تداعيات رجلٍ لا يتقن الفرح
Arab
2 weeks ago
share
أسأل نفسي دائماً من دون أن أصل إلى جوابٍ مقنع: ما الذي يدفعني إلى اجترار ذكرياتي الحزينة؟ أيُّ متعةٍ غامضةٍ تبثّها استعادة مشاعر الأسى بعد مرور تلك السنين كلّها؟ هل أنا رجلٌ متشائم حقاً؟ هكذا يصفني كثيرون من معارفي؛ يقول بعضهم إنني "مدمن نكد"، و"ملك الدراما"، ومَيّال إلى المبالغة في ردّات فعلي، لا أتقن استثمار اللحظة الراهنة، وأجهل ماهيّة الإحساس بالسعادة التي قد تأتي من أبسط الأشياء. غير أنهم لا يعرفون أنني لم أكن هكذا طوال حياتي؛ أقصد حين كنت شاباً في مقتبل العمر، مليئاً بالحماسة والاندفاع والأمل والثقة المفرطة. لم أتخيّل يوماً أن تلك الطاقة التي حفّزتني طويلاً ستتلاشى مع مرور الأيام، وأن نسختي الأولى ستختفي إلى الأبد، لتحلّ مكانها هذه النسخة المرتبكة المهزوزة لرجلٍ بائس في منتصف العمر؛ اكتشف، مثل نزار قباني في قصيدة "قارئة الفنجان"، أنه بعد رحيل العمر كان يطارد خيط دخان. ومثل محمّد حمزة في أغنية "زاي الهوا" لعبد الحليم حافظ، حين ردّد بلحنٍ مرحٍ راقص لا يتناسب مع حجم فجيعة الحياة: "واتاريني ماسك الهوا بإيديا". ولمستني بعمق كلمات الشاعر الأردني حسام شديفات حين قال: "العمرُ يركلُ/ لستَ تُركل عاما/ يوماً ستصحو/ لستَ أنتَ تماما/ وتظلّ في فخِّ الوجود معلّقا/ لا الموتَ تخشى/ إنما الأياما/ ناءَ شرودُك في الطريقِ/ فهل ترى/ تفاؤلكَ القديمَ إلا ركاما؟/ فلِمَ انغمستَ بكلِّ ما في الأرضِ من حزنٍ ولم تغفلْ/ ولم تتعامى؟" أحببتُ قصيدة الشاب العشريني المثقلة بقلق الوجود، فكّرتُ في أن أهاتفه كي أقول له: يا بني، لا تستعجل... ما زال الوقت مبكّراً على الحيرة، وكي أشكره على هذه الجزالة والقدرة على الغوص في الحزن واستثماره جمالياً. لكنني تردّدت؛ فقد توقّفت منذ زمن عن تصرفاتي العفوية، والتردّد كما فهمت من أول علامات الاكتئاب. طيب، سأعترف: إنني مكتئبٌ جداً. لن أخوض في الأسباب، لا وقت لها الآن. رغبتُ أن أقرأ القصيدة لأصدقائي في المقهى. رافقتهم بعد إلحاح كبير، يعرفون أنني أمقت لعب الورق، ولا أطيق رائحة الأرجيلة، ويزعجني صراخهم لأسباب تافهة. لكنني تحاملت على نفسي وذهبت. غير أنهم سرعان ما نسوا وجودي تماماً، كانوا منغمسين في لعبة "الهند"، وقد احتدّ النزاع بينهم بعد تبادل الاتهامات بالغش. استغلّيت فترة الاستراحة وأسمعتهم القصيدة. تبادلوا نظرات متواطئة، وقال أحدهم ضاحكاً: "فعلاً إنك مملّ، وبتحبّ النكد زي عيونك. اقتراحاتك الترفيهية البائسة ما بتتعدّى رواية سوداوية، أو فيلم رعب، أو قصيدة حزينة... يا زلمة تعال العب معنا وانسى". دائماً ما ينتقدون انجذابي الفطري للحزن، كما يصفونني. لعلّهم على حق، وبالتأكيد هم أكثر ذكاءً مني، فقد أتقنوا التحايل على أزمة منتصف العمر التي يعبرونها من دون أدنى قلق بقضاء الساعات الطوال في اللعب، يليها عشاء متأخّر في مطعم هاشم، وأطباق كنافة "حبيبة" يتكبدها المغلوب في العادة. لم أتمكن من مجاراتهم، رغم محاولتي. وهكذا توطدت العلاقة بينهم، وصارت لديهم لغة مختلفة ونكات تضحكهم ومواقف تخصّهم، ما جعل وجودي ثقيلاً بينهم. انسحبت بالتدريج، وأيقنت أن الواحد منا يبحث عن أشباهه، وأن ما يجمع الناس هو الاهتمامات المشتركة. لذتُ بالصمت غير البليغ، وانغمستُ في وحدتي أكثر، متكئاً على موسيقاي وكتبي وأفلامي. فاستيقظت ذاكرتي بأرشيفها اللعين، وأخذت تتلذّذ بتعذيبي؛ فتنتقي أكثر لحظات حياتي بؤساً لتعيدها عليّ مراراً. وإذا حدث (بمعجزة ما) أن تغلّبت عليها، فإنها تقفز إلى أحلامي وتلهو بجملتي العصبية، غير أني لا أكفُّ عن المقاومة وصرف الذهن وادّعاء الفرح، حتى أتمكن منها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows