بياتريز غونزاليس.. شاهدة على العنف السياسي في كولومبيا
Arab
1 week ago
share
تُعدّ لوحة "انتحار سيسغا" (1965) علامةً فارقة شطرت حياة الفنانة الكولومبية بياتريز غونزاليس؛ فمن خلالها أعلنت اعتمادها لغةً "بدائية" لتمثيل واقع بلادها المتشظّي، بعيداً عن أساليب "الفن الرفيع" المستوردة. استلهمت العمل من صورة صحافية باهتة لحبيبَين اختارا إنهاء حياتيهما غرقاً، لتؤسس بذلك رؤية فنية ترى في قصاصات الأخبار اليومية وأرشيف الجرائم، وعناصر الثقافة الشعبية، المادة الخام القادرة على تدوين تاريخ كولومبيا الحقيقي.  مساء الجمعة الماضي، أُغلق المرسم الذي كانت تخرج منه هذه الرؤى الجريئة برحيل صاحبته عن عُمر ناهز 92 عاماً. غابت "الجدّة المتمردة" التي قضت أكثر من ستة عقود وهي تراقب تحوّلات وطنها بعين ناقدة. لتُطوى برحيلها صفحة فنانة أصرّت على أن يكون الفن سِجلاً يحفظ أسماء الضحايا وملامح العابرين في الذاكرة الجمعية الكولومبية، تاركةً خلفها إرثاً يصعب تجاوزه عند الحديث عن الفن المعاصر في أميركا اللاتينية. في السبعينيّات، أحدثت غونزاليس ثورة بصرية حين استبدلت لوحات الكانفاس بقطع الأثاث الرخيصة؛ فرسمت على الطاولات المعدنية، والأسرّة، وستائر الحمّامات. كانت ترى في هذه الأشياء البسيطة التي يقتنيها الفقراء مخازن للحكايات الإنسانية. من خلال دمج أيقونات الفن العالمي بصناعات يدوية شعبية، أعادت صياغة مفهوم الهوية المحلية، وأثبتت أن الفن يمكن أن يعيش في المطبخ وغُرف النوم بدلاً من أن يظل حبيس جدران المعارض النخبوية. وضمن هذا الإطار، أعادت تقديم أعمال أوروبية شهيرة، كما في عمل "ستارة الطبيعة المتحركة والمتغيرة" (1978)، وهو نسخة من لوحة مانيه "غداء على العشب" (1863) مطبوعة على ستائر، وكذلك "المائدة الأخيرة" (1970) التي تُحيل إلى لوحة دافنشي "العشاء الأخير".  أحدثت ثورة بصرية حين استبدلت الكانفاس بقطع الأثاث الرخيصة لكن هذه النزعة التحرّرية في فنّ غونزاليس اتخذت طابعاً مأساوياً بعد اقتحام الجيش الكولومبي قصر العدل في بوغوتا عام 1985، إثر احتلاله من إحدى جماعات اليسار المتطرف المسلّحة، الحدث الذي خلّف أكثر من مئة قتيل غيّرَ وجهة فرشاتها من السخرية الملوّنة إلى الحِداد الصريح. بدأت في تلك المرحلة بتوثيق سوداوي للعنف وتجارة المخدرات، من خلال تصوير التناقض بين ابتسامات الساسة ومآسي الشارع. لوحتها ذات العنوان الساخر "سيدي الرئيس إنّه لشرفٌ أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية" (1987) جسّدت هذا الصدام بين السلطة والواقع، وجذبت اهتمام المتاحف العالمية الكبرى مثل "تيت مودرن" و"بومبيدو".  تنتمي بياتريز غونزاليس إلى جيل الستينيّات في أميركا اللاتينية؛ الذي غادر أجواء الجداريات الملحمية، ليلتفت بدلاً من ذلك إلى القضايا اليومية والسياسة المعاصرة بأسلوب نقدي مباشر في ظل الحرب الباردة. وبينما كان أقرانها في الغرب، مثل آندي وارهول، يحتفون بثقافة الاستهلاك والنجومية عبر ألوان "البوب آرت" المسطحة، كانت هي تطوع ذات الأدوات البصرية لغرض مغاير تماماً. فلم تكن مهتمة بتمجيد "عُلب الحساء"، بل بتوثيق توابيت الضحايا.  وفي سياق الفن الكولومبي، شكلت غونزاليس، إلى حدّ ما، نقيض مواطنها الفنان فرناندو بوتيرو (1932-2023)؛ فبينما ذهب بوتيرو نحو تضخيم الأجسام ومنحها بُعداً جمالياً أيقونياً مستقراً يُرى من الخارج، انغمست بياتريز في "تشويه" الصورة بأسلوب شعبي ساخر لتعبر عن القبح السياسي من الداخل. كذلك تتقاطع تجربتها، هنا، مع الفنانة الأرجنتينية مارتا مينوجين (1940) في كسر هيبة الفن الكلاسيكي؛ إذ استخدمت كلتاهما موادّ رخيصة وغير متوقعة، كالكرتون أو الأثاث المعدني، للسخرية من الأوضاع السياسية الدكتاتورية التي جثمت على صدر القارة اللاتينية لعقود. هذا التمرد جعل من بياتريز العمود الفقري لتيار واقعي نقدي، إذ لم تعد الحروب تُرسم بوصفها معارك بطولية، إنما صار الفن يقتفي أثر الدمار في حياة الناس العاديين، وفي صمت المقابر الجماعية. في سنواتها الأخيرة، ركّزت الراحلة على ثيمة الغياب من خلال سلسلة "الهالات المجهولة" (2009)، إذ ملأت المقبرة المركزية في بوغوتا بأيقونات تمثّل العمّال الذين يحملون جثث الضحايا. أرادت أن تمنح وجهاً لكل أولئك الذين طمس العنف أسماءهم، مركزةً على العاملين في الظل. كان اختيارها لهذه الموضوعات المهملة ناجماً عن إيمانها بأنّ دور الفنان هو مواجهة التعقيدات الاجتماعية بصراحة مطلقة، حتى وإن كانت هذه الصراحة تُثير الإزعاج.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows