إيران واستراتيجية النفوذ المزعزع للاستقرار
Party
1 week ago
share

الرشادبرس_ مقالات

مقال- صالح يوسف

على مدى العقدين الماضيين، تحوّلت إيران إلى أحد أكثر الفاعلين إثارة للانقسام في الشرق الأوسط، ليس عبر الدبلوماسية أو الشراكات الاقتصادية، بل من خلال استراتيجية نفوذ قائمة على دعم فواعل مسلحة خارج إطار الدولة. وقد ترك هذا النهج آثارًا عميقة على استقرار دول عدة، وأسهم في إطالة أمد النزاعات، وتقويض مؤسسات الحكم، وتعميق معاناة المدنيين.

في اليمن، لعب الدعم الإيراني للحوثيين دورًا محوريًا في عسكرة الصراع، وتحويله من أزمة سياسية داخلية إلى حرب إقليمية مفتوحة. وبدل الدفع نحو تسوية شاملة، جرى توظيف النزاع ضمن معادلات الردع الإقليمي، ما أدى إلى انهيار اقتصادي واسع النطاق، وأزمة إنسانية صنّفتها الأمم المتحدة مرارًا بين الأسوأ عالميًا.

أما في لبنان، فقد ساهمت إيران، عبر حزب الله، في ترسيخ نموذج النفوذ غير المباشر الذي يقوّض سيادة الدولة من الداخل. فقد أدّى اختلال ميزان القوة لصالح فاعل مسلح غير خاضع للمساءلة إلى شلل سياسي مزمن، وانهيار مالي غير مسبوق، وعجز الدولة عن تنفيذ إصلاحات أساسية، في ظل ارتباط القرار الوطني بحسابات إقليمية أوسع.

وفي العراق، تَجلّى الدور الإيراني في دعم شبكات مليشياوية موازية للمؤسسات الرسمية، ما أضعف سلطة الدولة، وأعاق مسار بناء نظام سياسي مستقر بعد عام 2003. وعلى الرغم من الثروات الهائلة التي يمتلكها العراق، ظل البلد أسير حالة عدم يقين أمني وسياسي، حيث يُستخدم السلاح خارج إطار الدولة للتأثير في القرار العام، واحتواء الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح.

أما سوريا، فتُمثّل الحالة الأكثر دلالة على كلفة هذا النهج. فمنذ اندلاع الاحتجاجات عام 2011، شكّل التدخل الإيراني عنصرًا رئيسيًا في ترجيح الخيار العسكري، ما ساهم في إطالة الحرب، ورفع حصيلة الضحايا، وتهجير ملايين المدنيين. وقد جرى تبرير هذا التدخل باعتبارات أمنية وأيديولوجية، لكن نتائجه كانت دولة مدمّرة، وسيادة منقوصة، ونفوذ أجنبي متشابك.

القاسم المشترك في هذه الساحات هو أن السياسة الإيرانية لم ترتكز على دعم مؤسسات الدولة أو تعزيز الاستقرار طويل الأمد، بل على إدارة الأزمات واستثمارها سياسيًا. وهو خيار أثبت محدوديته، إذ لم يُنتج أنظمة مستقرة أو مجتمعات آمنة، بل نزاعات مفتوحة تُغذّي التطرف، وتفاقم الهشاشة الإقليمية.

الأكثر إشكالية أن هذا التمدد الخارجي تزامن مع أزمات اقتصادية واجتماعية متصاعدة داخل إيران نفسها، ما يثير تساؤلات مشروعة حول كلفة هذه السياسات على المواطن الإيراني، وجدواها الاستراتيجية على المدى البعيد. فبدل تعزيز مكانة إيران الإقليمية، أسهم هذا النهج في تعميق عزلتها الدولية، وتكريس صورة دولة تعتمد أدوات غير تقليدية لفرض نفوذها.

تُظهر تجارب المنطقة أن الاستقرار لا يمكن فرضه عبر المليشيات، وأن النفوذ القائم على القوة وحدها يظل هشًا وقابلًا للانفجار. وإذا كانت إيران تسعى إلى دور إقليمي مستدام، فإن ذلك يمرّ حتمًا عبر احترام سيادة الدول، ودعم الحلول السياسية، والتخلي عن منطق الصراعات بالوكالة الذي لم يحقق سوى مزيد من عدم الاستقرار للمنطقة بأسرها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows