Arab
لم تقتصر آثار تدني مستويات المعيشة في إيران على الداخل المحلي وسط تصاعد الاحتجاجات التي اندلعت منذ ثلاثة أسابيع، لكنها امتدت إلى دولة مجاورة هي العراق التي يعتمد نشاط السياحة الدينية فيها على الزوار الإيرانيين. وقد نشرت وكالة رويترز تقريراً يكشف عن كيف أدت الاحتجاجات في إيران إلى تفاقم الصعوبات الاقتصادية في العراق.
في سوق النجف، كان أحمد سلام يدير في السابق متجرين لبيع المسابح ومستلزمات أخرى للزوار الإيرانيين في المدينة العراقية المقدسة لدى المسلمين الشيعة، ويزورها الملايين كل عام. واليوم، يقف سلام خلف منضدة المتجر الذي تبقى له، بعد أن باع الآخر لسداد ديونه، حيث تضاءل عدد الزوار، بعد أن أحجموا عن السفر بسبب المشاكل الاقتصادية التي طال أمدها في إيران، والتي ساعدت في تأجيج الاحتجاجات التي سقط فيها قتلى في أنحاء البلاد.
وقال سلام: "نحن أكثر الأسواق اعتماداً على إيران بالدرجة الأولى". وأضاف: "كان لدي متجران، بعت أحدهما، والآن أنا مهدد بأن أترك العمل لأني لا أستطيع مقاومة الديون بسبب تأثير فرض العقوبات علينا".
تكررت رواية سلام على لسان تجار وأصحاب فنادق آخرين تحدثت إليهم رويترز في النجف، الذين يعانون الآن أيضاً من صعوبات مالية. وتعتمد الحياة الاقتصادية في النجف على الزوار الإيرانيين، الذين كانوا يشكلون تقليدياً النسبة الأكبر من الزوار، متقدمين على الزوار من الخليج وباكستان ولبنان ودول أخرى. لكن أعدادهم تراجعت بشدة. ووفقاً لما تقوله جمعية الفنادق والمطاعم في النجف ومسؤولون محليون، كان العدد اليومي للإيرانيين الذين يصلون إلى النجف يومياً يراوح بين 3 آلاف و3500 زائر في عام 2023. والآن، لا يصل في بعض الأيام سوى ما بين 100 و250 زائر.
وقال رئيس الجمعية صائب راضي أبو غانم: "في 2020، كانت أعداد الفنادق في النجف الأشرف 350 فندقاً، الآن أصبح 250 فندقاً. يعني 100 فندق خارج حسابات السياحة، وبالتالي سُرِّح عمالهم وموظفوهم، وصارت البطالة والعطالة أكثر من اللازم هذه هي المشكلة الأولى". وأضاف أن تقلب العملة في الداخل جعل الرحلات غير متوقعة بالنسبة إلى الإيرانيين. وأوضح أن من "ينوي الزيارة اليوم بتكلفة 200 دولار ثاني يوم تزيد التكلفة 220 دولاراً، وبالتالي عليه ممكن ضغوط مالية".
هبط الريال الإيراني إلى مستويات قياسية منخفضة، إذ فقد ما يقرب من نصف قيمته مقابل الدولار في عام 2025، ما أدى إلى تعميق المصاعب الاقتصادية الناجمة عن سنوات من العقوبات الغربية التي تهدف إلى قطع التمويل عن برنامج طهران النووي، بينما تنفي إيران سعيها لامتلاك أسلحة نووية.
ولا يقتصر التأثير الاقتصادي الإيراني في العراق على القطاع السياحي، فالارتباط الاقتصادي والتجاري الوثيق بين الجانبين مثل نقطة حرجة في كل مرة تصعّد فيها العواصم الغربية وواشنطن عقوباتها على طهران. وكانت واردات بغداد من الغاز الإيراني والكهرباء الأكثر تأثراً، كذلك تأثرت التجارة البينية التي سجّلت أكثر من عشرة مليارات دولار في 2024، وفقًا لبيانات غرفة التجارة الإيرانية - العراقية.
وبدأت الاحتجاجات في 28 ديسمبر/ كانون الأول بسبب ارتفاع الأسعار، ثم اكتسبت زخماً ودعماً دولياً لتتحول مباشرةً ضد طبقة الحكم. وأدت الفوارق الاقتصادية بين الإيرانيين العاديين والنخبة الدينية والأمنية، إلى جانب سوء الإدارة الاقتصادية والفساد الحكومي، الذي تحدثت عنه حتى وسائل الإعلام الرسمية، إلى تأجيج الاستياء في وقت يدفع فيه التضخم أسعار العديد من السلع إلى ما يتجاوز إمكانات معظم الناس. وبلغ التضخم الرسمي 42.5 بالمئة في ديسمبر/ كانون الأول.
ورغم اعتراف حكام إيران بالصعوبات الاقتصادية، إلا أنهم يلقون باللوم على الخصمين القديمين، الولايات المتحدة وإسرائيل، في إثارة الاضطرابات. وانضمت واشنطن إلى حرب دامت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو/ حزيران الماضي، وضربت مواقع نووية إيرانية. وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لدعم المحتجين في إيران.
(رويترز، العربي الجديد)
