أوبرا واشنطن الوطنية... عقاب فنّي لإدارة ترامب
Arab
1 week ago
share
تشكّل مغادرة أوبرا واشنطن الوطنية (WNO) مركز جون كينيدي للفنون الأدائية، الأسبوع الماضي، حدثاً مفصلياً في تاريخ المشهد الثقافي الأميركي، إذ تمثل هذه الخطوة عقاباً فنياً حتى الآن لجهود الرئيس دونالد ترامب في إعادة صياغة هوية المركز وفقاً لرؤيته الخاصة. فبعد أكثر من خمسة عقود من العروض المستمرة في هذا الصرح الذي يُعد "نصباً حياً" للرئيس الراحل كينيدي، قرّرت الأوبرا قطع علاقتها التاريخية التي بدأت منذ افتتاح المركز في عام 1971. هذا القرار لم يكن مجرد انتقال مكاني، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية ومالية وفنية بدأت مع سيطرة ترامب على مجلس إدارة المركز وتحويله إلى ساحة للتجاذبات السياسية. بدأ التحول الجذري في فبراير/شباط من عام 2025، عندما تولى دونالد ترامب رئاسة مجلس إدارة المركز وأطاح ديبورا روتر، الرئيسة السابقة التي قادت المؤسسة عقداً من الزمان بنجاح مالي وفني ملحوظ. وبدلاً منها، عيّن ترامب حليفه السياسي ريتشارد غرينيل مديراً تنفيذياً، وملأ مجلس الإدارة بموالين له. هذا التغيير الإداري أدى إلى تغييرات جوهرية في فلسفة المركز؛ فأُنهيت خدمات العديد من الموظفين القدامى وتغيّرَ التوجه البرمجي ليصبح أميل إلى اليمين السياسي. ولم يكتفِ ترامب بالتغيير الإداري، بل أطلق عملية تجديد بتكلفة 257 مليون دولار تضمنت إعادة طلاء الأعمدة الخارجية وإضافة صور للرئيس والسيدة الأولى في قاعة الأمم داخل المركز. بلغ التوتر ذروته في ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما قرر مجلس الإدارة، برئاسة ترامب، إضافة اسم الرئيس إلى لافتات المبنى ليصبح مركز دونالد جيه ترامب وجون إف كينيدي التذكاري للفنون الأدائية. أثارت هذه الخطوة عاصفة من السجالات القانونية والاحتجاجات الشعبية، إذ أكد خبراء قانونيون أن الكونغرس وحده هو صاحب الصلاحية في تغيير الاسم الرسمي للمركز المنشأ بموجب قانون فيدرالي. ومع ذلك، وُضع اسم ترامب على الواجهة الخارجية في غضون 24 ساعة تحت حماية الحرس الوطني، ما اعتبره الكثيرون "تدنيساً" لذكرى كينيدي وتحويلاً للمركز إلى أداة ترويج شخصي. انعكس هذا المناخ المشحون سياسياً مباشرةً على الجانب الفني، فبدأ الفنانون والفرق الموسيقية في الانسحاب من العروض المجدولة. ووصف عازف البانجو الشهير بيلا فليك (Béla Fleck) الأجواء في المركز بأنها أصبحت "مشحونة وسياسية"، معلناً انسحابه من حفلاته مع الأوركسترا السيمفونية الوطنية. واعتذر الملحن ستيفن شوارتز (Stephen Schwartz)، مؤلف مسرحية "ويكيد"، عن استضافة حفل غالا لأوبرا واشنطن الوطنية في المركز. ولم تتوقف الانسحابات عند هؤلاء، بل شملت عروضاً لمسرحية "هاميلتون" وحفلات لموسيقيين عالميين مثل ريانون غيدنز (Rhiannon Giddens)، ما جعل المركز يظهر "أكثر تفاخراً ولكن أكثر فراغاً" من حيث المحتوى الفني الأصيل. مالياً، واجهت أوبرا واشنطن الوطنية تحديات كثيرة؛ إذ أدى نفور الجمهور والمانحين من التوجه الجديد للمركز إلى انخفاض حاد في مبيعات التذاكر، فتراجعت اشتراكات الأوبرا بنسبة 15% في الأشهر الأولى من سيطرة ترامب. كما أشار مسؤولو الأوبرا إلى أن النموذج التجاري الجديد الذي فرضه المركز، والذي يتطلب تمويل الإنتاجات بالكامل مسبقاً، يتعارض مع طبيعة عمل شركات الأوبرا التي تعتمد عادةً على المساعدات والتبرعات التي يجرى تحصيلها بمرور الوقت. وصرحت المديرة الفنية للأوبرا فرانشيسكا زامبيلو بأن سياسات الإدارة الجديدة "حطمت" ثقة المانحين، ما جعل البقاء في المركز مستحيلاً مالياً وفنياً. في يناير 2026، أعلنت أوبرا واشنطن الوطنية رسمياً خطتها لإنهاء اتفاقية الانتساب مع المركز واستئناف عملياتها كياناً مستقلاً غير ربحي. وبينما ادعت إدارة مركز كينيدي أنها هي من قررت فك الارتباط بسبب "علاقة مالية صعبة"، أكدت مصادر من داخل الأوبرا أن القرار كان نابعاً من إجماع مجلس إدارتها نتيجة التهميش والضغوط. بدوره، سخر ريتشارد غرينيل من الأوبرا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مدعياً أن وجود أوبرا حصرية لم يكن "ذكياً من الناحية المالية" وأن الجمهور يرغب في "التجديد". تخطط أوبرا واشنطن الوطنية حالياً لتقليص موسم الربيع لعام 2026 والبحث عن مواقع بديلة في العاصمة الأميركية لتقديم عروضها، مؤكدة التزامها برسالتها الفنية بعيداً عن التدخلات السياسية. ومع رحيل الأوبرا، والنزاعات القانونية المحتملة حول الوقف المالي المشترك البالغ 30 مليون دولار، يواجه مركز ترامب كينيدي مستقبلاً غامضاً؛ إذ تحول من ملتقى وطني للفنون إلى رمز للانقسام، ما يهدد مكانته الدولية التي حافظ عليها أكثر من نصف قرن بوصفه مؤسسة ثقافية غير حزبية. لا تقتصر التغييرات في المشهد الثقافي الأميركي على مركز جون كينيدي وحسب؛ ففي أغسطس/آب 2025، طالب دونالد ترامب بمراجعة شاملة لمعروضات ثمانية متاحف رئيسية تابعة لمؤسسة سميثسونيان، من بينها متحف التاريخ الأميركي، والمتحف الوطني للفن الحديث، والمتحف الوطني للطبيعة والعلوم. الهدف المعلن: ضمان أن تعكس المعروضات "المثل الأميركية" كما يفهمها ترامب، والتركيز على "الإنجازات الوطنية" بدلاً من تسليط الضوء على الجوانب المظلمة من التاريخ، مثل العبودية، والتمييز العنصري، والإبادة الجماعية للسكان الأصليين. وصف ترامب المؤسسة بأنها "خارجة عن السيطرة"، معتبراً أن المتاحف "تُعطي صورة سلبية وغير متوازنة عن أميركا"، وأنها "تُدرّس المواطنين كراهية بلدهم بدلاً من الاعتزاز به". جاء هذا التوجيه في إطار المرسوم التنفيذي رقم 14253 الصادر في مارس/آذار 2025 تحت عنوان "استعادة الحقيقة والعقلانية إلى التاريخ الأميركي". هذا المرسوم يُلزم جميع المؤسسات الثقافية الفيدرالية – وفي مقدمتها سميثسونيان – بمراجعة محتواها ومعروضاتها وفق معايير جديدة، أبرزها: حذف أو تعديل المعروضات التي تُظهر الولايات المتحدة في صورة "سلبية"، مثل التركيز المفرط على جرائم العبودية أو الحروب الاستعمارية، إلى جانب إعادة هيكلة السرد التاريخي ليُبرز "الإنجازات الوطنية" في الاقتصاد والعلوم والتوسع الجغرافي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows