Arab
قبل خمس سنوت تقريبا، كانت بريتش بتروليوم (BP)، عملاق النفط والغاز العالمية، من أكثر المتفائلين بمستقبل الطاقة الخضراء، التي ستقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري متمثلا في النفط والغاز وتقود العالم بدلا من ذلك نحو الطاقة النظيفة، مثل الشمس والرياح، لتحقق حلما اتفقت عليه الحكومات بخفض الانبعاثات الغازية ووقف الاحترار العالمي.
بمرور الوقت، ومنذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولاية ثانية، يتزايد تراجع الحكومات والسياسيين عن أهدافهم البيئية الطموحة، كما تتجه شركات الطاقة إلى إعادة تقييم استثماراتها في هذا القطاع ضمن إقرار واسع بأنه قطاع غير رابح، ولا يحقق الاستثمار فيه الأرباح المرجوة لحملة الأسهم في نهاية المطاف.
ربما يتعين النظر إلى إعلان بريتيش بتروليوم عن خسائر قطاع الطاقة النظيفة اليوم الأربعاء في هذا السياق، فالشركة أقرت في بيان رسمي وللمرة الأولى بأن أعمالها المتعثرة في مجال الطاقة الخضراء تساوي أقل بكثير عما كان يُعتقد سابقاً، وستشطب من قيمتها ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار، لترتفع بذلك إجمالي عمليات الشطب التي قامت بها خلال العامين الماضيين إلى نحو 20 مليار دولار.
وقالت الشركة إنها ستشطب مشروعات من "أعمال التحول" تراوح قيمتها ما بين أربعة وخمسة مليارات دولا، من بينها عدد من مشاريع الهيدروجين، مثل مشروع إنتاج الهيدروجين واحتجاز الكربون في تيسايد بشمال شرق إنكلترا، ومشروع "دقم للهيدروجين الأخضر" في عُمان، ومجمع ضخم للهيدروجين في بيلبارا بأستراليا.
وكانت "BP" قد قدمت في عام 2020 واحداً من أكثر التعهدات المناخية طموحاً في قطاع الوقود الأحفوري، إذ أعلنت حينها زيادة استثماراتها في الطاقة المتجددة عشرة أضعاف بحلول 2030، مع التركيز على مزارع الرياح ومحطات الطاقة الشمسية، واستهدفت خفض إنتاجها من النفط والغاز بنسبة 40%.
تراجع وخسائر
لكن العام الماضي شهد تراجعا كبيرا في خطط الشركة لتعلن في فبراير/ شباط أنها سترفع استثماراتها في الوقود الأحفوري بنسبة 20%، مع خفض إنفاقها السنوي على الطاقة الخضراء من أكثر من خمسة مليارات دولار إلى نحو ملياري دولار. وقد بررت الشركة ذلك بالضغوط المتزايدة من قبل مستثمريها إثر تراجع دخلها من 13.8 مليار دولار في 2023 إلى 8.9 مليارات دولار في 2024. وقال الرئيس التنفيذي السابق موراي أوكينكلوس في إبريل/ نيسان الماضي إن التحول الأخضر "ذهب بعيداً جداً وبسرعة كبيرة"، وإن التركيز بات الآن على "تنمية قيمة المساهمين على المدى الطويل".
إقرار "BP" بخسارة مشاريع الطاقة الخضراء وتحولها عنها ليس الأول الذي تقوم به شركات الطاقة الكبرى، فقد سبقتها إلى ذلك شركة "شل" التي أعلنت في العام الماضي خططا لخفض استثماراتها الخضراء إلى النصف بحلول 2030، لتقتصر على 10% فقط من الإنفاق الرأسمالي. كما أعلنت "إكوينور" خططاً لتقليص إنفاقها على الطاقة المتجددة بنسبة 50% وزيادة إنتاج النفط والغاز، قائلة إن التحول إلى الطاقة النظيفة كان أقل ربحية مما كان متوقعاً.
متوالية سياسية
من الصعب الفصل بين الواقع السياسي الذي يسود العالم الغربي في الوقت الراهن وتراجع عمالقة الطاقة عن التزاماتهم تجاه الطاقة الخضراء لخفض انبعاثات الكربون بنسبة 43% عالميا بحلول العقد الراهن، لكي يؤدي ذلك بدوره الى عدم زيادة درجة حرارة الكوكب بأكثر من 1.5 درجة مئوية. فإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروفة بدعمها القوي لشركات النفط وإنكارها لتداعيات التغير المناخي، تراجعت عن كثير من السياسات البيئية التي أقرتها إدارة بايدن الديمقراطية، وانسحبت من كثير من البروتوكولات العالمية.
ولم يفوت ترامب فرصة لحث شركات النفط على زيادة الحفر، أو للتذكير بأن الولايات المتحدة التي رفعت حظراً دام 40 عاماً على صادرات النفط في 2015، باتت أكبر منتج للنفط في العالم بفضل إطلاق إنتاج النفط الصخري دون قيود، إضافة إلى ذلك ألغت الحوافز الضريبية لمشاريع الرياح والطاقة الشمسية؛ وأصبح مسؤولو وزارة الطاقة الأميركية يتجنبون استخدام كلمات مثل "تغير المناخ" و"إزالة الكربون" والوقود "الأخضر".
أما الدول الأوروبية التي كانت من بين الأكثر حماسة للطاقة الخضراء فتواجه معضلة التمويل في ظل أزمة تكاليف معيشة متفاقمة بالفعل في أعقاب جائحة كوفيد والغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات. وتضاعفت أسعار الطاقة مرتين على الأقل في تلك الفترة، وهو ما يعني أن إضافة مزيد من الأعباء على كاهل المواطن لحفز الطاقة النظيفة لن يكون مفيدا، وهكذا تلجأ دول مثل بريطانيا وألمانيا إلى إبطاء مسيرة مشروعات الطاقة النظيفة لعدم وجود تمويل أو لخلق نمو سريع في سوق العمل أو تخفيف النفقات حتى إشعار آخر.
وبينما تعود أميركا ترامب إلى الوقود الأحفوري بكثافة مؤمنة موقعها القيادي في إنتاجه واستهلاكه، تتجه الصين، أكبر مستورد عالمي للنفط، في الاتجاه الآخر لكي تجعل اقتصادها يعتمد بالكامل على الطاقة النظيفة التي تنتجها داخل حدودها. وتؤكد الخطة الخمسية الصينية الأحدث اندفاع بكين نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في الطاقة والمعادن الحيوية والتقنيات المتقدمة مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي. ولإنجاز هذا التحول الطموح، أطلقت الصين حملة واسعة لكهربة الاقتصاد وبنت صناعات كاملة لدعم ما يمكن وصفه بـ"الدولة الكهربائية"، لتصبح القائد العالمي بلا منازع في الطاقة الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية.
وشكّلت السيارات الكهربائية أكثر من نصف مبيعات سيارات الركاب المحلية في الصين العام الماضي، فيما أنتج المصنعون الصينيون أكثر من 70% من المركبات الكهربائية في العالم. كما ترتفع مبيعات الشاحنات الكهربائية في الصين، لينخفض الطلب التدريجي على الديزل والبنزين. وتنشر البلاد الطاقة المتجددة بوتيرة محمومة. وركبت أكثر من 500 جيغاواط من قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الجديدة العام الماضي، وهو أكبر توسع سنوي على الإطلاق، بحسب بيانات حكومية. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تستحوذ الصين على أكثر من ثلثي الإضافات العالمية من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في عام 2025.

Related News
تطورات مفاجئة في حالة مايكل شوماخر الصحية
alaraby ALjadeed
7 minutes ago
الإصابة تُبعد نيريس عن نابولي شهرين
aawsat
27 minutes ago
شقيقة سعاد حسني تدعو لتناول سيرتها درامياً من خلال أسرتها
aawsat
27 minutes ago