مع بدء تحولات سياسية جديدة في العاصمة المؤقتة عدن، بدأت أصوات عشرات الأسر التي فقدت أبناءها تحت وطأة الاحتجاز التعسفي تعود مجددًا، حاملة شعورًا متجددًا بالأمل بعد سنوات طويلة من المعاناة والصمت القسري.
ويأتي هذا الأمل بالتزامن مع خطوات حاسمة أقدمت عليها السلطة المحلية لتعزيز سيادة القانون وفرض الأمن في المدينة.
أصوات الوجع
وفي خضم هذا التحول، عادت أصوات الوجع الإنساني لتعلو من جديد. فقد أعادت وقفة احتجاجية نُظمت مؤخرًا أمام مبنى المحافظة، بدعوة من رابطة أمهات المختطفين، تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا إيلامًا، في لحظة سياسية يُنظر إليها كفرصة لتصحيح المسار وإغلاق الملفات العالقة.
ويطالب الأمهات والآباء بالكشف عن مصير أبنائهم وذويهم الذين اختفوا في السجون السرية خلال السنوات الماضية، دون أي معلومات عنهم حتى اليوم.
ورغم أن هذه الأصوات لم تصمت يومًا منذ لحظة الاختطاف الأولى، إلا أنها ظلت تصطدم بجدار من التجاهل والصمت، دون أن تجد استجابة حقيقية أو مسارًا واضحًا للإنصاف، ليبقى الانتظار عنوانًا دائمًا لمعاناة لا تنتهي.
وبينما تعلن الجهات الرسمية عن نوايا لإصلاحات شاملة وتوحيد المؤسسات الأمنية، تواصل أسر الضحايا، محمّلة بالأمل، المطالبة بخطوات فعلية تكشف مصير المئات ممن اختفوا قسرًا خلال سنوات النزاع، وتُنهي فصول المعاناة التي لا تزال حاضرة في كل بيت فقد أحد أبنائه دون محاكمة أو تهمة.
أمل يتجدد
وفي امتداد المشهد الإنساني الذي أعاد التحول السياسي في عدن إحياءه، جدّدت رابطة أمهات المختطفين مطالبها العاجلة بالكشف عن مصير المخفيين قسرًا وإغلاق السجون غير الشرعية، مؤكدة أن أي حديث عن الاستقرار السياسي أو الأمني سيبقى ناقصًا ما لم يُفتح هذا الملف الإنساني المؤلم، وتُطوَ صفحة المعاناة التي أثقلت كاهل عشرات العائلات لسنوات طويلة.
وخلال الوقفة الاحتجاجية أمام مبنى محافظة عدن، شددت الرابطة، في بيان صادر عنها، على أن قضية الإخفاء القسري يجب أن تتصدر أولويات المرحلة الراهنة، وأن تُدرج بوضوح ضمن مخرجات مؤتمر الحوار الجاري في العاصمة السعودية الرياض، باعتبارها قضية جوهرية مرتبطة بالعدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا.
وأشارت الرابطة إلى أن عشرات المختطفين لا يزال مصيرهم مجهولًا منذ أكثر من عشر سنوات، في انتهاك جسيم وصريح للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وحمّلت رابطة أمهات المختطفين السجون السرية التي أُنشئت خلال السنوات الماضية، وكانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي ، المسؤولية المباشرة عن واحدة من أخطر أنماط الانتهاكات، حيث جرى احتجاز مئات المواطنين خارج إطار القانون، دون أوامر قضائية أو أي رقابة مستقلة، وهي ممارسات وثّقتها تقارير أممية ودولية.
وفي سياق الوقفة، التقت الرابطة وكيل محافظة عدن لشؤون الأمن والدفاع، العميد عبدالعزيز المنصوري، وسلمته كشوفًا موثقة بأسماء المخفيين قسرًا، مطالبةً باتخاذ خطوات عملية للكشف عن مصيرهم، والإفراج عنهم، ولمّ شملهم بعائلاتهم التي أنهكها الانتظار.
وأكدت الرابطة أن إحكام الدولة سيطرتها الأمنية والسياسية في عدن يضعها أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية عاجلة لمعالجة هذا الملف دون أي تأخير، ومحاسبة المتورطين، وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلًا. وشددت على أن إغلاق السجون السرية وإنصاف الضحايا يمثلان خطوة أساسية نحو استقرار حقيقي قائم على العدالة وسيادة القانون.
قرار ينتظر التنفيذ
وفي هذا السياق، أعربت سهام قاسم، عضو الرابطة وشقيقة التربوي المختطف زكريا قاسم، عن عودة الأمل إلى قلوب عشرات الأسر التي أنهكها الاحتجاز التعسفي لأبنائها، مؤكدة أن قرار مجلس القيادة الرئاسي بإغلاق السجون غير الشرعية والإفراج عن المحتجزين يمثل خطوة مهمة تعيد إحياء العدالة وتؤكد أن القضية لم تعد بلا صدى.
وقالت قاسم، في تصريح لـ"الصحوة نت"، إن سنوات طويلة من الغياب والانتظار مرّت على الأسر، فيما ظلت أصواتهم تصطدم بجدران صمت طويلة لم تُصغِ لمناشداتهم، مشددة على أن تنفيذ القرار بشكل فعلي وفوري هو السبيل لإنهاء المعاناة المستمرة.
وأشارت إلى أن قضية الإخفاء القسري لم تقتصر آثارها على الأسر فحسب، بل تحولت إلى صدمة مجتمعية خلّفت جرحًا عميقًا في كل بيت يمني فقد أحد أبنائه دون ذنب أو مسوغ قانوني، معتبرة أن إنصاف المختطفين هو المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة والعدالة.
واختتمت سهام قاسم حديثها بالتأكيد على ضرورة متابعة رئيس مجلس القيادة الرئاسي ووزير الداخلية والحكومة الشرعية لتنفيذ القرار، وإغلاق السجون السرية في جميع المحافظات المحررة، والإفراج عن المختطفين، وإنهاء واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا في البلاد.
ويبقى ملف الإخفاء القسري والمحتجزين في السجون غير الشرعية أحد أبرز التحديات الإنسانية في عدن، وما تزال أصوات الأمهات والآباء تنتظر ترجمة القرارات والتوجيهات إلى واقع ملموس يعيد الحقوق، ويرسخ العدالة، ويعزز الاستقرار والثقة في المجتمع.