Arab
يقدّم "أبو زعبل 89" (2024)، وثائقي المخرج المصري بسام مرتضى، سفراً داخلياً في ذاكرة عائلية مسكونة بوجع القبض على محمود مرتضى، والده المناضل اليساري والعمّالي. توفّق بسام في تمثّل أرضية خصبة وخلّاقة لاستعادة الذاكرة، بفضل تعدّد الأشكال (أرشيف مرئي وصوتي، إعادة خلق، استجواب، رسائل صوتية)، وتلمّس جمالية الفن داخل الفن (مسرح، أدب، شعر، أغانٍ، سينما).
يستكشف الفيلم، في بدايته، حادثة الاعتقال من وجهة نظر بسام الطفل، قبل أن يحاول فهمها باستدعاء شهادة الأم فردوس البهنسي، التي تحكي بوضوح وصراحة عن تجربتها، رغم ظروفها الصحية الصعبة، عكس الأب الذي يحتمي، بفعل التداعيات النفسية للاعتقال، وراء الكتمان، بعد إقامته في فيينا أعواماً، وسعيه هناك إلى كماليات، بحثاً عن استدراك متع ضائعة.
يقبض "أبو زعبل 89" كذلك على شهادات رفاق الأب في السجن والنضال، أوّلهم الممثل سيد رجب، ليغدو فضاءً رمزياً لتلقّي تجربة الاعتقال السياسي وترسّباتها، المفضية إلى سوء فهم وتفكّك أسري. يقتصر حضور الأب، في مشاهد تعيد خلق انتقاله للعيش في الخارج، على صوت تسجيلات كاسيت كان يبعثها إلى بسام، الذي وجد نفسه مُضطرّاً إلى لعب دور أب قبل الأوان، بينما تتحوّل ذكرى الأم حرفياً، في الفصل الأخير، إلى أرض لاستقبال أول مكاشفة بين الأب وابنه، بعد أنْ ظلّا في الفيلم كلّه منفصلين بفعل حاجز غير مرئي، عبّرت عنه كادرات تعكس بإبداع فكرة الازدواجية وغياب التواصل.
شارك الفيلم في المسابقة الرسمية للدورة الـ16 (13 ـ 18 يونيو/حزيران 2025) للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بأكادير (فيدادوك)، حيث دار هذا الحوار مع بسام مرتضى، عن رؤيته مسار صناعة فيلمه هذا، وحضور ذاتيته، وجمالية الفن داخل الفن، وتلقي الفيلم في سياق أسئلة الثورة المصرية، ومواضيع أخرى.
(*) في مستهل الفيلم، بدأتَ بمعاتبة والدتك على أخذك معها إلى زيارة الوالد في السجن. هل أطلقت هذه الزيارة حبل الذاكرة، وربما مسار صناعته؟
في بداية صناعته، كنت أعرف جيداً أن القصة ستبدأ من زيارة السجن رفقة والدتي، وتجهيزنا وجبة السمك الضخمة لوالدي ورفاقه في الزنزانة. كنت مدركاً أني سأبدأ من هناك، لكني لم أكن أعرف كيف. أتذكر أني، عند كتابة التصوّر الأولي، كتبت: "في يوم من الأيام، أخذتني والدتي...". بعد ذلك، عندما صرت تدريجياً شخصية داخل الفيلم، شرعت أفكّر في سبب وجودي فيه، ولماذا أنا شخصية. من هنا بدأت أنسج، انطلاقاً من فكرة أن وجودي في الفيلم راجع إلى طرحي تساؤلات. كانت البداية بسؤال: "لماذا أخذتِني إلى الزيارة؟"، حتى تترسّخ، منذ الاستهلال، مشاركتي في الفيلم على شكل أسئلة: لماذا تركتنا يا والدي؟ لماذا لم تحاول أن تتغير؟ في ذلك، محاولة فهم شخصيتي داخل الفيلم، وبداية تساؤل واسع يدور فيه برمّته.
(*) بعد ذلك، جاء مشهد إعادة خلق اعتقال الوالد، ما أعطى انطباعاً خاطئاً أنك ستفرد لقصة الاعتقال مساحة واسعة، وتصير مركز الفيلم. أكان مقصوداً إعطاؤك هذا الانطباع؟
هذا صحيح. كانت قصة الاعتقال، حتى من المنظور العائلي، الأهم بتفرّعاتها كلّها. أي: ماذا حدث في المعتقل، وكيف كان الوضع في السجون، وتفاصيل عمليات التعذيب. كانت القصة المحتكرة للأحاديث التي تجمعنا أيضاً. لذا، حرصت على جعل الجمهور يعيش ما عايشناه بالترتيب نفسه؛ أي أن يكون الاعتقال القصة المركزية، وفي لحظة، أقرر واعياً القول للناس: "لا. في الحقيقة، ليس الاعتقال القصة الأساسية، بل الأثر الذي عاش في والدي بعد خروجه من المعتقل، وليس بالضبط ما عاشه هناك". فعلياً، وبوصفه جزءاً من عملية البناء واللعب مع الجمهور، كان مقصوداً إعطاء الانطباع بشيء، ثم الذهاب في منحى مختلف عنه تماماً.
(*) هل شغل بالَك سؤالُ التحيز إلى الذاتية؟ ليس فقط لمقاربتك مكانك في الفيلم، بل حتى في استبطان رؤية الوالد والوالدة للأشياء، بمواجهة المنحى التأريخي، باعتبار أن الموضوع يتقاطع مع تاريخ الحركة العمالية في مصر، والقمع الذي تعرضت له.
منذ الكتابة، أدركت بالتأكيد أن هناك تشابكاً كبيراً بين الخاص والعام، وأن الفيلم قائم عليه. كان التحدي الكبير، الوقت كلّه، أن أجد تقاطعات دالّة بين مساحة الخاص ومساحة العام. أعرف الشخصيات الحاضرة في الفيلم، ليس فقط بوصفها مجموعة سياسية بتصوّر ما، بل أفراد من عائلة كبيرة. لذا، جزء كبير من العلاقة والحديث الذي يجمعنا الوقت كلّه يتناولان مسألة المزج بين المساحتين. كنا نتحدث عن انهيار جدار برلين، وفي الآن نفسه عن المصيف الذي ذهبنا إليه في الفترة المزامنة له، وكيف تلقينا الخبر هناك.
هذه سمة متأصلة في الحكي العائلي عندنا، وعند الحركة اليسارية المصرية. انشغلت كثيراً بكيفية خلق انعكاس لهذا التشابك في الفيلم، فكنت أفكر، في لحظة، أني ربما في حاجة إلى رفع منسوب السياق العام، ليُتاح لمشاهد أجنبي لا يتوفر على معلومات كافية. لكني قاومت هذا التوجه، وقلت لنفسي إني سأكتفي بهذه المساحة من السياق، لأني إن رفعته، فسأكون كما لو خنت تصوّر الفيلم، لأبلّغ معلومات بشكل كاف.
هذا يحدث عندما تتوجه الأفلام إلى المشاهد الأوروبي، الذي يفضّل التزوّد بسياق أوسع، بدل الانسياق وراء قصة "بسيطة". رغم أننا، بصفتنا مشاهدين من منطقتنا، لدينا استعداد أكبر للتركيز على قصصهم البسيطة، ولا نحتاج كثيراً إلى معرفة سياقها. عندما يُستهلّ فيلم فرنسي مثلاً بقصة حب بين شخصيتين، على خلفية الحركة الطلّابية في نهاية الستينيات، لا نسأل كثيراً عن تاريخ هذه الحركة وتفاصيلها.
(*) يتجلّى بصرياً تساؤلك عن مكانك وسط الفيلم، فهناك مثلاً مشاهد تتأمل فيها أمام شاشة، مع انعكاس ظلّك عليها. كيف جاء تصوّر أن تلعب، نوعاً ما، دور والدك في بعض المشاهد؟ أمن اعتبار أنك مجبرٌ على تعويضه في فترة غيابه عن الأسرة، أم من شيء آخر؟
في البداية، لم أرغب في أن أكون شخصية حاضرة في الفيلم. كنت أفضّل الاختفاء وراء الكاميرا، والتحكم في الأشياء من هناك. لكن، تدريجياً، بدأت أحس أن هذا مستحيل، وأني أحتاج إلى أن أكون موجوداً، لأني أحسست أن والدي ووالدتي يتشاركان أشياء تجعلني مُجبراً على تحمل مسؤوليتي، وأن أكون أمام الكاميرا. ففكّرت في سؤال: "من أنا حتى أكون أمام الكاميرا؟". عادة، يتأمل المخرج الوثائقي في شخصياته، ويسعى إلى فهمها، وينشغل برسم القوس الدرامية التي تتمثّلها أمام كاميراه، لكنه لا يتأمّل كثيراً في نفسه. كنت مجبراً على التأمل في أسئلة أخرى: من أنا؟ ما شكلي؟ ما طبيعة أسئلتي؟ ما طبيعة حضوري؟
بطبعي، أنا شخص يحب المراوغة، وحكاية القصص من مكان خفي، لا من مكان مواجه ومباشر، فكيف يمكنني تقديم نفسي بصورة شخص لا يمضي في الأشياء إلى آخرها؟ أو أبدأ الحكاية، ثم أنسحب لأحكي أخرى؟ هذا من التحديات الصعبة: أن أكون صادقاً في تقديم نفسي، لا شخصية مختلفة لي لخدمة هدف درامي معين، أو إضفاء مواجهات عنيفة على الفيلم، على أنها مَشاهد أصرخ فيها بوجه والدي: لماذا فعلت هذا؟
هذا ليس أنا. لكن هذا لا يلغي السؤال الدرامي، وكيف أحافظ على دراما وتوتر يجذبان الجمهور إلى متابعة الفيلم.
