Arab
عكس التعديل الوزاري في سلطنة عُمان، الصادر يوم الاثنين بمرسومٍ سلطانيٍ، توجّهاً حكومياً نحو مركزة السلطات الاقتصادية، بعد ست سنواتٍ من آخر تعديلٍ وزاري جوهري في يونيو/حزيران 2022. وقد شمل التعديل إنشاء مؤسسات جديدة، ودمج هيئات، وإعادة تنظيم اختصاصات الوزارات الأساسية، وذلك بهدف تعزيز كفاءة الأداء الحكومي وتسريع تنفيذ أولويات رؤية عُمان 2040.
ويأتي التعديل الوزاري ضمن 21 مرسوماً سلطانياً صدرت مع مطلع عام 2026، في إطار مرحلةٍ انتقالية دقيقة وحاسمة في مسيرة سلطنة عُمان التنموية، حيث تتزامن هذه الفترة مع انتهاء الخطة الخمسية العاشرة (2021–2025)، وبدء تفعيل الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026–2030).
وتمثّلت أبرز ملامح التعديل الوارد بمرسوم السلطان هيثم بن طارق في تعيين ولي العهد، السيد ذي يزن بن هيثم بن طارق آل سعيد، نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وهو منصبٌ جديدٌ لم يكن موجودا في التشكيلات الحكومية السابقة، حسبما أوردت وكالة الأنباء العُمانية. وضمن التعديل ذاته، جرى اعتماد إنشاء "مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية" بوصفها هيئة عليا مستقلة ضمن آلية اتخاذ القرار، ما يؤشر إلى تركيز تنسيق السياسات الاقتصادية الوطنية بين الجهات الحكومية المختلفة، وتوحيد الجهود في مواجهة التحديات المالية والاقتصادية المتسارعة.
كما صدر مرسوم بإنشاء مركز عُمان المالي العالمي، الذي يُتوقَّع أن يصبح منصة أساسية لتعزيز دور السلطنة بما هي مركزٍ ماليٍّ إقليمي، وجذب الاستثمارات الأجنبية في أسواق المال والخدمات المالية، بحسب تقرير وكالة الأنباء العُمانية. كذلك جرى تعيين السيد بلعرب بن هيثم بن طارق آل سعيد، نجل السلطان، وزيرا للدولة ومحافظا لمحافظة مسقط، وهو أيضا منصبٌ جديدٌ في البنية الوزارية الحالية.
وفي المقابل، احتفظ السيد شهاب بن طارق بن تيمور آل سعيد بمنصبه نائبا لرئيس الوزراء لشؤون الدفاع، بينما بقي السيد فهد بن محمود نائبا لرئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء. وشملت التغييرات إعادة توزيع الاختصاصات والمسؤوليات بين الوزارات القائمة، بما يركّز على الملفات الاقتصادية والتنموية، حيث احتفظ التشكيل الجديد بـ24 عضوا في مجلس الوزراء، من بينهم ثلاث وزيرات.
وبذلك جرى تقسيم المسؤوليات الاقتصادية بين منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية والوزارات القطاعية، بما يضمن تنسيقا أفقيا أقوى، وسرعة أكبر في اتخاذ القرارات الاقتصادية الحسّاسة، ويعكس إعادة هيكلة لديوان الوزراء بهدف تعزيز دور المؤسسات الحكومية في صنع السياسات الاقتصادية، بحسب الوكالة العُمانية.
غير أن المرسوم السلطاني حدّد اختصاصاتٍ لوزارة الاقتصاد، واعتمد هيكلا تنظيميا جديدا لها، بما يعزّز دورها في قيادة السياسات الاقتصادية والتنافسية وتنمية القطاع الخاص، ودمج وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040، وذلك في وقتٍ تتجه فيه عُمان إلى إصلاحاتٍ هيكلية تتطلب تكاملاً مؤسسياً بين القطاع والتخطيط الاقتصادي الحكومي.
وإزاء ذلك، تقرأ مراكز البحوث الغربية هذه الخطوة في إطار مسار الإصلاحات الحكومية الذي انتهجه السلطان هيثم منذ تولّيه السلطة عام 2020، حيث أشار معهد الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي إلى أن "الهيكلة الجديدة تعكس ثقة السلطان في تفويض السلطات إلى جهازه الحكومي، وهو ما يعزز نموذج المأسسة في الإدارة الحكومية". أما معهد الشرق الأوسط الأميركي فقد قدّر أن "تركيز الملفات الاقتصادية تحت إشرافٍ مباشر من ولي العهد يعكس أولوية سياسية عليا للتنويع الاقتصادي خلال مرحلة ما بعد النفط".
فيما اعتبر المركز الألماني لشؤون الأمن العالمي أن "التعديل الوزاري يأتي في سياق طموح الحكومة العُمانية لجذب استثماراتٍ أجنبيةٍ مباشرة، وتعزيز البيئة الاستثمارية، وهو ما يتطلب هيكلة إدارية متقنة تضمن سرعة القرار والتنفيذ".
ويرى الخبير الاقتصادي العُماني، خلفان الطوقي، أن الهيكلة الحكومية الجديدة تُعد خطوة استراتيجية لرفع كفاءة الأداء المؤسسي وتعزيز الإنتاجية، في إطار إصلاحاتٍ تعكس متابعة مباشرة من السلطان هيثم بن طارق لأداء الجهاز الحكومي، واستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة التي تستدعي تحديث الهياكل وضخ دماءٍ جديدة في الإدارة العامة.
ويُبرز الطوقي لـ"العربي الجديد" أن هذه التغييرات تحمل رسالة واضحة من القيادة العُمانية حول التزامها بالتغيير التدريجي والمتوازن، الذي يراعي أمن الوطن واستقراره، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية للإسهام بفاعلية أكبر.
ويستشهد بتعيين إبراهيم بن سعيد البوسعيدي وزيرا للتراث والسياحة، باعتباره شخصية ذات خبرة إدارية واسعة، وتمتلك خبرة دولية في قطاع السياحة، ما يعكس رغبة الدولة في إعطاء دفعة قوية لهذا القطاع الحيوي، الذي يُعد ركيزة أساسية في تنويع الاقتصاد وفق رؤية 2040.
ويشير الطوقي إلى أن دمج وحدة تنفيذ الرؤية الوطنية داخل وزارة الاقتصاد يُعد من الخطوات المحورية، إذ يمنح الوزارة صلاحيات أوسع وقدرة أعلى على التنسيق بين السياسات الاقتصادية والخطط التنموية. ويُعرب الطوقي عن تفاؤل كبير بأن تؤدي هذه الهيكلة إلى تحسين ملموس في الأداء الحكومي، لا سيما في مؤسسات ذات أولوية وطنية مثل محافظة مسقط، التي يُتوقَّع أن تشهد تعزيزا لدورها ومواردها، وكذلك في قطاعات مثل السياحة والتراث، التي تحتاج إلى رؤية متكاملة وقيادة متمرّسة، مشدداً على أن هذه الخطوات ليست مجرد تعديلات إدارية، بل جزء من مسار أوسع لإعادة ترتيب الأولويات، وتفعيل مؤسسات الدولة بما يخدم أهداف التنمية المستدامة، ويعزّز مكانة عُمان اقتصادياً واجتماعياً.
