Arab
نحن جيل وُلد في زمن تتغير فيه الحياة أسرع مما نلتقط أنفاسنا. جيل يعيش على الحافة.. لا يسقط، ولا يقف بثبات، بل يحاول كل يوم الحفاظ على توازنه فوق خيط رفيع بين طموحات تكبر داخله وهاجس خفي اسمه "الفشل".
من الخارج، نبدو نشيطين ومبتسمين، نعرف ماذا نريد. أما من الداخل، فنشبه متسلّق جبل يمد قدمه على صخرة لا يعرف إن كانت ستصمد أم ستنكسر. لم يعد النجاح حلمًا بسيطًا كما كان لدى الأجيال السابقة؛ فالقيمة القديمة للنجاح كانت وظيفة مستقرة وحياة هادئة، أما اليوم فصار النجاح مشروعًا معقدًا: مال، تأثير، حضور على مواقع التواصل الاجتماعي، مهارات لا تنتهي، صورة مثالية يجب الحفاظ عليها.
نعيش تحت ضوء قوي يطلب منا أن نكون "الأفضل" دائمًا، بينما نخفي في الظل خوفًا من أن نكون أقل مما ينتظره الآخرون. لهذا السبب، يمشي جيلنا بسرعة، لكنه بخوف. يريد أن ينجح الآن، لا غدًا. يريد أن يثبت نفسه في كل مجال، أن يتجاوز واقعه قبل أن يفهمه. وبين هذا وذاك تتكوّن فجوة صامتة: نسعى كثيرًا، نستنزف كثيرًا، لكننا لا نشعر أننا نصل. وكأن الطريق أطول مما ينبغي، أو كأننا نحمل حقائب أثقل مما نحتمل.
لقد أصبحنا نخلط بين "الركض" و"النجاح"، بين "التعب" و"القيمة"، بين "الانشغال" و"الحياة". الراحة تجعلنا نشعر بالذنب، والبطء يخيفنا، والتوقف يشبه الخسارة. وفي خضم هذا، ننسى قول الله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
نحن من نحمل أنفسنا فوق الوسع، ونقيس نجاحنا بمعايير ليست لنا أصلاً، متجاهلين أن لكل شخص طريقه، وأن اختبارات الحياة تختلف بين إنسان وآخر، وأن الفشل ليس لعنة، بل مرحلة تُبنى عليها قصص أكبر مما نتخيل.
الجري خلف كل شيء يجعلنا نخسر أنفسنا شيئًا فشيئًا. نفتح الهاتف لنقارن، ونغلقه لنشعر أننا متأخرون. ننجز عملًا جيدًا ثم نقلق لأنه ليس "الأفضل". نصل إلى مرحلة لا نعرف فيها إن كنا نعمل بصدق، أم نحاول فقط ألا نظهر أقل من الآخرين. والأكثر ألماً، أن خوفنا من الفشل غالبًا لا ينبع من الفشل نفسه، بل من نظرة الآخرين، وكأن السقوط اليوم ليس سقوطًا، بل فضيحة، والنجاح ليس تحققًا، بل إثباتٌ.
لكن الحقيقة هي أن النجاح الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن الخوف من الفشل. حين نعيش تجربتنا كما هي، لا كما يريدها الآخرون. حين نخفف عن أنفسنا ونتذكر أن الوصول ليس سباقًا، وأن البطء ليس عيبًا، وأن الطريق قد يميل أحيانًا.. لكننا لن نسقط إذا مشينا بإيقاعنا الخاص.
المشكلة ليست في طموح الجيل، بل في الإرهاق الذي رافقه. في الأصوات الكثيرة التي تطلب منا أن نكون كل شيء في وقت واحد، في توقعات المجتمع وضجيج المنصات، في معايير نجاح تُصنع بعيدًا عن واقعنا.
نحن جيل يعيش على الحافة، لكن هذا لا يعني أننا على وشك السقوط. ربما نحن على وشك أن نفهم أن الحياة ليست امتحانًا مستمرًّا، وأن الرحلة أهم من شكل النهاية. وأن النجاح، مهما تغيّرت تعريفاته، سيظل في جوهره بسيطًا: أن تبذل جهدك، أن تكون صادقًا مع نفسك، وأن تمشي طريقك من دون أن تنسى روحك خلفك. وهذا وحده نجاح لا يعرف الفشل.
Related News
الهلال يخطب ود غريب بعرض رسمي
aawsat
21 minutes ago
الدوري الفرنسي: ستراسبورغ يعمق جراح ليل بفوزٍ كاسح
aawsat
23 minutes ago
هجوم مسلح يستهدف مديرية أمن ديار بكر التركية
alaraby ALjadeed
31 minutes ago