عن الإنهاك الذي أصابنا
Arab
1 week ago
share
منذ مدة خفَّ اهتمامي بعالم التواصل الاجتماعي. لم أعد مهووسة يومياً بمتابعة الأخبار ولا بالمشاركة في "الترندات" المتلاحقة، ولا سيّما ما يتعلّق منها بالشأن السوري. لم أعد أنشر نصوصي الشعرية بالتواتر نفسه الذي كنت عليه، ولم أعد أيضاً مهتمّةً بالتدوين اليومي لحالاتي النفسية المتقلّبة. أستخدم "السوشيال ميديا" للأخبار الشخصية المتفرّقة، مع إبقاء مساحة صغيرة للتعبير عن موقفي تجاه حدث سوري طارئ، وما أكثر الحوادث السورية هذه الأيام! ما يحدث لي أفسّره بوصولي إلى مرحلة من العمر لم أعد قادرةً معها على تحمّل التوتّر اليومي الذي تسبّبه وسائل التواصل وأخبارها وعالم الافتراض وكوارثه. لم أعد في وارد الجدل العقيم والنقاش الحادّ في الشأن السوري، ولم أعد أحتمل أن أتعرّض، من جديد، لشتائم وحملات تشويه سمعة بسبب رأيي السياسي، إذ لا شيء يستحقّ هذا: لا وطن ولا قضية ولا أيّ شيء يستحق أن تضعَ امرأةٌ مثلي، وفي سنّي، سمعتها بين أفواه الموتورين وقليلي الأخلاق. لا شيء يستحقّ الغضب والتوتّر الناجمين عن ذلك. غير أن الإنهاك سبب آخر للابتعاد. أحداث الـ15 عاماً الماضية تمكّنت مني ومن كثيرين غيري تماماً. نحن أُنهكنا، وأُنهكت مشاعرنا وأحاسيسنا إلى حدّ أننا بتنا قليلي الاهتمام تجاه ما يحدُث، قليلي التعاطف مع الأحداث المروّعة؛ ففرط تراكم الأخبار والصدمات والخذلانات جعلنا أقلّ تفاعلاً مع المآسي والكوارث. نتلقّى أخبارها ببرود ظاهري، وأحياناً بلامبالاة قد توصف بانعدام الموقف الأخلاقي تجاه الحدث، لكن الحقيقة ليست كذلك. لسنا معدومي التعاطف، ولسنا بلا موقفٍ أخلاقي، ولسنا لامبالين؛ نحن فقط منهكون من هذا العرض المروّع الممتد سنين طويلة. حروب ومجازر، وموت متنقّل، ومقابر على اتساع البلاد، وتهجير وتشرّد، ويأس وجوع وفقر وكوارث طبيعية. خلافات وكراهية وأذى، واستهداف مباشر وقتل معنوي، وخوف وتوتّر وخيبات لا تُحصى. استعراض قوة وتشفٍّ وفرط طغيان، واستقطابات قاتلة وخيانات وحقد وفرط حقد. تردٍّ وانهيار في الثقافة والفكر والفن والإعلام، وانزياح ثقافي نحو الشعبوية، واستعلاء نخبوي، وتصحّر مجتمعي وسياسي. أمراض وأوبئة وعلل، ورحيل مفاجئ لعدد كبير من الأصدقاء. كيف سيكون أحدنا طبيعياً ومتعاطفاً ومتفاعلاً وهو يعيش حياته يشاهد مشهداً كهذا، يُعرض له يومياً منذ سنوات طويلة، من دون أن يترك له فرصةً لالتقاط أنفاسه؟ كيف يمكن لهذا كلّه أن يبني فينا وعياً منتجاً ومحفّزاً وهو يشتغل على تدمير بنيتنا النفسية والأخلاقية، حين يجعلنا نتقبّل الموت والدم والحرب والحقد والانحدار الطائفي كما لو أن هذا الخراب أمر طبيعي نكمل حياتنا معه؟ حين تتحوّل الحياة إلى عرضٍ عن الخراب، يصبح الاهتمام بتغييرها مجرّد وهْم نتحدّث عنه كما نتحدّث عن غائب لا أهمية له في حياتنا. هل أصبحنا، حقّاً، أقلّ إنسانية؟ هل حوّلتنا كوارث بلادنا والعالم إلى أشخاص متبلّدي المشاعر، أم أن ما نحن به هو نتيجة طبيعية للتلقين اليومي لمعنى الخراب؟ في يقيني أننا، في انسحابنا من التفاعل والتعاطف اليومي والمباشر، نبني منظومةً دفاعيةً ذاتيةً تقينا من الانهيار أو الوقوع في براثن الاضطرابات النفسية والأمراض الفيزيولوجية التي قد تودي باكراً بحياتنا. في لامبالاتنا هذه نبني أيضاً جداراً بيننا وبين الاستنزاف والاستهلاك العاطفي المدمّر لمنظومتنا الأخلاقية بالكامل، الذي يفقدنا الانتباه إلى المعنى في كل ما يحدث. نحن في ابتعادنا نقاوم الانحدار نحو خطاب كراهية سنصاب بعدواه إذا ما بقينا نواجهه يومياً، ونقاوم الاصطفاف الحادّ الذي قد ينسف بقايا أمل نحتفظ به كما لو كان هو الحرز الوحيد الذي نملكه. نحن متعبون ومرهقون ومنهكون، ومحتاجون إلى العيش في الواقع الطبيعي لا في عالم افتراضي يبثّ الغضب والكراهية والخراب. نحن لسنا مطالبين بالتفاعل مع كل ما يحدُث طوال الوقت. ففي هذا الزمن، إذ ينحاز التعاطف نحو ضحيّة أو حدث بعينه ويُتشفّى من ضحية مقابلة، يصبح الاقتصاد في التفاعل والتعاطف حكمةً تحاول استعادة معنى الإنسانية كما ينبغي لها أن تكون. نحن منهكون نواصل حياتنا ونحن ندرك أن الغد لن يكون أفضل ممّا يحدث اليوم، لكنّنا نستمرّ في العيش لأنه طريقتنا الوحيدة للمقاومة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows