Arab
تمرّ الذكرى الـ15 على الثورة التونسية التي أدّت إلى سقوط نظام فردي استمرّ لمدة 23 سنة مع الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، ليتعاقب بعده أربعة رؤساء، هم فؤاد المبزع والمنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي، وقيس سعيّد الذي انتُخب لدورتين، وسط عزوف غير مسبوق في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إذ شارك فيها 28.8% ممن يحق لهم الاقتراع. لكن رغم تعدّد الصلاحيات التي مُنحت للنظام الحالي فإنه لم يخرج من دائرة التفرد بالحكم، من دون بناء سياسات عامة مستقرة أو إصلاحات بنيوية، وسط تعدّد الأزمات التي تواجه البلاد. فما الذي تغيّر فعلياً في تونس؟ وهل يمكن للمعارضة التي عادت مجدداً للشارع رفضاً للواقع الحالي تغيير الأوضاع؟ يكاد يجمع أغلب المراقبين على أنّ هناك العديد من المكاسب التي تحققت إبان الثورة التونسية من حرية التعبير والتنظم والإعلام، إلا أنها بقيت غير محصّنة وهشة، من جرّاء تعاقب الأزمات.
مشروع الثورة التونسية
وقال نائب الأمين العام لحزب العمل والإنجاز، أحمد النفاتي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن "مشروع الثورة التونسية تأسّس على أساس شعارين مركزيين هما الحرية والكرامة يمثلان مشروعاً متكاملاً. فالحرية تتجسّد في أبعادها الحقوقية والسياسية والمدنية، في حين ترتبط الكرامة بالحرية، كما ترتبط بشكل وثيق بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية". وأوضح أن "أهداف الثورة التونسية السياسية تحقّقت نسبياً في مرحلتها الأولى، إذ شهدت البلاد هامشاً واسعاً من الحريات، وانتعاشاً ملحوظاً في المجال السياسي، خصوصاً خلال العشرية الأولى للثورة، غير أن المسار الاقتصادي والاجتماعي ظل متعثراً، إذ يربط المواطن البسيط مفهوم الكرامة بتحسّن مستوى المعيشة وجودة الخدمات، وهو ما لم يتحقّق بالشكل المطلوب"، وبيّن أن "هذا التعثر كان متوقعاً، في ظلّ إرث ثقيل لنظام قمعي ودكتاتوري طيلة 60 سنة، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية التي سبقت سقوط بن علي".
أحمد النفاتي: أهداف الثورة التونسية لم تتحقق سياسياً
وأضاف النفاتي أن البلاد، بعد عشرية الثورة، دخلت ما وصفه بـ"خماسية الانتكاسة"، إثر انقلاب 25 يوليو/تموز 2021، وما تبعه من تركيز سعيّد للسلطة وتفرّده بجميع الصلاحيات. وكانت تونس قد شهدت وقتها انقلاباً رئاسياً على دستور 2014، حيث قام سعيّد بإلغاء الدستور وحل البرلمان وتكريس كامل السلطات في يده. وأكد النفاتي أن "أهداف الثورة التونسية لم تتحقق في بعدها السياسي، بل تراجعت الحريات بشكل غير مسبوق، إذ يقبع عدد من السياسيين والنشطاء في السجون، وهو وضع لم تعرفه تونس خلال العشرية الأولى للثورة"، مشيراً إلى أن "الأوضاع الاقتصادية شهدت بدورها تدهوراً حاداً في هذه الخماسية"، في إشارة إلى السنوات الخمس من حكم سعيّد، مؤكداً أن الثورة التونسية "تعيش اليوم انتكاسة شاملة في أهدافها السياسية والاقتصادية، بل جرى التفريط بجزء كبير من المكاسب التي تحققت، فلا تحققت الحرية ولا الكرامة".
وشدد على أن "السلطة السياسية تتحمّل مسؤولية الوضع الراهن بسبب خيارها التفرد بالحكم والاستحواذ على السلطتين التنفيذية والتشريعية، واتباع منطق الحكم المطلق"، مبيناً أن "مسؤولية الإخفاق لا تقع على طرف واحد فقط، بل يتحملها جميع من تداولوا على الحكم، إضافة إلى المعارضة والمنظمات الوطنية والإعلام، كل بحسب دوره". ودعا إلى القيام بمراجعات جدية ووقفة وطنية شاملة لإنقاذ البلاد، مؤكداً أن الاستمرار على النهج الحالي لم يعد ممكناً.
عودة إلى الشارع
وأكد القيادي في جبهة الخلاص الوطني رياض الشعيبي أن الثورة التونسية "تعود إلى الشارع مجدداً من خلال الاحتجاجات والتظاهرات، لأن السلطة رفضت احتضان الثورة، ولم تقبل الشعارات التي رفعت، وقررت العودة إلى الاستبداد، وهو ما يمثل رسالة للشباب الثائر بأن الدولة لا تُريد التغيير وتحقيق أهداف الثورة". وبيّن، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنه بعد 15 عاماً من الثورة التونسية عاد الشارع إلى احتضان شعاراتها، وذلك رغم عملية الإنكار والرفض التي رافقت انقلاب 25 يوليو 2021. وأعلن أن النخبة السياسية تعيد بناء نفسها وترميم صفوفها، وهي بصدد القيام بمحاولة للإصلاح، بخاصة مع حاضنتها الشعبية، بعد الكثير من الأخطاء أثناء مرحلة الانتقال الديمقراطي.
عماد الخميري: حصلت بعد 25 يوليو 2021 انتكاسة على جميع المستويات
أما المتحدث باسم حركة النهضة عماد الخميري فرأى أن "مشروع الثورة يبقى نفسه، وهو مشروع التونسيين التواقين لحريات عامة وخاصة، وعدالة اجتماعية، وتنمية اقتصادية"، مؤكداً "تحقّق جزء من هذه المطالب، رغم العديد من التعثرات، مباشرة بعد الثورة"، لكنه أشار إلى أنه "بعد 25 يوليو حصلت انتكاسة على جميع المستويات". واعتبر، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنه "تم الدوس على كل ما تحقق من حريات ومكاسب من تنظم وعمل سياسي"، مبيناً أنه "تم العدول، حتى على مستوى الانتخابات الحرة والاحتكام إلى الشعب، بنظام انتخابي جديد".
ولفت إلى أن "السلطة مضت للتفرد بالحكم والاستحواذ على جميع الصلاحيات التنفيذية والتأسيسية، وتم تحويل القضاء إلى مجرد وظيفة، وهو ما أعاد البلاد إلى مرحلة النضال والاحتجاجات لاستعادة الديمقراطية والحريات". وأضاف: "وعود السلطة لم تتحقّق، وما اعتبرته تصحيحاً للوضع وتجسيداً للمطالب لم نر شيئاً منه، بل أصبح هناك تجريم للمعارضة وللعمل السياسي". وبيّن أنه "لا يمكن تحميل المعارضة مسؤولية الفشل بعد أن ضُرب نشاطها وأُغلقت مقراتها".
ورأى القيادي في الحزب الجمهوري، والباحث في علم الاجتماع، عبد اللطيف الهرماسي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "هناك عدة شعارات رافقت الثورة التونسية من شغل وحرية وكرامة وطنية، لكن لم تكن هناك أهداف واضحة"، مؤكداً أن "هناك فشلاً واضحاً في تحقيق تطلعات الفئات التي انتفضت ضد نظام بن علي، خصوصاً اجتماعياً واقتصادياً"، مؤكداً أن "سقف التطلعات كان عالياً جداً بعد 23 عاماً من القمع، وحتى لدى النخب التي طالبت بالحريات وحققت جزءاً من هذه المطالب لفترة ما"، مبيناً أن "تونس شهدت خلال العشرية الأولى من الثورة التونسية حريات غير مسبوقة ومكاسب حتى على المستوى السياسي". وتابع أنه "بعد 25 يوليو حصلت انتكاسة على المستوى السياسي والحريات، وربما هذا عائد أيضاً إلى غياب النهوض بالجانب الاجتماعي والفشل على المستوى الاقتصادي، خصوصاً أن النخب الحاكمة انشغلت بالمجال السياسي وبالديمقراطية والحكم والبرلمان ونسيت بقية الجوانب، ما أدى الى إفساد الحياة السياسية".

Related News
الإمارات ترفض استخدام أراضيها لضرب إيران
alaraby ALjadeed
5 minutes ago
إسرائيل «غير متأكدة» من ضربة أميركية لإيران
aawsat
6 minutes ago
«أمل حياتي»… عرض مسرحي جديد يستعيد «أيقونة كوكب الشرق»
aawsat
11 minutes ago
«رئاسية الكونغو»... حظوظ المعارضة تتضاءل أمام نغيسو
aawsat
13 minutes ago