أن تحمل الخابور في صدرك...
Arab
1 week ago
share
أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف حين وقفت فارعة الشيبانية ابنة قبيلة الفوارس في القرن الثاني الهجري بعد موت أخيها على ضفة نهر الخابور ترقب اخضرار الشجر وجريان النهر بلامبالاة، كان ألمها يواجه عودة الحياة واستمراريتها مقابل الموت. ومثلها كنّا، الجزراوية، أبناء حوض الخابور، في محافظة الحسكة، شمال شرقي سورية، نصدق باستمرار الحياة كما استمرار النهر وأبديته، ذات يوم، ذات زمان، قبل أن يتهدد وجوده اليوم منذراً بكارثة بيئية واندثار ثقافي.  نادراً ما يظهر للنهر العتيق ذكرٌ في الإرث الشعري والأدبي للمنطقة، فهو يقع بين أبناء الآلهة القديمة، الفرات ودجلة، يرتع في وسط سهولٍ واسعة شقياً يحفر سريراً جديداً في التربة الطرية هنا، وينقض على صخور ناتئة هناك فيعود مهمشماً تدور هزيمته في دوامات مائية مميتة. رغم الهامشية التاريخية الظاهرية لحوض نهر الخابور إلا أنه شهد بداية مدن العصر الحجري الحديث ونشوء المجتمعات الزراعية سواء تل حلف وتل براك، قبل أن يدخل العصر البرونزي مع الأكاديين ثم تتلاشى مركزيته إثر انهيار العصر البرونزي. رغم استمرار أهميته بوصفه مركزاً حيويّاً واستراتيجياً كما تشهد بقايا الأكادوك الرومانية على ضفافه. الخابور ابن أبيزو، موطن المياه بحسب السومريين، ولد حين مسح الإله إنكي بيده العظيمة رحم الأرض فانبثقت ينابيع المياه من تجاويف الصخور الكارستية شمال بلاد سومر لتجري في عروق الأرض وتزهرها رغم أن للجزيرة السورية تخوماً واضحة تضم الأراضي السورية، من ضفاف الفرات، حتى الخطوط الحادة للحدود مع تركيا والعراق، والتي رسمتها اتفاقيتا سايكس بيكو 1916، وأنقرة 1921، ومعاهدة لوزان 1923، إلا أن أبناء الشتات، من السريان وحدهم، من نزحوا من مدنهم وقراهم في إقليم ديار بكر إثر مذابح السيفو، يصنفون أنفسهم جزراوية، فبعد تركهم أراضي أجدادهم في مملكة الرها القديمة واستقرارهم على كتف النهر حيث وجدوا عزاءهم في استمرار اخضرار الأرض وجريان مياه الخابور، تركوا ذكريات المذابح المؤلمة وأقبلوا على الواقع الجديد، يؤسسون مدينتهم وثقافتهم الخاصة وأنديتهم ويخلطون أوراق أنسابهم من ميردلي وميدياتي وديار بكرلي ليصبحوا بهوية جديدة، مدنية ومنفتحة بل ومغايرة عن شتات عوائلهم التي اندثرت بين بغداد وحلب وإسطنبول. ليس من السهل الحديث عن الخابور والوجود المسيحي فيه من دون الوقوع في فخ التصيد أو التزييف التاريخي، فقد تعرّضت الأقاليم حوله للحروب والمجاعات بدءاً من نزوح الآشوريين في أواسط القرن التاسع عشر، ثم المجاعة التي تلت هزيمة الأتراك في الحرب العالمية الأولى وعصفت بأبناء الأقاليم الزراعية في بداية القرن العشرين، وكما يحدث حين يأكل الجوع الأمعاء، اشتدت ضراوة العداوات وغزوات النهب والقتل، ثم جاء شبح السيفو المريع، حيث اعتمد العثمانيون سياستهم في التغيير الديموغرافي لإخماد أي نزعة ثورية، و كما فعلوها قبلاً في جبال طوروس و دير الزور وغيرها، قامت قوات نظامية عثمانية بطرد ثم قتل مسيحيي الولايات الشرقية الجنوبية من آشوريين وسريان من بداية 1912 حتى 1923، وأصبح وادي نهر الخابور ملاذاً للناجين واحتضنهم، إذ كان الفرنسيون قد بنوا في عام 1922 قاعدة عسكرية على أطلال تلٍّ قديم، وكم من الأطلال في حضن ذلك الوادي. واستقرّ الناس في بيوت لبنية سريعة الصنع، وحين راقت لهم الحياة بظلال شجر الكينا والتوت بدأوا باستعمال الأحجار المصقولة لأطلال قديمة ليشكلوا حياتهم الجديدة وهكذا كانت أول كنيسة للسريان القديم تحمل روح معابد الآلهة القديمة لحضن الخابور.  فالخابور ابن أبيزو، موطن المياه بحسب السومريين، ولد حين مسح الإله إنكي بيده العظيمة رحم الأرض فانبثقت ينابيع المياه من تجاويف الصخور الكارستية شمال بلاد سومر لتجري في عروق الأرض وتزهرها. يرفد الخابور الكثير من الجداول الموسمية أو الدائمة، لتقوى عزيمته ويشق الأرض ثم يلتقي مع أخيه الأقرب الجغجغ ليذوبا في حضن الفرات العظيم. وهكذا وفي المثلث من الأراضي السورية الواقعة بين الفرات ودجلة كانت حصة سورية من السهول الخصبة ذات التربة الطينية والجو الحار المناسبين لزراعة عصب الحياة: القمح، تلك الحبوب التي قاوم بها الإنسان الأول الجوع واشتدت أنفاسه لينفخ في الأتون صانعاً القرميد والزجاج.  هالجزراوية يوب، هالجزراوية ... ما حدا غيرها كان يحنّ عليّا سمعت في طفولتي عن مدن لم أكن أعلم موقعها وقصص الغزوات والحروب والمجاعة والقتل العرقي، سمعتها من الجدّات اللواتي صمدن بعد خسارة الرجال ليشكلن جيلاً مما يروق لي تسميتها ممالك الجدات وكانت الحسكة مليئة بهن. أرامل وجدن أنفسهن مسؤولات على رعاية الأبناء في مكان غريب وجديد بمعادلات اجتماعية واقتصادية جديدة ليؤسسن عائلات قوية وثرية. بقي بعضها محافظاً على الاسم الأصلي للعائلة وبعضها عرف باسم الأم: بيت حبّو، بيت بدرية، بيت مسعودة وغيرهن.  كان للخابور الرائحة المميزة للأنهار وسبخات المياه، مزيج مكثف من رائحة الطحالب وعبق الطين الذي يختمر في السباخ. لكن لم يكن معظم أهل البلد يعرفونه، إذ كانوا مستجدّين على معاشرته، كانوا يخشونه ويترصدون غضبه وطوفانه كما يستغربون أحياناً قلة مياهه بعدما قُتل ابنها الشاب وزوجها في السوقيات على يد العصملي، جمعت حبّو حوائجها وأخفت "مفارداتها"، وهي جمع مفاردة أي الأسورة الذهب، في عمق الخرج ثم أجلست فوقه أصغر أبنائها، توأمان يعقوب وجرجس، ومشت مع أبنائها اليافعين أمام الدابة عابرة الأميال مثل باقي الهاربين من الموت، مجتازين السهول نحو الجنوب حيث مضارب العشائر العربية التي ذاع صيت إنقاذها للهاربين بالماء والمأوى. وهكذا نزلت حبو وأبناؤها من ماردين نحو عامودا ثم الحسكة حيث يتوفر العمل في معسكر الفرنسيين الذين ورغم جبروتهم أدخلوا المدنية لبقايا أقاليم العالم القديم للخلافة العصملية، وخططوا البلاد وظهرت في الخرائط أراض، فقامت حبّو بشيء غريب لامرأة أميّة تنتمي للعالم القديم، باعت ذهبها واشترت سهولاً واسعة تغفو على كتف الخابور ويتوسد ظلها تل المجرجع الأثري وكتبت اسمها بجانب النهر، فأصبحت هذه الأراضي (وما زالت) تعرف بأراضي حبو. ورِث الأبناء عن الأم حب المغامرة والبأس، فانخرط أبناؤها في العمل المدني والسياسي، استشهد الياس برصاص الفرنسيين عند جبل كوكب، لمحاولته وصديقه المسلم ابن عشيرة المسلط تهريب سلاح للثوار، شارك يعقوب، جدّي لأمي، في تأسيس البلدية، والمجلس المليّ الكنسي، كما قرر مع توأمه تأسيس مزارع تجريبية فاختارا أرضاً عالية على ضفة الخابور بعد الشلالات انتقلوا للعيش فيها بعيداً عن المدينة. كانت تلك المساحة الصغيرة الممتدة بين بيوتهم اللبنية والنهر تزرع تارة قطناً وتارة بندورة إيطالية وتارة غرسات من العنب. فيما يمتد بستان صغير إزاء كل بيت تملؤه الأشجار المثمرة، وحولهما بيوت للفلاحين والأجراء ليشكلوا كومونة زراعية استمرت لنصف قرن. في ذلك البستان وذلك البيت نُسجت خيوط طفولتنا وعشتُ مع أبناء خالاتي أجمل سنوات العمر، في فردوس معبّأ بعبق الزهور والفواكه ورائحة النهر. كان للخابور الرائحة المميزة للأنهار وسبخات المياه، مزيج مكثف من رائحة الطحالب وعبق الطين الذي يختمر في السباخ. لكن لم يكن معظم أهل البلد يعرفونه، إذ كانوا مستجدين على معاشرته، كانوا يخشونه ويترصدون غضبه وطوفانه كما يستغربون أحياناً قلة مياهه. لم تكن ضفافه مكاناً للتنزه أو ملاحقة الشمس، بل أرضاً للكبار فقط، فخلف مظهره الهادئ المخادع، تسكن طبيعة طينية غادرة، ضفاف تتبدل باستمرار، ودوامات خفية تتربص بالمتنزهين وتسحبهم. وفي مواسم الأمطار، كان النهر يتمدد برخاوة قاتلة إلى البيوت ويغرق الأقبية. بالرغم من ذلك إن الخابور لأبناء الحسكة كالعرق الأزرق ينبض تحت الجلد، دون أن يكون ظاهرياً. لكن تتخلل برودته حوائط بيوتهم القديمة. كان وجوده حاضراً في كل مكان لا يحتاج لبرهان. وحين رغدَ العيش وانتشرت النوادي وتطورت الأغنية المردلية ومواضيعها وكلماتها لم يكن يذكر صراحة. فكان وجوده أزلياً. كان ذلك قبل النزيف الأخير. حققت الزراعة في القرن الفائت الثروات وبدأت ترسو ملامح مؤسسات عائلية كآل أصفر ونجار الذين استوردوا أحدث الآلات وجلبوا الخبراء لقهر سنوات الجفاف. وانخرط الناس في العمل السياسي والأحزاب وذهبت الفتيات للمدارس وأنشئت النوادي والسينمات والأندية الرياضية، ثم جاء قانون التأميم والإصلاح الزراعي فتفككت المفاصل الناشئة، ثم الحركة التصحيحة فتعطلت المصالح مع ترهل الجهاز الحكومي. وصاحب انكسار المحراث، انكسار الروح، فساهم قانون الطوارئ وإيديولوجية الدولة بزيادة الضغط على الريف وما يحمله من تنوع عرقي وديني، فصمت الآشوريون والسريان عن التحدث بلغتهم وتعليمها وتم فرض منهاج موحد وإدارة حكومية على المدراس الخاصة، وفقد الأيزيديون والشمسيون هوياتهم الدينية، إذ إن الدولة لا تعترف سوى بالديانات التوحيدية. وكما حدث سابقاً وفرغت القامشلي من اليهود في بدايات القرن، بدأ المسيحيون يهربون خارح البلاد لأوطان تعترف باختلافهم ولا تعتقل أبناءهم في سراديب أزلية. أغلق نادي الكشافة السرياني وأصبحت الأندية الرياضية تتبع تقلبات أمزجة موظفي الدولة. فرغت قرى كاملة للآشوريين تاركين بساتينهم وماشيتهم والجد العجوز الذي يرفض ترك محراثه واتجهوا لأستراليا، أما السريان فصعدوا لأوروبا في هجرات غير شرعية محفوفة بالمخاطر. ذهبت قصص الجزراويين الذين يحاولون مقاومة الذوبان في بلدان المهجر فيطلقون اسم الخابور على أنديتهم، يستحضرونه كإله مقتول، لعله يُبعث يوماً، فيما يواجه سكان الحسكة اليوم صعوبة الحصول على مياه الشرب لكن الخابور بقي فتياً معافى يمضي في سريره حامياً الأرض من الجفاف الذي يفرضه صمت السماء وقسوتها أحياناً ولسنوات حتى يهبط مستواه لنصفه قبل أن يسترد قوته حين تعود السماء لتتذكر الأرض، فتهديها أمطاراً غزيرة. استمرّت هذه الدورة قروناً، سنوات جفاف طويلة قاحلة ثم أمطار غزيرة، قبل أن يتدخّل البشر.  في محاولتها لترويض الصحراء، شرعت الدولة في توطين البدو في الأراضي البعلية، لكن كعادتها ألقت العبء على كاهل الناس وتركتهم يواجهون قدرهم بلا بوصلة. كما ساهم اضطراب الاقتصاد المحلي وتخبطات سياسات الحكومة، في اضطراب القطاع الزراعي، وحين واجه الفلاحون المستجدّون سنوات الجفاف، استعانوا بحفر الآبار الارتوازية في الأراضي التي اعتمدت تاريخياً على الأمطار الموسمية، دون التنبه إلى أنهم يتدخلون في أعمال الآلهة القديمة، ويثقبون بيوت المياه الجوفية للينابيع. جاء التحذير مع جفاف مياه الجغجغ، رافد الخابور الأكبر، لكن الدولة استمرت في الموافقة على تصاريح الآبار، وسدّ العجز بحلول سريعة دون دراسة، ولم تنفع تحذيرات الخبراء المحليين والدوليين، لرن جرس الإنذار، لنستيقظ جميعنا. هبوطات للأراضي في مدينة رأس العين وضواحيها حيث فرغت الأرض من جوفها المائي، صاحبت ذلك فجيعة نزوح جماعي، إذ ترك أكثر من 350 ألف فلاح، من أصول بدوية، أراضيهم وتوجهوا لجنوب دمشق في مخيم البراك، ومخيم أوتايا. مع الهبوط الكبير لمستوى مياه الخابور وضمور جسده، بدأ أبناء المدن حول النهر بتحسس المصيبة، ومع كل شبر يفقده النهر، يفقد الناس جذورهم وتشتد الهجرة. وكان لا يمر شهر دون أن تبيع عائلة أملاكها وتنطلق في رحلتها لنزوح ثان، ولم تفعل الثورة السورية سوى أنها ساهمت في تسريع عجلة الهجرة فيما يموت الخابور منسياً في صمت تحت أعين وسمع الجميع وأصبح نهراً خفياً، غير مرئي، وريث الحضارات العتيقة، يسكن الآن في البرزخ، يجر وراءه حكايات أبناء الجزيرة الساهرين في ظلال أشجاره.  لم يعد الخابور سوى وادٍ جاف تملؤه القذارة، ومع هجرة أبنائه، لم يعد أحد يصدّق قصص الفيضانات والضحايا، وذهب معه شعورنا الزائف بالأمان الذي كان يمنحه لنا جريانه الأزلي، ونتشتّت في المنافي، ونحاول إعادة بناء حياتنا كما فعل أجدادنا، عابرين في الأرض، يحمل كل منا نهره في صدره، ويمضي بعيداً عن الضفاف التي سقتنا وعلمتنا الحب كما الانكسار. ذهبت قصص الجزراويين الذين يحاولون مقاومة الذوبان في بلدان المهجر فيطلقون اسم الخابور على أنديتهم، يستحضرونه كإله مقتول، لعله يُبعث يوماً، فيما يواجه سكان الحسكة اليوم صعوبة الحصول على مياه الشرب، رغم أن الأخبار الأخيرة عن هطول أمطار غزيرة تعطي بريق أمل بعودة جديدة للنهر، بقيامة لم يحسبها أحد، وقد لا يصدّقها أحد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows