بقلم / مازن حكمي
لا يمكن قراءة الإعلان الأميركي عن تشكيل ما سُمّي بـ«مجلس السلام» لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة بوصفه مبادرة حيادية أو خطوة جادة نحو تسوية عادلة، بقدر ما يعكس محاولة جديدة لإعادة إنتاج السيطرة السياسية على الشعب الفلسطيني بأدوات مختلفة، بعد أن فشلت القوة العسكرية في فرض وقائع مستقرة على الأرض. فالمسألة هنا لا تتعلق بإنهاء حرب، بل بإدارة نتائجها بما يخدم مصالح واشنطن وتل أبيب، لا حقوق الفلسطينيين.
المفارقة الجوهرية في هذا الإطار أن مشروعًا يُسوَّق باعتباره مسارًا للسلام، يجري تصميمه وتنفيذه بعيدًا عن التمثيل الفلسطيني الحقيقي، وبمشاركة شخصيات غربية وإقليمية ارتبط بعضها تاريخيًا بمقاربات «السلام الاقتصادي» التي اختزلت القضية الفلسطينية في أبعاد إنسانية ومعيشية، متجاهلة جوهر الصراع القائم على الاحتلال ونفي السيادة.
فالسلام، وفق هذه الرؤية، لا يبدأ بإنهاء الاحتلال أو ضمان حق تقرير المصير، بل بضبط الأمن، ونزع السلاح، وإعادة إعمار مشروطة سياسيًا وأمنيًا.
إن إنشاء مجالس تنفيذية وهيئات انتقالية، وتعيين ممثل سامٍ لغزة، إلى جانب قوة استقرار دولية بصلاحيات واسعة، يعيد إلى الأذهان نماذج الوصاية الدولية التي أثبت التاريخ فشلها، حيث تُدار المجتمعات من الخارج تحت ذرائع «بناء الحوكمة» و«الانتقال إلى التنمية»، فيما تُفرغ السيادة من مضمونها الفعلي. فغزة تُقدَّم هنا باعتبارها إقليمًا فاقد الأهلية السياسية، لا جزءًا من أرض محتلة يتمتع سكانها بحقوق وطنية معترف بها دوليًا.
وفي مقابل هذا الحضور الأميركي والدولي الكثيف، يغيب أي التزام واضح بمساءلة إسرائيل عن الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، أو بإنهاء الحصار، أو بوقف سياسات الاستيطان والضم. بل إن هذا المسار يبدو أقرب إلى مكافأة سياسية لإسرائيل، إذ يوفّر لها ما عجزت عن تحقيقه بالقوة العسكرية: قطاع منزوعة السلاح، خاضع لإدارة خارجية، ومنفصل سياسيًا عن السياق الوطني الفلسطيني الأوسع، من دون دفع ثمن سياسي حقيقي.
الأخطر من ذلك أن هذا المشروع يفصل الإعمار عن العدالة، ويحوّل المساعدات الإنسانية إلى أداة ضغط سياسي، ويعيد تعريف مفهوم «الأمن» بما يتوافق مع متطلبات الاحتلال لا مع أمن الشعب الواقع تحته. فالأمن، في هذه المقاربة، لا يعني حماية المدنيين من العدوان، بل ضبط المجتمع الفلسطيني ومنع أي قدرة على مقاومة واقع مفروض بالقوة.
أما الحديث عن «الشرعية الدولية» والاستناد إلى قرارات أممية صيغت في ظل اختلال صارخ في موازين القوى، فلا يكفي لمنح هذا المسار مشروعية حقيقية. فالشرعية لا تُقاس بعدد البيانات ولا بحجم التمويل، بل بمدى احترامها لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبقدرتها على معالجة جذور الصراع لا الالتفاف عليها.
وأي إطار يتجاوز التمثيل الوطني الفلسطيني، ويؤجل استحقاق الدولة، ويتعامل مع المقاومة بوصفها مشكلة أمنية مجردة عن سياق الاحتلال، هو إطار محكوم بالفشل مهما طال عمره.
إن ما يُطرح اليوم تحت مسمى «مجلس السلام» لا يمثل مشروع سلام بقدر ما هو مشروع لإدارة الصراع واحتواء تداعياته، بما يضمن استقرارًا شكليًا يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية، لا تسوية عادلة ودائمة.
فالتجارب السابقة أثبتت أن السلام الذي يُفرض من الخارج، ويُبنى على إنكار الحقوق، لا يصمد، وأن الشعوب التي تُحرم من العدالة لا يمكن شراء صمتها بإعادة الإعمار أو الوعود الاقتصادية.
السلام الحقيقي لا يولد في الغرف المغلقة، ولا عبر مجالس فوقية، ولا على حساب إرادة أصحاب الأرض. بل يبدأ حين يُعترف بأن غزة ليست ملفًا أمنيًا ولا مشروعًا استثماريًا، بل جزء لا يتجزأ من قضية شعب يناضل من أجل حريته وكرامته. وما لم تدرك الولايات المتحدة والاحتلال هذه الحقيقة، فإن كل الأطر الجديدة، مهما اختلفت تسمياتها، ستبقى مجرد محطات أخرى في مسار فشل طويل.