لماذا نحتاج إلى معجم للغة العربية؟
Arab
1 week ago
share
ليست اللغة جماداً هلامياً، بل كائنٌ حيٌّ يتنفّس ويأكل ويشرب. ومثل جميع الكائنات الحيّة، تحتاج إلى تغذية نوعيّة تمنحها جسداً مرناً يواكب حركة الزمن وتقلّبات المجتمعات، من أجل نموٍّ صحّي؛ في طفولتها تحتاج إلى توجيه وتطعيم وتلقين بجرعات واسعة لتكوين رصيد معرفي يناسب عمرها، وفي شيخوختها تحتاج إلى إنزيمات لتحفيز خلاياها، وإلى كولاجين لتستعيد عافيتها وتحافظ على شبابها. وأيّ تقصير في التغذية أو العناية سيؤدّي إلى ذبول أوراقها وتحلّل جذورها. ومن ثم، سينصرف الناس إلى أشجار أكثر خضرةً وانتعاشاً وطراوة. فمن يرغب في ظلٍّ يابس لا رائحة له ولا امتداد؟ وتحتاج اللغة العربية إلى عناية أكبر من جلّ اللغات الأخرى؛ فصحيحٌ أنها عريقة وواسعة النطاق، استفادت من أنها ذاتٌ مرجعية دينية لأنها لغة القرآن، لكن ما تستفيد منه قد يشكّل في حدّ ذاته مصدر قلق: فاتساعها قد يتحوّل متاهةً، وعراقتها إذا لم تتجدّد قد تصبح تابوتاً، ولأنها لغة القرآن قد تصبح لغةً طقوسيةً أكثر منها لغةً يومية، وهذا ما حدث مع اللاتينية. ويأتي معجم الدوحة ليشكّل خطوةً عملاقةً لاحتضان اللغة العربية، بتتبّع أصولها من أجل استمرار التدوين، بمبدأ تطوّر اللغة الذي رافقها منذ البداية. وليس من السهل الإحالة على أهمية إسهامات المعجم كلّها وخدماته للغة العربية، وتكفي الإشارة إلى ما قدّمه من خلال البحث في جذور الكلمات واشتقاقاتها، وإظهار تبدّل معانيها مع الوقت، وإضافة المزيد من الاستعمالات للكلمة الواحدة. فقد تبدأ المفردة بمعنى واحد، ثم يصبح لها احتمالات أخرى، فينشأ السياق الذي يحكم معناها ويتقبّل كل وجوهها. فكل كلمة تحتاج إلى سياق يجترح معانيها على تبدلاتها، ويسهل توسيع نطاقها لاحقاً. وفي عملية النبش في أصول اللغة العربية، خلال البحث عن مفردة، تصادفك في جلّ المرّات أبيات من الشعر؛ فإن كان لأحد شكٌّ في أنه فنّ عربي، فسيتأكّد من ذلك حين يتبع تطوّر المفردة ويجد أن أقدم معنى لها كان في بيت شعري، ثم يتطوّر هذا المعنى ويختلف بعد عقود في بيت شعري آخر، وهكذا إلى أن تمضي قرون بين أول معنى وآخره. أبرز المعجم الشعر باعتباره الوسيلة الأكثر تعبيراً عن تاريخ الثقافة العربية. الشعر هنا ليس ترفيهاً أو وسيلةَ تواصل نخبوي للسلاطين والأمراء، بل هو لسان الإنسان قروناً طويلة، وتجسيد كامل لبلاغته. ومع محدودية الموضوعات التي يتناولها الشاعر، يذهب بعيداً في اللغة، ويجترح مفردات ومرادفات طرية لإبراز فصاحته وقدرته على توسيع نطاق المعنى، ومخيّلته الخصبة التي تزرع اللغة، حتى صارت إحدى أكثر اللغات في العالم غنىً من ناحية المفردات والمرادفات. ولم تفعل ذلك بالتأكيد بالرقابة والتضييق وإغلاق باب الاجتهاد. وأيُّ محتوىً جديد لا بدّ أن يكون له وعاء لغوي حيوي يستوعب المتغيّرات السريعة في البنية المعرفية في العالم وطبيعة حياة الإنسان. وإذا انتبهنا إلى كثير من المصطلحات الجديدة عالمياً، سواء في العلوم أو الفلسفة، فغالباً ما تدخل إلى اللغة العربية بمسمّاها الغربي، ويحتاج كاتبها أو قائلها إلى استحضار الأصل الأجنبي كلّما ذكرها، ممّا يفرض مواكبةً حثيثةً من معجمات لديها موارد ضخمة مثل معجم الدوحة. المهمة المقبلة الأكثر أهميةً تحديث المعجم على غرار ما يقوم به معجم أكسفورد، الذي يضيف سنوياً مئات الكلمات الجديدة التي لا تحتاج إلا إلى استخدام متكرّر لتصبح جزءاً من اللغة، وأيضاً تعيين معانٍ جديدة لكلمات قديمة، حتى تستجيب إلى الحاجة المتجدّدة إلى المعنى. ومن نماذج البحث اللطيفة في المعجم كلمة "السافر"، في فئة الفاعل، التي عرفت معاني عدّة: فكانت البداية مع السافر بمعنى المرتحل من مكان إلى آخر، من "السفر"، في القرن الخامس قبل الهجرة. ثم السافر بمعنى الميت، من "السَّفْر"، في القرن الثالث عشر قبل الهجرة؛ والسافر بمعنى الكاتب، من "السِّفر"، بقرن واحد قبل الهجرة… إلى غير ذلك من المعاني التي تمثّل دورة حياة كلمة واحدة في لغة واحدة، من بين آلافٍ يستعملها كائن واحد شديد النهم إلى الكلام.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows