شهادات لـ"العربي الجديد" من ساحات احتجاج في إيران
Arab
1 week ago
share
شهدت إيران على مدى الأسبوعين الماضيين، موجة احتجاجات تعدّ الأعنف منذ عقود، وذلك من حيث أعمال العنف الواسعة والمواجهات الدامية وأعداد القتلى والإصابات التي لم تُعلن رسمياً بعد. غير أن الطرفين، السلطة من جهة، والمعارضة في الخارج ووسائل إعلام ناطقة بالفارسية، تتفقان على وصف حجم الخسائر بأنه "كبير". ويتبادل الطرفان الاتهامات بشأن ظروف هذه الوفيات وأسبابها، فتتهم السلطات الإيرانية "مسلحين وجماعات شبه إرهابية" بقتل قوات الأمن والشرطة والمدنيين، فضلاً عن الهجوم على المنشآت الحكومية والمساجد، مستندةً في ذلك إلى بث مشاهد تؤيد روايتها. في المقابل، توجه المعارضة الإيرانية، بالتزامن مع وسائل إعلام ناطقة بالفارسية خارج البلاد ومنظمات حقوقية، اتهامات مباشرة للسلطات بقتل هذا العدد من المحتجين، مستدلةً بنشر فيديوهات قالت إنها تُظهر "جثثاً مكدسة" في الطب العدلي جنوبي العاصمة طهران، ومضيفة أنهم "قتلوا على يد قوات الأمن". وقالت مصادر إيرانية مقربة من السلطات، لـ"العربي الجديد"، إن الحكومة ستعلن أعداد القتلى خلال الفترة القليلة المقبلة بعد إجراء فحوص طبية توضح طبيعة قتل كل شخص وظروفه وأسبابه، مشيرة إلى أن هناك مئات القتلى من قوات الشرطة والباسيج. وأضافت أن القتلى يشملون محتجين، ومارة عاديين، وعناصر شرطة وباسيج وأمن، و"مسلحين ومثيري شغب". وعن أساليب القتل، قالت إنها تشمل استخدام المسدس، والسكين، وأسلحة نارية، وأجسام حادة مثل الحديد، والباطون وقنابل يدوية وزجاجات حارقة. وأكدت أن قوات الشرطة والباسيج "لم تكن لديها تعليمات بإطلاق النار حتى مساء الخميس الماضي، إلا في حال تعرُّض مقراتهم لهجوم"، قائلة إن "الوضع أصبح مختلفاً منذ مساء هذا اليوم بعد اندلاع مواجهات دامية وهجمات من قبل مسلحين ملثمين". كذلك أوضحت أن السلطات في إيران تنوي الإعلان عن المواطنين "من المارة أو المحتجين العاديين" الذين قتلوا بالسكين أو بأدوات أخرى أو أسلحة غير تلك التي تستخدمها قوات الشرطة على أنهم "شهداء". وفي السياق، قدر موقع "هرانا" التابع لنشطاء حقوقيين معارضين للسلطة في أميركا أن عدد القتلى 2571 قتيلاً، فيما نقلت وكالة رويترز عن "مصادر إيرانية" أن العدد ألفان. من الاقتصادي إلى السياسي وقد انطلقت الاحتجاجات الأخيرة في إيران سلمياً من "بازار" طهران احتجاجاً على تدهور الوضع الاقتصادي، والانهيار الحاد الذي شهده الريال مقابل صعود غير مسبوق للدولار، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى، ولا سيما الصغيرة، في محافظتي إيلام ولرستان وكرمانشاه غربي البلاد، حيث أهم المواقع الصاروخية الإيرانية. ومع مرور الوقت، تصاعدت الأحداث في إيران نحو أعمال عنف ومواجهات دامية غير مسبوقة خلال يومي الخميس والجمعة الماضيين، إذ تحولت نقاط في طهران ومدينة مشهد شرقي إيران ومدن أخرى إلى ساحات معركة وكر وفر. وعلى الرغم من ذلك، بدأت الاحتجاجات تتراجع اعتباراً من يوم السبت الماضي تحت ضغط القبضة الأمنية المشددة، وبدأ يعود الهدوء النسبي إلى الشوارع الإيرانية من يوم الاثنين الماضي. شاب ثلاثيني: دخول نجل الشاه جعل الوضع أكثر تعقيداً وزاد من حدة القبضة الأمنية والقمع واللافت أن الهتافات التي رفعت خلال الأيام الأولى للاحتجاجات كانت اقتصادية غالباً، تتخللها أحياناً هتافات سياسية ضد السلطات، وذلك حتى الخميس الماضي. لكنها منذ ليل الخميس ـ الجمعة، تحولت بالكامل إلى شعارات سياسية داعية إلى إسقاط النظام وداعمة لنجل الشاه السابق في إيران رضا بهلوي، مثل "الموت للديكتاتور" وضد المرشد الإيراني علي خامنئي، و"هذه آخر معركة وسيعود بهلوي". ويذكّر هذا الشعار بما أصبح يردده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه يخوض آخر معركة مع ما يسميه "محور الشر". روايات محتجين في إيران روى محتجون وشهود عيان شاركوا في الاحتجاجات، وشهود عيان لـ"العربي الجديد"، شهادات حية من بعض ساحات الاحتجاج في طهران خلال الأيام الماضية. وقال المحتج سعيد، الذي التقته "العربي الجديد" في ساحة سهروردي وسط إيران إنه شارك في الاحتجاجات منذ يومها الثاني في طهران بذهابه إلى مناطق قريبة من بازار طهران جنوباً، مضيفاً أنه ليس تاجراً ولا يملك محلاً تجارياً، لكنه حاول أن يعبّر عن استيائه من الوضع الراهن بالانخراط في احتجاجات البازار على أمل توسعها، وموضحاً أنه توقف عن المشاركة لبعض الأيام، لكنه عاد إليها من الثلاثاء الماضي (6 الشهر الحالي) عندما اشتعلت الأوضاع مجدداً في سوق طهران والمنطقة المحيطة به، "فذهبت وشاركت في تجمعات شارع سعدي". وتابع أنه بعد رفع متظاهرين هتافات حادة ضد السلطات الإيرانية، تدخلت الشرطة لتفريق المتظاهرين، مستخدمة غازات مسيلة للدموع، ورصاصات مطاطية وأخرى معدنية غير حربية. وأوضح أن بعض المحتجين أصيبوا في أجزاء من أجسادهم، منها في الوجوه، "لكن لم أسمع أن أحداً قد قتل في هذا التجمع. كذلك فإن هذه الرصاصات لم تكن قاتلة، لكن إذا أصابت العين يمكن أن تتسبب بالعماء". وقال سعيد إنه حسب ما شاهد وسمع من محتجين آخرين، فإن سلوك قوات الأمن والشرطة في طهران في الأيام الأولى من الاحتجاجات التي شارك فيها "كان أفضل" مع المتظاهرين، مقارنة بالأيام التي تلتها، حيث بدأ "يتغير كل شيء من مساء الخميس الماضي"، مشيراً إلى أن آخر مرة شارك في الاحتجاجات فيها، كانت ليل الخميس ـ الجمعة، حيث دعا إليها بهلوي، قائلاً إنه شاهد "عنفاً كبيراً وعمليات إطلاق نار وتخريب وقمع" في تجمعات شارع "آزادي" (الحرية)، وقرّر أن ينصرف بعد ذلك عن الاحتجاجات. وأضاف: "كنا داخل التجمع، فسمعنا إطلاق نار مكثفاً، قيل لنا إن مواجهات حصلت بين الشرطة ومتظاهرين عند تقاطع وليعصر، فهربت أنا وصديقي". دخول بهلوي جعل الوضع أكثر تعقيداً شاب ثلاثيني آخر رفض ذكر اسمه قال، لـ"العربي الجديد"، إنه بعد دعوة رضا بهلوي، قرر الخميس الماضي أن يشارك في الاحتجاجات التي دعا إليها، متصوراً أن التظاهرات في إيران أصبح لها رأس في نهاية المطاف، على أمل أن "يتوحد المحتجون للوصول إلى نتيجة مرجوة هذه المرة"، غير أنه تبين له، حسب قوله، أن دخول نجل الشاه بهذا الشكل "قد جعل الوضع أكثر تعقيداً وزاد من حدة القبضة الأمنية والقمع بحيث كان يجري التعامل مع المتظاهرين باعتبار أنهم أتباعه وعلى علاقة بإسرائيل". وأضاف: "منحنا ما حصل في فنزويلا وتصريحات (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب دفعة قوية، لكن كما تلاحظون لا دعم ولا شيء" وما حصل حتى اللحظة أن تلك التصريحات الإسرائيلية والأميركية "الداعمة قد زادت الطين بلة". وأوضح أنه سمع خلال مشاركته في تجمع ليلي في منطقة سعادت آباد شمال غربي طهران أن عناصر من الباسيج "كانوا يرددون أن هؤلاء خرجوا بتعليمات إسرائيلية وهم عملاء. أدّبوهم أدّبوهم". وفي هذا التجمع أُحرِق مسجد "الرسول" في ساحة كاج في حارة سعادت آباد. ياشار، محتج آخر، شارك في احتجاجات ساحة بونك شمال غربي طهران، ليل الجمعة ـ السبت، قال، لـ"العربي الجديد"، إن "الأعداد كانت كبيرة ولم يسبق أن شهدت هذه المنطقة مثلها خلال الاحتجاجات السابقة". ولفت إلى أن "الهتافات كانت أكثر حدة من قبل وتدعو إلى إسقاط النظام وتتضمن كلمات جارحة ضد المرشد وأخرى تهتف: غزة ولبنان فداء لإيران"، ومشيراً إلى أن "التجمع استمر لأكثر من ساعة، وكان البعض يرقص ويهتف، لكن في نهايته سمعت إطلاق نار مكثف لم أعرف مصدره، فأصبح الناس يتفرقون يساراً ويميناً، وعدت إلى البيت، ولا أعلم إن كان قد قتل ناس هناك أو لا... تعرضنا لغازات مسيلة للدموع بشكل كبير". مصدر إيراني: المشاركون في الاحتجاجات كانوا أكثر جرأة ويهاجمون الرموز الحكومية والعسكرية شاهد عيان، لم يذكر اسمه، روى، لـ"العربي الجديد"، أنه شاهد في الاحتجاجات وسط العاصمة بالقرب من ساحة "انقلاب" (الثورة) "أناساً كان بعضهم يتفرجون، فتعرضوا لإطلاق النار، داخل الأزقة بعد تفريقهم في التجمع (الاحتجاجي) ليلاً، من قبل ملثمين يرتدون الزي الأسود لم تكن هوياتهم واضحة". وأضاف أنه سمع من صديق آخر له أن "البعض من المتفرجين أيضاً تعرضوا للطعن". المواطن فرشيد أكد لـ"العربي الجديد"، أنه بعد وقوع مواجهات ليل الجمعة ـ السبت في شارع "انقلاب" وسط العاصمة، تعرض عدد من المحتجين لإطلاق النار من قبل القوات، مضيفاً أنه عندما لاذوا بالفرار رأوا "جثتي قتيلين شابين مطروحتين على الأرض"، مشيراً إلى أنه نقل له أن هذه الساحة تحولت في تلك الليلة إلى ساحة حرب، حيث أحرق البعض الحافلات التي كانت تعبر أو كانت تقف جانباً. وقال سائق سيارة "بيك آب"، لـ"العربي الجديد"، إنه يومي الخميس والجمعة الماضيين، شهدت نقاط في طهران "حالة فوضى"، موضحاً أن سيارته تعرضت للرشق بالحجارة وآلة حديدية، ما أدى إلى كسر زجاجها الأمامي، الخميس الماضي، عند عبورها من خط "الإمام علي" السريع الذي يربط شمال طهران بجنوبها، مضيفاً أن أناساً كانوا على أرصفة شوارع مطلة على الخط السريع "تمكنوا من إغلاق الطريق من خلال رمي الحجارة، لكنني كنت مستعجلاً، ولم أستمع إلى نصائح سائقي سيارات أخرى كانت قد توقفت على الطريق بانتظار عودة الأمن، فقررت أن أذهب حتى حدث معي ما حدث". وروى شاهد عيان رفض ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، أنه حين كان يمرّ من منطقة قريبة من شارع ستارخان غربي العاصمة طهران، كانت قوات الأمن والشرطة تعمل على تفريق المتظاهرين، فحصلت اشتباكات، قبل أن يضطر عناصر الشرطة والباسيج إلى التراجع بعض الوقت تحت ضغط تقدم المتظاهرين، ثم هاجم عدة شبان، ثلاثة أو أربعة عناصر من القوات، كانوا قد أصبحوا بعيدين عن زملائهم بنحو 300 متر، فضربوهم بالأحجار الثقيلة والباطون، مشيراً إلى أنه سمع لاحقاً أن ثلاثة منهم قد قتلوا في المكان. توجه المتظاهرين نحو مقر الباسيج وروى مصدر من مدينة برند جنوب غربي طهران، لـ"العربي الجديد"، أن المتظاهرين ليل الخميس ـ الجمعة الماضي بعد تنظيم احتجاجهم داخل المدينة توجهوا نحو مقر الباسيج وأصبحوا يهاجمونه، مشيراً إلى أن المقر كان يحتوي على ذخائر تقدر بنحو 200 إلى 300 قطعة سلاح. وأضاف أن عناصر المقر بدأوا بإطلاق أعيرة نارية تحذيرية، وأصابوا شخصاً، لدفع المتظاهرين إلى الانسحاب، "لكن المتجمعين كانت لديهم جرأة غريبة ولم ينسحبوا من المكان وأصروا على مواصلة الهجوم، وحينها حصلت مواجهات دامية، أدت إلى مقتل وإصابة العشرات". وتحدث المحتج نيما أنه شارك مع عائلته في احتجاجات شارع شريعتي في طهران، ليل الجمعة الماضي. وقال: "كنا على قناعة بأن النظام سيسقط، وهذا كان شعور من كان معنا تلك الليلة"، مضيفاً أن "البعض كان يشجع على الاستمرار في الميدان والقول إن ترامب سيتدخل لمصلحتنا وأن الجمهورية الإسلامية ستنهار". وأضاف: "يبدو أن هذا الشعور قد دفع محتجين إلى النزول إلى الشوارع مع أسرهم ليل الخميس كأن الوضع قد انتهى ولن يحصل مكروه، وحتى كان هناك مسنون ومسنات"، لافتاً إلى أن هذا الانطباع أيضاً "منح دوافع إضافية للبعض للتصدي لقوات الأمن والباسيج ومهاجمتهم". الأربعيني علي رضا الذي شارك في احتجاجات شرقي طهران، قال إن احتجاجات مهسا أميني عام 2022، وما حصلت عليه النساء بعدها من انفراجة في حرية اللبس "كانت لها مفاعيلها في الاحتجاجات الأخيرة"، موضحاً، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "ذلك على ما يبدو كان وراء زيادة جرأة الفتيات، حيث شاهدت شابات في بعض التجمعات يتقدمنها ويشجعن الشباب والرجال على الانضمام والاستمرار". وأوضح أنهن "قمن بإزالة لافتات في الشارع وإحراقها وسط الشارع لإغلاقه وأصبح الناس يتجمعون ويهتفون". وذكر مصدر إيراني مطلع مقرب من السلطات أن ما يميز هذه الاحتجاجات عن سابقاتها، أن المشاركين فيها بعد الخميس الماضي "كانوا أكثر جرأة ويهاجمون الرموز الحكومية والعسكرية، أي المباني والمقرات، بينما في احتجاجات 2022 كانت تُهاجَم الممتلكات العامة، وفي احتجاجات 2019 كانت تُحرَق البنوك". وأضاف المصدر أن مدينة مشهد شهدت أصعب لياليها، الخميس الماضي، حيث بدأ متظاهرون يتوجهون إلى مبانٍ حكومية وشرطية، منها مبنى الإذاعة والتلفزيون ومبنى المحافظة وقيادة الشرطة، وكانوا بصدد اقتحام مبنى التلفزيون والمحافظة، قبل أن تصل القوات وتتصدى لهم، مشيراً إلى أنه في تلك الليلة في مشهد قتل وأصيب العشرات من الطرفين.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows