Arab
يعيد الدفع الإسرائيلي لتشريع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي يقوده الوزير المتطرف إيتمار بن غفير نحو تبنيه بشكل كامل تمهيداً لتنفيذه، فتح ملف طويل من الانتهاكات، كاشفاً وجه المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية، في خطوة يرى حقوقيون أنها تتوج عقوداً من القتل الممنهج وتنسف ادعاءات الديمقراطية. وتنص الصيغة النهائية لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي يعمل عليه بن غفير، ونشرتها هيئة البث الإسرائيلي "كان"، على أن ينفذ أحكام الإعدام شنقاً خلال 90 يوماً، سجانان، هويتهما سرية ويتمتعان بحصانة جنائية، مع فرض إجراءات احتجاز ومحاكمات خاصة لأولئك الأسرى بشكل كامل.
ويجمع حقوقيون وخبراء في شؤون الأسرى الفلسطينيين على أنّ قانون إعدام الأسرى يكشف الوجه الحقيقي لدولة الاحتلال الإسرائيلي، التي لطالما روّجت للعالم أنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط. ويلفت هؤلاء إلى أنّ آلاف الأسرى الفلسطينيين يعيشون "قيد الإعدام" سواء عبر سياسة الإهمال الطبي الممنهجة، أو التعذيب الجسدي والنفسي وسياسة العزل لمدة قد تصل سنوات متصلة، ولا ينتهي الأمر بالاعتداءات والاغتصاب الجنسي، وجميعها ممارسات تتم بدعم ومباركة من جميع المستويات الرسمية في دولة الاحتلال.
ويقول مدير عام مؤسسة الحق الفلسطينية لحقوق الإنسان شعوان جبارين لـ"العربي الجديد"، إنّ "ما يجري اليوم يكشف الحقيقة الجوهرية لإسرائيل بوصفها مشروع استعمار استيطاني"، مشيراً إلى أنّ "حرب الإبادة الجماعية على غزة، وما رافقها من تشريعات وسياسات، عرّت الادعاءات الإسرائيلية حول الديمقراطية والإنسانية وحقوق الإنسان، وأظهرت طبيعتها الحقيقية البعيدة كلياً عن قيم العدالة والسلام".
وبحسب جبارين، فإن النقاش الدائر داخل إسرائيل حول تشريع عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين "لا يتعلق بتفاصيل قانونية أو إجرائية، بقدر ما يعكس توجهاً فاشياً وهمجياً ومعادياً للإنسانية، ويكشف حقيقة المشروع الاستعماري الاستيطاني القائم على نفي حقوق الشعب الفلسطيني وتجريده من إنسانيته". ويوضح جبارين أنّ حسم خيار اللجوء إلى الإعدام بوصفه عقوبة قانونية "يعني أن ما تبقى من نقاشات حول التفاصيل ليس سوى انعكاس لجوهر هذا التوجه"، مؤكداً أن ما يُمارس بحق الفلسطينيين لا يمت بصلة لمنطق منع الجريمة أو الردع.
ويشدد جبارين على أنّ الفلسطينيين لا يرتكبون جرائم، بل يواجهون احتلالاً واستعماراً استيطانياً، وأن محاولة تصوير المواجهة مع الاحتلال على أنها فعل إجرامي هو قلب للحقائق وتشويه للواقع. ويشير جبارين إلى أن اللجوء إلى عقوبة الإعدام لن يردع الشعب الفلسطيني عن الاستمرار في نضاله، موضحاً أن الشخص الذي يقرر الانخراط في مواجهة مع الاحتلال يكون قد حسم خياره مسبقاً، ومدركاً لاحتمالات الاستشهاد أو السجن، و"بالتالي فإنّ الإعدام لا يشكل عامل ردع، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تجعل الفعل أكثر إقداماً وتصميماً"، وفق قوله.
ويوضح جبارين أن هذا النقاش حول إعدام الأسرى الفلسطينيين ليس جديداً في السياق الإسرائيلي، إذ طُرح منذ عام 1967 وفي إطار الأوامر العسكرية التي تتيح من حيث المبدأ اللجوء إلى الإعدام، إلا أن السلطات الإسرائيلية امتنعت تاريخياً عن تطبيقه لأسباب تتعلق بحسابات نفسية وموضوعية وعملية، من بينها إدراكها أن الإعدام لا يوقف العمليات، بل قد يؤدي إلى تصعيدها وتغيير طبيعتها.
ويلفت جبارين إلى أن الأخطر من ذلك هو السعي لتقييد دور القضاة وتحويلهم إلى مجرد أداة لتأكيد حكم الإعدام، بدلاً من ممارسة دورهم الطبيعي في تقدير الوقائع والنظر في العقوبة المتناسبة مع الفعل. ويعتبر جبارين أن هذا التوجه يعكس انعدام الثقة داخل إسرائيل نفسها بمنظومتها القضائية، حين يتدخل السياسي أو رجل الدين لفرض قراره على القاضي، ما يعني اهتزاز أحد أركان الدولة التي لطالما تباهت باستقلال القضاء.
ويؤكد جبارين أن ما يجري يشير إلى حالة انهيار عميقة في بنية النظام الإسرائيلي، لا سيما في الجانب الذي كانت إسرائيل تقدم نفسها من خلاله بوصفها دولة ديمقراطية ومؤسسات وقانون. وبحسب جبارين، فإن القضاء، الذي كان يُستخدم أداةً لتلميع هذه الصورة رغم افتقاره للعدالة بحق الفلسطينيين، بات اليوم مستهدفاً مباشرة، مع محاولات إقصاء المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية غالي بهاراف ميارا وتهميش دورها، في سياق تدمير منظم لركائز دولة الاحتلال.
ويشدد جبارين على أن غياب العدالة والمحاكمات العادلة بحق الفلسطينيين "أمر معروف دولياً، إلا أن الجديد اليوم هو امتداد هذا الانهيار ليطال المنظومة الداخلية الإسرائيلية نفسها"، معتبراً أن ما يحدث لا يمكن فصله عن حسابات سياسية وانتخابية. ويرجّح جبارين أن لا تظهر أصوات معارضة حقيقية لمشروع قانون إعدام الأسرى، وأن القانون سيمضي قدماً، مع احتمال تأجيله فقط لأسباب إجرائية أو حسابات تتعلق بالصورة الدولية لإسرائيل.
بدوره، يصف رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية السابق قدورة فارس، في حديث مع "العربي الجديد"، هذا القانون بأنه "أحد أشكال التعبير الإسرائيلي الوحشية التي تمارسها إسرائيل ضمن حرب الإبادة المستمرة على الشعب الفلسطيني". ويقول فارس: "هذا يمثل إمعاناً في الجريمة، وذلك بسبب عدم وجود موقف إسرائيلي حازم لوقف العدوان الإسرائيلي الفاشي على الفلسطينيين، وهذا يعكس عمق العجز الدولي في التعامل مع إسرائيل، وما دام المجتمع الدولي لا يتخذ إجراءات حازمة إسرائيل لن تتوقف عن هذا الحد، وفي ظل مغادرة دول كثيرة في العالم لحكم الإعدام تتجاوز إسرائيل اليوم اتفاقيات دولية وقعت عليها".
قانون إعدام الأسرى.. "رشوة" نتنياهو
ويعتبر فارس أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بموافقته على تمرير قانون إعدام الأسرى، يقدم رشوة للائتلاف اليميني المتطرف الحاكم، وهو مستعد أن يقدم أي شيء على حساب دم الفلسطينيين مقابل استمرار استقرار الائتلاف الحاكم وعدم مغادرته الحكم. ويقول فارس: "إن نقابة الأطباء الإسرائيلية اعتذرت عن أن تكون شريكاً في هذا القانون، من خلال تنفيذ طبيب لحكم الإعدام، لأن ذلك يتناقض مع اتفاقيات دولية اتحاد الأطباء الإسرائيليين جزء منها في العالم، لأن أساس هذه الاتفاقيات أن عمل الطبيب هو العلاج وليس القتل أو التعذيب".
ويضيف فارس: "حسب المعطيات ربما في حزب الليكود يريدون ذلك، لكن غير متحمسين للفكرة، لأنها ملتبسة بالنسبة للعالم، وهذا القانون يعمق عزلة إسرائيل، ورغم أنهم غير متحمسين، لكنهم سيغضّون الطرف من أجل المحافظة على الائتلاف اليميني، لأن انهيار هذه الحكومة قد يترتب عليه أن يغادروا الحكم لفترة طويلة، وهذا الذي يستغله وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش منذ أن توليا مناصب بهذه الحكومة بأن يحققوا أكبر إنجازات من قوانين فاشية وسرقة للأرض ودعم للمستوطنين في قتل الفلسطينيين وسرقة أراضيهم قبل أن يغادروا الحكم".
ويقول فارس إن جميع الأسرى الفلسطينيين هم قيد الإعدام، وهذا القانون هو تتويج لممارسات إسرائيلية عبر عقود طويلة وصلت ذروتها في العامين الماضيين، وكشفت الوجه الحقيقي لدولة إسرائيل. ويضيف "هذه الصورة الحقيقية لإسرائيل وبن غفير أحد أجزاء هذه الصور الحقيقية للدولة التي تحاول أن تخفي نفسها عن العالم دوماً بالكثير من المزاعم الديمقراطية غير الموجودة أصلًا".
بدورها، تقول المسؤولة الإعلامية لنادي الأسير الفلسطيني أماني سراحنة، في حديث مع "العربي الجديد": "على مدار عقود طويلة أعدمت إسرائيل الأسرى خارج إطار القانون بطرق مختلفة، وفي كل مرة لم تكن بحاجة لأن تقر قانون إعدام للأسرى الفلسطينيين لأنها بالواقع تمارس هذا الإعدام سواء بحق الأسرى داخل المعتقلات أو بعد اعتقالهم مباشرة، أو بحق الفلسطينيين في بيوتهم أو على الحواجز".
وتتابع سراحنة: "نحن نتحدث عن أن المسار لقانون إعدام الأسرى موجود وله أساس في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، وكان هناك الكثير من الحالات التي تمت مطالبة المحكمة العسكرية الإسرائيلية بتطبيق قانون الأعدام ولم تطبقها المحكمة، لأنه في حينه كان هناك اعتبارات سياسية لها علاقة بمزاعم إسرائيل أمام العالم بأنها دولة ديمقراطية".
وبحسب سراحنة، "هناك تحولات متسارعة خلال جريمة الإبادة الجماعية التي تقوم بها إٍسرائيل منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فهذه التحولات المتسارعة تتم بشكل مرعب، وهذا انعكس على القانون وبنوده التي تتيح تنفيذ حكم الإعدام بشكل أسهل ومن دون شروط معيقة، كما هو الحال في المحكمة العسكرية التي لديها الكثير من الشروط حول شكل الهيئة القضائية وغيره من الشروط التي تجعل تنفيذ حكم الإعدام صعباً، لكن الجديد اليوم أن قانون بن غفير يجعل تنفيذ حكم الإعدام أكثر رخاوة ودون شروط تذكر".
بنود أوسع
وتضيف سراحنة "صادق الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) بالقراءة الأولى على المحاكم الخاصة لأسرى النخبة أي أسرى السابع من أكتوبر 2023، حيث إن إسرائيل تحاول أن تعمل على هذه المحاكمات الخاصة، وتطرح عقوبة الإعدام لأسرى النخبة بشكل منفصل عن حكم الإعدام لبقية الأسرى الفلسطينيين، أي تريد محاكمتهم بشكل مستقل، ومن دون أدنى اعتبار للمسار القانوني".
بدوره، يقول المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع لـ"العربي الجديد"، إنّ "المفارقة حول قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى كانت في غياب أي معارضة داخل الكنيست، في ظل إجماع إسرائيلي شبه كامل على كل ما يتعلق بالسابع من أكتوبر، ما شكّل مدخلاً أساسياً لليمين الإسرائيلي، لتمرير هذا التشريع"، مشيراً إلى أن التركيز الحالي ينصب على أسرى السابع من أكتوبر، إلا أن القانون لا يقتصر عليهم فقط.
ويبيّن مناع أن مشروع القانون يتضمن بنوداً أوسع، إذ يشمل كل الأسرى المتهمين بقتل إسرائيليين بدوافع قومية، مع تقسيم واضح في الصياغة القانونية بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبين الفلسطينيين الذين يحملون الهوية الإسرائيلية، وهو ما يعكس محاولة تشريعية لتنظيم التعامل مع مختلف فئات الفلسطينيين ضمن إطار واحد قائم على العقوبة القصوى.
ويوضح منّاع أن القانون منقسم فعلياً إلى مسارين؛ الأول يتعلق بكل من يُتهم بقتل يهود بدوافع قومية، وهو مسار ما زال يواجه معارضة داخل إسرائيل، بما في ذلك اعتراضات قانونية؛ أما المسار الثاني، فهو الخاص بمحاكمة أسرى السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وهو الذي جرى التصويت عليه مؤخراً، ويتضمن إنشاء محاكم خاصة، وتعيين قضاة خاصين، وفرض عقوبات مشددة تصل إلى الإعدام.
ويؤكد منّاع أن هذه المحاكمات، وفق الصيغة المطروحة، هي محاكمات سياسية بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن الدور الممنوح للقضاة فيها يبدو شكلياً، في ظل قيود قانونية تجعل القرار شبه محسوم مسبقاً، كما جرت العادة في جميع المحاكمات التي يخضع لها الفلسطينيون في إسرائيل، وهي محاكم عسكرية تعمل وفق قوانين الطوارئ والأوامر العسكرية، وبعيدة عن القانون المدني الإسرائيلي نفسه، فضلاً عن ابتعادها عن المعايير القانونية الدولية.
ويعتبر مناع أن ما يجري هو محاولة ممنهجة لـ"قوننة" العنف الاستعماري، مؤكداً أن إسرائيل تحاول أن تقدم نفسها أمام العالم دولة قانون، عبر الادّعاء بأنها لا تنفذ الإعدام ميدانياً، بل تجري محاكمات. ويشير مناع إلى أن القراءة الأولى للقانون تمت بسلاسة، مرجحاً أن تمر القراءتان الثانية والثالثة بسهولة في ما يخص أسرى السابع من أكتوبر، في ظل الإجماع القائم، لكن القانون بصيغته الأوسع سيواجه بعض العراقيل، مع احتمال إدخال صيغ توافقية، رغم أن هذه القوانين لا تنسجم مع الأطر القانونية المتعارف عليها عالمياً، وتعكس شرعنة المنظومة الاستعمارية سياساتها.

Related News
طرح الإعلان التشويقي لمسلسل إلهام الفضالة «غلط بنات»
al-ain
5 minutes ago
دراسة تكشف حيلة بكتيرية لعبور ممرات أصغر من حجمها
al-ain
8 minutes ago