Arab
تُظهر قراءة المشهد الإعلامي الراهن أنّ المنصّات الرقمية أصبحت مركز الثقل في تدفّق المُحتوى وتشكيل أنماط المتابعة. فكميّة المواد المنشورة عبر هذه المنصّات، وفي مختلف التصنيفات من الإخباري إلى التكنولوجي وغيرها من الموضوعات على اختلافها، لا تعبّر عن توسّع في الإنتاج فحسب، بل عن تحوّل في البنية التي يُصنع داخلها الإعلام اليوم. إذ باتت المؤسّسات الإعلامية تتحرّك باتجاه تعزيز وجودها الرقمي باعتباره جزءاً من استراتيجيتها الأساسية، في ظلّ مؤشّرات واضحة على تغيّر سلوك الجمهور وتراجع الدور المركزي للشاشة التقليدية. وهذه المتغيّرات تفرض مقاربة جديدة لطبيعة الاتصال، إذ أصبحت المنصّات المجال الفعلي لتداول المعلومات والتنافس على انتباه المستخدم.
ورغم هذا التحوّل، فإنّ إحدى أبرز الإشكاليات التي تميّز المُحتوى الرقمي العربي والعالمي على حدّ سواء، هي التجانس الكبير في الموضوعات وأساليب الطرح، ولا سيّما في المحتوى البصري الذي يُقدَّم عبر منصّات الفيديو القصير أو المواد المُصوّرة. ولا يُقصد هنا ما يُنشر من أخبار عاجلة أو تحديثات سريعة بطبيعتها؛ بل الحديث ينصبّ على المحتوى المصنوع والمُعدّ للاستهلاك الرقمي، أي المواد التي يُفترض أن تحمل معالجة أو زاوية أو سرداً بصرياً مُتمايزاً.
فعملية التصفّح السريعة تُظهر أنّ المحتوى المُتداول غالباً ما يكون مُكرّراً، لا من حيث الفكرة فقط، بل من حيث الشكل والأسلوب والعناوين والبناء الخطابي. إنّ بنية "الردة الواحدة"، أو المُحتوى الذي يُعاد إنتاجه بصيغ متقاربة على منصّات مُتعدّدة، تُشير إلى مشكلتين جوهريتَين: الأولى غياب التميّز التحريري، والثانية ضعف فهم اختلاف طبيعة الوسائط الرقمية ومتطلّبات كلّ منها.
تُظهر عملية التصفّح السريعة أنّ المحتوى المُتداول غالباً ما يكون مُكرّراً
إحدى القضايا المُرتبطة بهذا التكرار هي غياب السرد القصصي الرقمي في نسبة واسعة من المحتوى، خصوصاً في المواد التي تُبنى كـ"سكريبتات إخبارية" لا تتجاوز كونها سلسلة من المعلومات المصنّفة زمنياً من دون سياق. وفي كثير من الأحيان يتحوّل المحتوى إلى تجميع لتصريحات أو مواقف سياسية تُعرض بطريقة تقريرية مباشرة (قال فلان، وأوضح آخر، وعلّق ثالث) من دون صياغة رؤية تحريرية أو زاوية تُقدّم للمشاهد قيمة معرفية إضافية. ونتيجة لذلك، تغيب القصة التي ينبغي أن يتلقّاها الجمهور: ماذا قدّم له المحتوى؟ وما الذي يمكن أن يستنتجه ممّا شاهده؟
إنّ المُحتوى البصري، بطبيعته، يحتاج إلى لغة رقمية مُتسقة مع بيئة الشبكات الاجتماعية، تُتيح للمستخدم فهماً أوضح، وتجربة مشاهدة مُتماسكة، وزاوية تفسيرية أو سياقية لم يكن قد انتبه إليها. وحين تغيب هذه العناصر، يفقد المحتوى قدرته على التأثير وإحداث الارتباط العاطفي والمعرفي لدى المستخدم، مهما كانت معلوماته صحيحة أو ثرية.
وبحسب الأدبيات الأكاديمية المُتخصّصة في Digital Storytelling، يلعب السرد دوراً جوهرياً في تعزيز قابلية المحتوى للانتشار، وزيادة تفاعل الجمهور، وتحسين القدرة على تذكّر الرسائل. فالعقل البشري يستقبل المعلومات ذات البنية السردية بصورة أكثر كفاءة مقارنة بالمعلومات المجرّدة، وهو ما تؤكّده دراسات متعدّدة في الإعلام والتسويق والتواصل الرقمي.
لم يعد المحتوى مجرّد نص أو فيديو، بل بنية تفاعلية تُصاغ بما يتوافق مع منطق المنصّة وسلوك الجمهور وهدف الرسالة
لكنّ المشكلة لا تتوقّف عند غياب السرد، بل تمتدّ إلى عدم التمييز بين أنواع المحتوى وطرق معالجتها. فالمحتوى الذي يقدّمه مذيع أو مقدّمة أمام الكاميرا (الذي يعتمد على الأداء البشري وعناصر اللغة غير اللفظية) يخضع لاعتبارات مختلفة تماماً عن المحتوى الذي يعتمد على الصور الثابتة أو الفيديو القصير أو الكاروسيل، ولكلّ وسيط محدّداته البنيوية:
- المحتوى التقديمي يحتاج إلى حضور بصري ولغوي، وإلى بناء تفاعلي مباشر مع المشاهد.
-محتوى الفيديو القصير يتطلّب إيقاعاً سريعاً، وخطافاً افتتاحياً، وترتيباً بصرياً مُحكماً.
- الكاروسيل في المنصّات البصرية يتطلّب تصميماً سردياً يُقسّم المحتوى إلى وحدات صغيرة يمكن قراءتها تدريجياً.
إنّ تجاهل هذه الفروق يؤدي إلى إنتاج محتوى مسطّح وغير متكامل، وهو ما ينعكس مباشرة على مؤشّرات الأداء الرقمي مثل معدّلات التفاعل ومدّة المشاهدة ونطاق الوصول. ومن منظور مهني، ترتبط هذه الإشكالية بضعف فهم النماذج الاتصالية الحديثة التي باتت تفرض على صُنّاع المحتوى الانتقال من منطق "النشر" إلى منطق "تصميم التجربة"، فالمحتوى لم يعد مجرّد نص أو فيديو، بل بنية تفاعلية تُصاغ بما يتوافق مع منطق المنصّة وسلوك الجمهور وهدف الرسالة. وتؤكد الدراسات الحديثة في الإعلام الرقمي أنّ التنافس في المرحلة الراهنة لم يعد يدور حول كمية المحتوى، بل حول النوعية السردية والقدرة على بناء هُويّة مُميّزة. فالمحتوى المتجانس يؤدي إلى تشبّع الجمهور، فيما المحتوى المبني على سرد واضح، وهوية بصرية ثابتة، وصوت تحريري متماسك، يحقّق انتشاراً أوسع وولاءً أعلى. وهذا ما يفسّر تفوّق المحتوى الذي يستند إلى عناصر قصصية (حتى في المجالات الإخبارية التحليلية) مقارنة بالمحتوى المعلوماتي الخالص.
يدور التنافس في المرحلة الراهنة حول النوعية السردية والقدرة على بناء هُويّة مُميّزة
من جهة أخرى، وفي ما يتعلّق تحديداً بالمحتوى الذي تنشره المنصّات التابعة للفضائيات، تبرز معضلة واضحة في طبيعة المواد المعروضة. فهذا المُنتج الرقمي، وإن بدا مُختلفاً شكلياً، يبقى خاضعاً لضوابط وقواعد العمل الصحافي؛ فهو في جوهره تقرير أو قصّة خبرية. المشكلة ليست في التسمية، بل في الأصل: طالما أنّ المادة إعلامية، يجب ألّا تخرج عن إطار القواعد المهنية التي تحكم العمل الصحافي (بما في ذلك الحياد، وعدم تبنّي الآراء، والالتزام بسلامة نقل المعلومات من مصادرها).
يُحتّم التضخم الرقمي الحالي إعادة صياغة فلسفة إنتاج المحتوى، بعيداً عن السرعة والتكرار، وباتجاه سرد مُميّز وفهم أعمق لطبيعة كلّ وسيط وتصميم تجربة مشاهدة متكاملة. وفي ظلّ التنافس الشديد على لفت انتباه المُستخدم، لا يبرز سوى من يدرك هذه التحوّلات ويحوّلها إلى ممارسة مهنية واعية. والمحتوى الفعّال هو الذي يمنح المتلقي قصّة يمكن استنتاجها ممّا يراه، لا مجرّد معلومات مُتتابعة؛ قصّة تترك لديه معنى واضحاً وزاوية إدراك جديدة.
Related News
ضغوط أميركية لفتح معبر رفح
aawsat
5 minutes ago
السودان: معارك طاحنة في محور النيل الأزرق
aawsat
11 minutes ago
مصرع ثمانية أشخاص على الأقل في حادث غرق عبارة في الفيليبين
aawsat
12 minutes ago