Party
رفع الأستاذ عبد الفتاح جمال شكوى إلى الله، كتبها عام 1984م عندما كان مديرًا عامـًا لمكتب التربية والتعليم بتعز، وها هو اليوم ينتقل إلى جوار ربه، بعد أن سبقه المشكو بهم إلى الحَكَـم العدل جل جلاله، وعنده تجتمع الخصوم، وما يهمنا أخذ العبرة والعِظـة، فالدنيا لا تستحق تلك العداوات والخصام بين البشر!
فما الذي حدث؟
وما سبب الشكوى؟
وما قصة القصيدة التي صارت تاريخـًا لا يُنسىٰ؟!
كان الأستاذ عبدالفتاح جمال شخصية بارزة، قائدًا متألقـًا، له حضور تربوي وأدبي وفكري وإداري، وشهد التعليم تحت إدارته توسعـًا كبيرًا وتحسنـًا ملحوظـًا، وصارت محافظة تعز تنافس على المراكز المتقدمة في الشهادات العامة، وفي المسابقات العلمية والثقافية، كان جادًّا في عمله، حازمـًا في إدارته، فرض زيّـًّا مدرسيـًّا محتشمـًا لمدارس البنات بمراحلها المختلفة، ومنع الفوضى والسياب الذي كان يقوم به بعض المسؤولين الذين اعتادوا على زيارة مدارس البنات لسبب أو لغير سبب، فمنع الزيارات إلا بإذن من مكتب التربية، لكنه تفاجأ بحملة شعواء ضده، اتسمت بالكذب والبهتان والإسفاف، والخروج عن الأخلاق والقيم والمروءة!!
صحيفة القوات المسلحة (26 سبتمبر) التي تصدر عن التوجيه المعنوي بصنعاء أعدت عددًا خاصـًا لتشويه سمعة الأستاذ عبد الفتاح، وألصقت فيه تُهمـًا تطعن في عرضه، وتزعم أنه يتحرش بالطالبات، وأن له علاقات مشبوهة مع مديرات المدارس.. وانتحلوا حكايات لا يصدقها عاقل، ولطَّخوها بالسباب والشتائم التي يخجل المرء من ذكرها، وطبعوا ستين ألف نسخة من ذلك العدد المحشو بالبهتان والافتراء والحقد، وحملوها على سيارتين إحداهما كبيرة وأخرى صغيرة، تحركتا ليلًا من صنعاء إلى تعز، لكي توزع الصحيفة على أبواب مدارس البنات صباحـًا.
كانت نسخة من الصحيفة قد تسربت إلى الأستاذ عبد الفتاح الذي تفاجأ بالأمر واستغرب ذلك الفعل المُشين، وخشى أن يصحب توزيع الصحيفة أعمال شغب وصدام يؤدي إلى مواجهات وفوضى وربما سقوط ضحايا..
قضى ليلته في بيت والده، وظل يفكر بأسوأ الاحتمالات، وطار النوم من جفنيه، فلجأ إلى قيوم السماوات والأرض، ورفع إليه شكوىٰ حَـرَّىٰ نسجها بألم القهر، ووجع الظلم، وسطرها على قصاصة من الورق، وفي الصباح كان في غاية الإعياء بسبب السهر والتفكير، فجاءته والدته وسقته كأسـًا من العسل الذي خلطته بالماء، ثم وضعتْ يدها على صدره وظلت تقرأ عليه آيات من القرآن وتدعو له حتى اطمأن قلبه، وذهب روعه وتبدد قلقه، وشعر بحيوية كاملة، فقام من بين يديها كأنما نشِـط من عقال، انطلق إلى مكتبه، وسلم القصاصة التي كتب فيها القصيدة لمدير مكتبه، فطبعها وسحبها بالاستنسل (وسيلة الطباعة المتاحة حينها)، وعندما انتشرت كان لها أثرٌ عظيم أكسبته تعاطفـًا جماهيريـًا كبيرًا، وكأنها صَـبتْ ماءً مدرارًا على نار الزور والبهتان فأطفأتها وأخمدت أُوَرَاها.
وتحسبـًا لأسوأ الاحتمالات وجه مديرات المدارس بأن يُدخلنَ الطالبات إلى الفصول في ذلك اليوم من دون طابور الصباح، وأن يُقفلن الأبواب ولا يسمحن لأحد بالدخول، وأقدار الله جعلت السيارة الكبيرة المحملة بالصحيفة تتعطل في الطريق، ولم تصل السيارة الصغيرة إلا متأخرة بعد أن دخلت الطالبات إلى فصولهن، فأخذوا يرمون الصحف من فوق الأسوار وفي أكثر من مدرسة، وكان هذا بداية فشل المكيدة..
[ولعل قَـدَر تعز أن تتوالى عليها المكائد لتُسْقِـطَـها وتُـشَـوِّه رموزها، لكنها بفضل الله تنجو دائمـًا وتلقف ما
يأفكون!]
كان الرئيس علي عبدالله صالح وقتهـا خارج البلاد، في مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد في الدار البيضاء بالمغرب، ولما رجع استدعى الأستاذ عبدالفتاح إلى صنعاء، وكان قد تم إيغار صدره، وعندما دخل عليه كانت القصيدة بين يديه فرفعها مُغْضَبـًا وقال: ما هذا يا مدير التربية؟ أصبحت توزع منشورات! فرد عليه هذا ليس منشورًا، وإنما شكوى رفعتها إلى ربي، وشرح له ما حدث، فسأله: ومن وراء هذا الأمر؟ فسمَّىٰ له مسؤولًا كبيرًا، فقال: الآن تتوقف أنت وهو عن العمل..
لم يقف الأمر عند التوقيف، وإنما طُـلِـب إلى المحكمة، وأحضروا شهودًا يثبتون فرية الكذب الذي جاءوا به، وحاول القاضي تلقينهم التُّـهَـم، واستمرت المرافعات أسابيع وعدة جلسات، لكن الأستاذ لم ينهزم ولم ينكسر، وظل يدافع عن نفسه، ويُفَـنِّـد تلك الأكاذيب، ولطف الله به فلم يجروء كل الشهود على قول الزور، ولم تثبت عليه تهمةٌ واحدة، فبَـرّأهُ الله مما قاله المفترون -وبعد سنوات طلب منه قاضي المحكمة المسامحة والصفح، ولكن بعد أن وقع الفأس في الرأس- وبدلًا من رد اعتباره أبعد من عمله، وعُرِضَ عليه أن ينتقل إلى باكستان ملحقـًا ثقافيـًا، لكنه رفض ذلك حتى تظهر صفحته البيضاء على الملأ، ولا يبدو
كأنه قد نُفِـيَ خارج البلاد.
كان لا بد أن تُفَـنَّـد الأكاذيب ويفضح زيف الشائعات، ولكن الصحف التي تصدر لا تسمح بنشر إلا ما يتفق مع أهدافها.. كنت حينها مديرًا عامـًا للتعليم في وزارة التربية فكتبتُ مقالًا بعنوان (من يقف وراء الأكمة؟!) وبعثته إلى صحيفة 26 سبتمبر ردًا على تلك الافتراءات، لكنهم رفضوا النشر!
حزنتُ -ومعي كثيرون- كما حزن الأخ عبد الفتاح، بل تألمتُ وبكيتُ من القهر لأني شعرت بالطعنة توجه إلى صدر أخي البريء وأنا أقف عاجزًا عن الدفاع عنه، ولله حكمته فيبتلي عباده، ربما ليرفع قدرهم أو يزيد في أجورهم، ورب ضارة نافعة، فعلى وقع هذه الحادثة المؤلمة جاءت فكرة إصدار صحيفة الصحوة، وعندما تم التصريح لها كُلِـفَ الأستاذ عبدالفتاح جمال ليكون مديرًا لتحريرها، وقد بذل -مع عدد من زملائه- جهودًا مضنية في مرحلة التأسيس حتى انتظم إصدار الصحيفة أسبوعيـًا، وكانت الحاجة ماسَّـة وضرورية لها، وسدت فراغـًا كبيرًا، وصارت مدرسة إعلامية لها حضورها الواسع في الوسط الصحفي.
في العام التالي، جاءت انتخابات المجالس المحلية وتم ترشيح الأستاذ عبدالفتاح فنجح نجاحـًا باهرًا، وصار رئيسـًا للمجلس المحلي لمدينة تعـز، وكان هذا أول رد اعتبار له من
عامة الشعب، وقد أبدع في رئاسة المجلس الذي شهد عصرًا ذهبيـًا تحت قيادته، فأنجز الكثير من المشروعات التي لا تزال شاهدة على كفاءته وعطائه، ومنها جسور المشاة التي عُملت لأول مرة في تعز، ومستشفى التعاون وهو من المباني المشهورة والكبيرة التي تؤدي رسالتها حتى اليوم، وأنشأ حديقة التعاون على أرض جرداء في طريق الحوبان، فقام بتسويرها وتنظيمها وترتيب ممراتها وتشجيرها وإنارتها، واستورد لها ألعابـًا كهربائية ضخمة من اليابان، وكان ذلك عملًا مُبهـرًا، وما تزال الحديقة إحدى معالم مدينة تعز حتى اليوم، كما نفَّـذَ المجلس المحلي مشاريع إنارة الشوارع وتعبيد وسفلتة الطرق، وبناء وترميم المدارس وتبنىٰ مشاريع المياه والمجاري في الأحياء التي تحتاجها، إضافة إلى تقديم المساعدات للمرضىٰ والمحتاجين.. وصار المجلس المحلي بتعز مضرب المثل بين مجالس الجمهورية.
بعد ذلك عين وكيلا لوزارة التربية والتعليم لقطاع التوجيه وكعادته كان كفؤًا ومبدعـًا، وترك بصمات في مسيرة التعليم وخاصة في المناهج والتوجيه والاختبارات.
الذي يجعلني أذكر هذا الحدث أن الألم ظل يَحُـزّ في نفس أخي عبدالفتاح، وقبل ثلاث سنوات فتح لي قلبه وهو يتذكر بمرارة المكيدة الخبيثة التي نجَّاه الله من شرورها،
وأعاد لي تفاصيل كثيرة لا يتسع لها هذا المقال، أما القصيدة فقد وثَّـقت حالة تتكرر، وفترة من الزمن غادر الدنيا كثير من شهودها، وستظل تاريخـًا وعبرة للأجيال.
أما الأستاذ عبدالفتاح فمن حقه أن يُخلَّـد في الذاكرة الوطنية، فيطلق اسمه على شارع كبير في تعز، أو على معلم من معالمها، كأن تسمى حديقة التعاون التي أسسها (حديقة الأستاذ عبدالفتاح جمال) ليترحم عليه كل من زارها أو مرّ من جوارها.
والآن تعالوا بنا نقرأ الشكوى التي رفعها إلى مولاه جل جلاله، وقد جاءت قطعة أدبية بديعة ومؤثرة.. أسأل الله أن يكتب أجره، ويعوّضه عما أصابه رفعة في جنات النعيم.
قصيدة (شكوى) - عبدالفتاح جمال
تعـــز - 1984م
الحَمْـــدُ للهِ لا نُحْـصــي له نِعَـمـًا
والخيرُ ما اختارَه والفضلُ ما يَهَبُ
رضاهُ نرجُو ونسْـتَهـدي بشِـرْعَـتِـه
وإنْ تصَـدَّى لنا الغَاوُونَ أو غَضِبُوا
ثم الصلاةُ على المختارِ سـيِّدِنا
مُحـمَّـدٌ فضلُه كالغـيثِ ينسـكبُ
ياربُّ هذا يَـراعـي حائرٌ وَجٍـلٌ
ياربُّ هذا فؤادي ضارِعٌ وَجِـبُ
يا كاشــفَ الضُّــرِّ يا مَنَّـانُ يا صَـمدُ
رُحْمَاكَ قدْ مَسَّني التجريحُ والكذِبُ
أَشْـكُـو إليكَ أُناسـًا أنت تعلمُـهم
على المفاسدِ والأهواءِ قدْ دَأَبُـوا
تجاوزوا الحقَ والآدابَ ما علِموا
بأَنهـم بعُـروضِ الناسِ قـدْ لعِــبوا
وأَنهــم قــدْ أَهَـانُـوا كـلَّ مُؤْمِنَــــةٍ
بما أَشاعُوا على الأسماعِ أو كتبُوا
وأَنهم قد أغاضُوا كلَّ ذي شَـــرفٍ
وعرَّضُـوا الناس شَـرًّا كاد يلتهِـبُ
تجاهَلوا الدينَ (والميثاقَ) ما علموا
بأن تلفـيـقَ ذاكَ الفُـحْـشِ لا يجِـبُ
والَـهْـفَـتَـاهُ على الأخلاقِ في بلدي
قد شـوَّهَـتْهَـا أيادي الشـرِّ والرِّيَبُ
وضـيَّـعَـتْـها نُـفُــــوسٌ لا تقَــدِّرُهَـا
فأصبحتْ تشتكِيهم وهيَ تنْـتَحِبُ
وسَـــلَّـمتْ أمرَها في كل نائِـبِـةٍ
لشاعرِ الحُـزْنِ يَبْكِيْها فتضطربُ
يبكي عليـــها فلا تأسَــىٰ لعَبْـرَتِـه
ولا تواسيه أو تسأَلْه ما السببُ؟!
أينَ الأمانةُ؟ والإنصَـــافُ قـد ذهبـا
أينَ المُرُوْاءَتُ؟ أينَ الدينُ والأَدبُ؟!
يا ربُّ أَشْـكُـو إلى عليَــــاكَ مَظْـلَـمَـتي
يا صاحبَ الفضلِ إن الفضلَ ما تَـهَـبُ