Arab
مع تصاعد الحديث عن احتمالات إعادة تموضع سورية في النظامين، الإقليمي والدولي، برزت بين بعض السوريين، ولا سيما في الأوساط المتفائلة أو القريبة من دوائر السلطة، أطروحاتٌ عن إمكانية أن تتحوّل سورية إلى دولة نموذجية تشبه سنغافورة أو كوريا الجنوبية. ربما كان أوّل من فتح باب التفاؤل العالي هذا هو الرئيس أحمد الشرع نفسه حين تحدّث عن ذلك بعد أسابيع قليلة من سقوط نظام الأسد، وفي ما بعد ذهبت بعيداً تحليلات المتفائلين، لكن بدون رصانة معرفية ومن دون الاستناد لقراءات معمقة للواقع السوري أو النموذج السنغافوري.
ويستند هذا الخطاب المتفائل إلى افتراض أن انفتاحاً سياسياً أو علاقة خاصة محتملة مع الولايات المتحدة وموقع سورية المميز قد تفتح الباب أمام مسار تنموي سريع، يعيد بناء الدولة ويحوّلها إلى مركز اقتصادي إقليمي. غير أن هذا الطرح، رغم جاذبيته العاطفية والإعلامية، يبدو أقرب إلى تفاؤلٍ غير واقعيٍّ إذا ما قيس بالمعطيات البنيوية والسياسية والأمنية التي تحكم المشهد السوري الراهن.
أول هذه المعطيات يتمثل في الانقسام الداخلي العميق الذي لا تزال سورية تعيشه، فالبلاد لم تنجح بعد في بلورة عقد اجتماعي جامع بين مكوناتها الاجتماعية والطائفية والإثنية. ليست هذه الانقسامات سطحية أو عابرة، بل هي نتاج سنوات طويلة من الصراع والعنف وفقدان الثقة المتبادلة، ما يجعل بناء دولة مركزية مستقرّة وقادرة على اتخاذ قراراتٍ استراتيجيةٍ كبرى أمراً بالغ التعقيد.
ثانياً، تقع سورية ضمن خريطة تنافس إقليمي حاد، لا يقتصر على نفوذ الولايات المتحدة وحدها، فالتداخل التركي في الشمال، والحضور الإسرائيلي العسكري والأمني المباشر، إلى جانب أدوار إيرانية وروسية خلف الستائر، يجعل من سورية ساحة صراع مصالح متشابكة. هذا الواقع يحدّ بشدة من قدرة أي دولة خارجية، بما فيها الولايات المتحدة، على صياغة علاقة "خاصة" مستقرّة وطويلة الأمد مع دمشق، أو الاستثمار في نموذج تنموي شبيه بتجارب شرق آسيا التي نشأت في بيئة جيوسياسية مختلفة وأكثر استقراراً.
ثالثاً، تواجه سورية تحدّيات أمنية داخلية مستمرّة، بدءاً من انتشار السلاح خارج إطار الدولة، وصولاً إلى بؤر توتّر مزمنة في أكثر من منطقة. تُظهر التجربة التاريخية أن الولايات المتحدة لم تنجح في تحويل دولٍ تعاني من هشاشة أمنية مماثلة إلى نماذج ناجحة، كما هو الحال في العراق، الذي رغم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الأميركي، لا يزال يعاني من اختلالات بنيوية عميقة.
اقتصادياً، تبدو التحدّيات أكثر قسوة، فالبنية التحتية السورية مدمّرة إلى حد كبير، والاقتصاد يعاني من عزلة دولية وبقايا آثار عقوبات رغم إلغائها، وانخفاض حاد في رأس المال البشري نتيجة الهجرة واللجوء.
كذلك علينا أن نتذكّر أن بعض دول أوروبا الشرقية، التي كانت أقرب جغرافياً وثقافياً إلى الغرب، كذلك العلاقة التحالفية والمميزة لبعض الدول العربية مع الولايات المتحدة، لم تحقق جميعها استفادة حقيقية ومستدامة من علاقتها معها، بل واجه بعضها أزماتٍ تنمويةً وسياسيةً مزمنة، ما يضعف فرضية أن العلاقة مع واشنطن بحد ذاتها كافية لتحقيق التحول.
في ضوء ذلك كله، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لسورية اليوم أن تتجاوز هذه العوائق وتحقق نموذجاً متطوّراً؟ تميل الإجابة الواقعية إلى التشكيك، فالتجارب الناجحة قامت أساساً على شروط داخلية صلبة من وحدة وطنية، واستقرار أمني، ومؤسسات فاعلة. من دون معالجة هذه الجذور العميقة، يبدو الحديث عن نموذج سوري ناجح أقرب إلى أمنياتٍ سياسيةٍ تفتقر إلى قراءة رصينة ومحايدة للواقع، أكثر منه مشروعاً قابلاً للتحقق في المدى المنظور.
... كل ما نحن متأكدون منه أن سنغافورة بعيدة جداً والعراق قريب جداً.

Related News
الهلال يخطب ود غريب بعرض رسمي
aawsat
23 minutes ago
الدوري الفرنسي: ستراسبورغ يعمق جراح ليل بفوزٍ كاسح
aawsat
25 minutes ago
هجوم مسلح يستهدف مديرية أمن ديار بكر التركية
alaraby ALjadeed
33 minutes ago