ليلة رأس السنة
Arab
1 week ago
share
لا أحد يروّج للوحدة. لا أفلام تمدحها وتُعرض في مواسم الأعياد العائلية أو بمناسبة الميلاد ورأس السنة، ولا أغاني تتغنّى بها، فتُنشد في مواسم الحبّ وإعلاناته وبضائعه الكثيرة، والتي يزدحم الناس المُتعطّشون لبعضه، لشرائها في عيده. لا بل إنّ الوحدة، بالأحرى صورتها المزيّفة غالباً، تُستغل للترويج لكلّ ما هو عكسها، ولِما يساعد على "النجاة" منها: الزواج، الإنجاب، الخروج إلى ضوضاء الملاهي والسهر، المطاعم، الكحول، الملابس، المكياج، السيارات، بطاقات الائتمان..  في كلّ تلك المناسبات التي يبلغ الاستهلاك ذروته فيها، وينفق البشر أموالهم على صورتهم، من أجل أن يصبحوا جذابين فيتزوّجون وينجبون "كي لا يكونوا وحيدين". تُصوّر الوحدة كما لو كانت حالاً حزيناً يستدعي التعاطف والشفقة على "المصابين" بها، وتترقرق لمشهد من "يعانون" منها الدموع في العيون.  وما يُثير السخرية، أنّ الكثيرين من الوحيدين، اختياراً أو صدفة، يقعون غالباً في فخّ الصورة التي تُرسم ويروّج لها عنهم: المنبوذون من المجتمع لأنهم لا يشبهون الغالبية. فيحزنون تارة على أنفسهم مُصدّقين ما يقوله "الجميع" عنهم، وتارة يُصابون بالحيرة حين يخلون لأنفسهم في ساعة صفاء، فيجدون أنّهم في الواقع غير حزانى على حالهم ذاك، لا بل، في أحيان كثيرة، مرتاحون ومستمتعون! لكي تكون الوحدة سعادة وراحة، عليها أن تكون خياراً وإلا لكانت انتظاراً مؤلماً لشيء مبهم ومع ذلك، تنهال عليهم من كلّ حدب وصوب النصائح للتخلّص من حالهم ذاك. تارة من العائلة، وهي عادة أخلص نوع من النصائح، وتارة من الأصدقاء الذين يلجؤون أحياناً "لتآمر" ودود من أجل تعريفهم بغيرهم من العزّاب مثلاً، أو لتشجيعهم على الخروج والاختلاط، أو على الأقل، للاشتراك في مجموعات على السوشيال ميديا، ينشئونها، إمّا للتعارف أو لتشاكي الهموم والاعتراف والمصارحة، كما في مجموعات المُدمنين على الكحول. كما لو أنّ الوحدة هي نوع من وباء اجتماعي تجب مداواته. لكن الوحدة ليست كذلك.  أقول لكم، وعن تجربة: لا أحلى وأبسط وأريح من الوحدة. أن تكون لك مساحتك الخاصة، مساحة لا يُشاركك فيها أحد. ولا يشوّش عليك فيها أحد. تفتح بابك عندما تريد، لمن تريد، وتغلقه على نفسك كمحارة تريد أن تأخذ وقتها لتتحوّل إلى لؤلؤة تحلم بأن تكونها.  لا أتحدّث عن وحدة النسّاك التي لم أجرّبها بل قرأت عن تجارب أصحابها، ولو أنّها هي الأخرى تُصوّر عذاباً وعقاباً للنفس، أو تفكيراً غرائبياً أو حالة شاذة، في حين أنّها بشهادة بعض من عاشوها، كانت طريقهم إلى الصفاء والتجلّي.  ومع ذلك، لكي تكون الوحدة سعادة وراحة، عليها أن تكون خياراً وإلا لكانت انتظاراً مؤلماً لشيء مُبهم. ففي منزل الطفولة، كانت الحرب الأهلية في الخارج، والازدحام في المنزل العائلي يدفعاني إلى المكوث في فقاعة مُتخيّلة اخترعتها لنفسي، مع أني كنت أستمتع بما يقدّمه الازدحام العائلي من سعادة ولهو في كثير من الأحيان.  لم كلّ هذا الخوف من الوحدة؟ ألا يفيض الكوكب بالبشر ويكاد يستغيث من كثرة تناسلهم؟ لكن يبدو أنّ طبيعتي كانت بحاجة إلى مساحة أكبر وجدتها حين استقللت بالعيش في بلاد الهجرة. وهناك، أحببت وجودي من دون رفيق أو رفيقة: في النزل الطالبي، في الشوارع التي كنت أكتشفها، مدرّج الجامعة بين أقران لا أتقن لغتهم فعلاً، لكن خاصّة في المتاحف وصالات السينما حيث يجتمع استرسال الخيال بمتعة الفن.  بعد عودتي إلى البلاد وفترة طويلة نسبياً من الاحتفالات الصاخبة تسم العيش في أماكن جديدة، لذتُ بالوحدة مرّة أخرى. كثر كانوا يتعجّبون من تنصّلي بحيل مُختلفة من تلبية دعواتهم مُتسائلين: لم لا تخرج هذه الفتاة كما يفعل الجميع؟ كأنّ العيش "كما يفعل الجميع"، هو نوع من إعلان بأنّك "طبيعي"، مثلهم، أَكثر أمناً من الاختلاف.  لكن، لمن هو هذا الأمان؟ وهل الاختلاط المستمر، في العمل خلال النهار ومع الأصدقاء أو الزوج والأولاد في الليل، هو فعلاً ما يجب أن أفتقده؟ لكني لا أفتقده. فحين لا تحتاج كلّ هذا الاختلاط يصبح هذا الأخير ضجيجاً مُزعجاً. لا بل إنّ تصوّر العكس يُصيبني بضيق في صدري، كما لو أنّ لديّ في بيتي ضيفا دائما، لا أملك تجاهل وجوده ولا حرية الحركة بسببه.  لم كلّ هذا الخوف من الوحدة؟ ألا يفيض الكوكب بالبشر ويكاد يستغيث من كثرة تناسلهم؟ وفي عالمنا المُزدحم بسكارى القوّة المُتجهين إلى التوحّش أكثر فأكثر، ألا يمكن أن يكون العزوف عن الزواج والإنجاب مثلاً، ولو لبعضنا، خياراً مناسباً؟  إنتاجات تافهة، تتخللّها إعلانات لما هو أتفه منها كنت أفكّر في كلّ هذا ليلة رأس السنة. وفي الحقيقة، ولولا ضجيج المُحتفلين الهستيري بهذه الليلة، ربما كنت لأخرج. لكن الفرح الإجباري المطلوب عادةً في مناسبة كهذه جعلني أتراجع. فضّلت البقاء أمام التلفزيون تسقّطاً لبعض الترفيه. لكن التفاهة، وهي لون من ألوان العنف الثقافي الذي نعاني منه اليوم، كانت سيّدة اللحظة: إنتاجات تافهة، تتخللّها إعلانات لما هو أتفه منها. أمّا القنوات الإخبارية في جردتها للعام المنتهي؟ فكيف أستطيع أن أضغط على جهاز التحكّم لأغادرها وهي تعرض ما كانت تعرضه ولا تملك أن تعرض غيره؟ أطفال غزة الغارقين في مياه العواصف، أمهاتهم وآباءهم المُستنجدين أو اللائذين بصمت أبلغ من الصراخ، الجدات اللواتي لم يتبق غيرهن من العائلة المُبادة، الرُضّع المصابين بسوء التغذية وقد انتفخت بطونهم كالبالونات التي يلعب بها أطفال آخرون في عالم آخر، المتجمّدين من البرد. جنوب لبنان المدمّر، الاغتيالات من الجو ومن البحر والبر، اختطاف الناس من بيوتهم أو قتلهم فيها، النازحين الممنوعين من أرضهم وبلداتهم بأوامر خارجية يلبيها الجبناء في سلطة الداخل، الغرقى الهاربين من جحيم أوطانهم إلى مجهول المُحيطات مع أطفالهم، والذين تعود الأمواج وتوسّد جثث بعضهم برفق على رمل شواطئها.  كانت جردة رأس السنة مهولة. وعلى مشاهدها تلك نمت قبل حلول منتصف الليل بكثير. لكن، لدهشتي، حين استيقظت في اليوم الأوّل من العام كان هناك شعور عارم بالرضى يلفّ روحي! من أين أتى هذا الشعور؟ ظللت أحثّ نفسي على التذكّر. ثم تذكرت.   فقد رأيت في ما يرى النائم، أنني جالسة في سريري، وحولي ثلاثة أطفال دون سن الكلام. لم أكن أعلم ما هو جنسهم، لكن بدا كما لو أننا كنا نمرح، فيرتمون على صدري وأنا أدغدغهم فيضحكون بكلّ ما أوتيتْ قلوبهم الصغيرة من قوّة، ثم يدغدغوني بدورهم فأضحك من كلّ قلبي.  كانوا أطفالي الذين لم أنجبهم، وبدا لي أنهم كانوا في غاية الامتنان لأنني لم أفعل.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows