل في قالبٍ كوميديّ.
من جهةٍ أخرى، يقترب المزاج العام من السيكاديليا (Psychedelia)، إذ يبدو شكل الأغنية سيّالاً، يسير على غير هُدى، معبّراً عن حالةٍ من الهلوسة، فضلاً عن قابليّتها الارتجاليّة العالية، ما يجعل إطارها الموسيقي أقرب إلى مقطوعة من الجاز الحر (Free Jazz).

Related News
«نيكي» الياباني يتراجع مع ارتفاع الين وتهديدات التدخل
aawsat
12 minutes ago