كيف يعيد الدعم السعودي ترتيب المشهد اليمني؟
Party
3 days ago
share

يمثّل الدعم السعودي الأخير لليمن، سواء عبر تدشين حزمة واسعة من المشاريع التنموية أو من خلال التعزيز المالي العاجل للبنك المركزي، تحوّلًا ذا دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز البعد الإنساني والخدمي، لتلامس جوهر معركة استعادة الدولة وإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري في البلاد.

 

تتصّدر هذه الدلالات التوقيت الذي يتزامن مع تحوّلات سياسية وعسكرية تمثلت في طي صفحة تمرد المجلس الانتقالي على السلطة الشرعية، ومنحها زمام المبادرة مجددا للسيطرة على الوضع وممارسة وظائفها وفي مقدمتها توحيد جميع التشكيلات العسكرية والأمنية تحت قيادتي وزارة الدفاع والداخلية وتقوية المجلس الرئاسي والحكومة معاً.

 

الدعم السعودي كرافعة لإعادة تمكين الدولة

 

على المستوى السياسي، يشكل هذا الدعم جزءا من معركة الدولة لا مجرد استجابة طارئة للأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تمر بها البلاد منذ سنوات وأدت إلى تآكل موارد الدولة وعجزها عن الوفاء بالتزاماتها العامة.

في هذا السياق، يقول عدنان العديني، المتحدث الرسمي باسم حزب التجمع اليمني للإصلاح، إن الدعم المتواصل الذي تقدمه المملكة العربية السعودية يُعد «مساهمة أصيلة ومحورية في معركة استعادة الدولة وبناء مؤسساتها»، مشددًا على أن الدعم الاقتصادي وحزم المشاريع والبرامج التنموية التي تُنفَّذ عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار، واستعادة سلطة الدولة، وتجفيف منابع الفوضى التي تغذي مشاريع الانقلاب والتمزيق.

وأضاف العديني في تصريح صحفي أن معركة استعادة الدولة «لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُحسم أيضًا بإعادة بناء الاقتصاد، وترسيخ الخدمات، وإحياء الأمل في نفوس المواطنين»، معتبرًا أن الوقوف إلى جانب اليمن واستقراره هو جزء لا يتجزأ من أمن المملكة العربية السعودية واستقرارها، ورسالة واضحة بأن مشروع الدولة سيظل الخيار الوحيد القادر على إنهاء معاناة اليمنيين واستعادة وطنهم.

هذا التوصيف السياسي ينسجم مع طبيعة الدعم السعودي المعلن، إذ إن إطلاق 28 مشروعًا ومبادرة تنموية بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، إلى جانب استمرار تنفيذ عشرات المشاريع الأخرى حتى عامي 2026 و2027، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي العام الذي تمر به اليمن، ولا عن التحولات الإقليمية التي تدفع الرياض إلى إعادة صياغة دورها في الملف اليمني بصورة أكثر وضوحًا وحسمًا، بعد سنوات من التعاطي مع الأزمة بمنطق الاحتواء وإدارة المخاطر.

 

تثبيت الدولة بدل إدارة الأزمة

 

على امتداد سنوات الحرب، عانى اليمن من نمط دعم ركّز على إدارة الانهيار أكثر من معالجته، وهو ما انعكس في ضعف مؤسسات الدولة وتعميق اعتمادها على حلول مؤقتة وهشه، كادت تعصف بالدولة أو بمعنى أدق بما تبقى من مؤسساتها.

 

غير أن الدعم السعودي الأخير، كما يقرأه العديني، يشير إلى مسار مختلف، يقوم على تثبيت وظائف الدولة الأساسية، وفي مقدمتها دفع الرواتب، وتحسين الخدمات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز القدرة الإدارية للمؤسسات العامة.

ويحمل تعزيز البنك المركزي بمبلغ 90 مليون دولار لصرف مرتبات المدنيين والعسكريين دلالة تتجاوز البعد الإنساني المباشر، إذ يوجّه رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة، رغم هشاشتها، لا تزال الإطار الوحيد القادر على إدارة المجتمع وضبط إيقاعه، وأن تجاوزها أو إضعافها سيقود حتمًا إلى فراغ خطير لا يخدم الاستقرار الداخلي ولا الإقليمي.

 

كبح اقتصاد الفوضى وتقليص نفوذ المليشيات

 

في بيئة أنهكها الانهيار الاقتصادي، تحوّلت الرواتب والخدمات إلى أدوات ابتزاز سياسي وأمني بيد قوى الأمر الواقع وفي مقدمتها مليشيات الحوثي والمجلس الانتقالي الجنوبي اللذان نهبها الموارد على مدى سنوات دون أن يقوما بالحد الأدنى من واجباتهما كسلطات أمر واقع.

 ومن هذا المنطلق، فإن ضخ السيولة لصالح مؤسسات الدولة، وتحسين مستوى الخدمات في المحافظات المحررة، يسهم بصورة مباشرة في تقليص اقتصاد الفوضى الذي تعيش عليه المليشيات، سواء الحوثية أو غيرها، وهو ما يتقاطع مع توصيف العديني لمعركة الاستعادة بوصفها معركة مؤسسات واقتصاد بقدر ما هي معركة أمن وسلاح.

من زاوية أخرى، يحدّ توجيه المشاريع التنموية إلى محافظات متعددة، من عدن إلى مأرب وسقطرى وتعز، من تركّز النفوذ المحلي غير الرسمي، ويعيد للدولة حضورها الرمزي والعملي في حياة المواطنين، وهو عنصر بالغ الأهمية في معركة كسب الشرعية الشعبية وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وقد استعادة الدولة بعضا من ثقة مواطنيها في الأيام الماضية بعد التعامل بحزم مع تمرد الانتقالي وحصر السلاح في مؤسساتها وتشكيل لجنة عسكرية تتولى مهمة توحيد القوات وهيكلتها على نحو يخدم هدف استعادة الدولة في ربوع اليمن.

 

رسالة سياسية في لحظة إعادة تشكيل الداخل اليمني

 

يأتي هذا الدعم في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تغييرات في هرم السلطة التنفيذية تمثل في إسقاط عضوية كلا من عيدروس الزُبيدي بتهمة الخيانة العظمى وفرج البحسني لعجزه الصحي عن أداء واجبه وتعيين محمود الصبيحي وسالم الخنبشي بديلا عنهما، إضافة إلى تعيين رئيس جديد للوزراء وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة لأول مرة منذ سنوات. وتهدف هذه الخطوات إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي لمعسكر الشرعية، ومن هنا، فإن تأكيد العديني على أن الدعم السعودي رسالة سياسية لصالح «مشروع الدولة» يعكس إدراكًا داخليًا بأن الدعم لم يعد منفصلًا عن مسار الإصلاح السياسي وإعادة ضبط العلاقة بين الدولة وشركائها.

وفي هذا الإطار، يشي ربط الدعم بمسار سياسي جامع، بما في ذلك التأكيد على مستقبل القضية الجنوبية عبر مؤتمر الرياض، برغبة سعودية في معالجة جذور التوترات الداخلية ضمن إطار سياسي واحد، بدل تركها رهينة موازين القوة أو المشاريع المتناقضة التي أضعفت الشرعية خلال السنوات الماضية.

 

أمن السعودية يبدأ من استقرار اليمن

 

لا يمكن فصل هذا الدعم عن الإدراك السعودي المتزايد، والذي عبّر عنه العديني بوضوح، بأن أمن المملكة وحدودها الجنوبية لا يتحقق فقط عبر الردع العسكري، بل من خلال وجود دولة يمنية قادرة على ضبط أراضيها، وتقديم الخدمات الأساسية، واحتواء الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تشكّل بيئة خصبة للتطرف والفوضى.

ومن هذا المنطلق، لم يعد البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مجرد أداة دعم إنساني أو تنموي، بل أصبح جزءًا من مقاربة أمنية شاملة ترى في التنمية والاستقرار ركيزتين متلازمتين لا تنفصل إحداهما عن الأخرى.

وأخيرا، يمكن قراءة تصريح عدنان العديني بوصفه تعبيرًا سياسيًا واضحًا من داخل معسكر الشرعية عن طبيعة التحول في الدعم السعودي، من انتقال إدارة الأزمة إلى الاستثمار في الدولة، على أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بقدرة الحكومة اليمنية على استثمار هذا الدعم بشفافية وكفاءة، وتحويله إلى مكاسب ملموسة للمواطن، بعيدًا عن الفساد والمحاصصة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows