في وداع رفيق الدرب عبدالفتاح جمال - زيد الشامي
Party
1 day ago
share

 

      تسليمـًا بقضاء الله وقدره، وببالغ الأسى، وشديد الألم، وبقلب مكلوم، ونفس حزينة وعين دامعة، تلقيت النبأ الفاجع بوفاة أخي الحبيب، وزميلي العزيز، وصديقي الوفي ورفيق دربي الأستاذ عبدالفتاح جمال محمد داود، ذلك الرجل العظيم الذي يندر أن يأتي الزمان بمثله: علما وأدبا وشجاعة وثباتا وشموخًا، وزهدًا وتجردًا، وكرمًا ونُبلًا وشهامة وإباءًا.

     عرفته منذ كنا طلابا في الصف الثالث الثانوي بمدرسة الثورة الثانوية بتعز عام 1971م، وتوثقت علاقتي به عندما أدَّينا خدمة التدريس الإلزامية في مدرسة السلام بمدينة خمر عام 1973/72م، وجمعتني به قاعات الدراسة والأنشطة الثقافية بجامعة صنعاء، ثم معمعة الحياة العملية: الإدارية والتعليمية والتربوية والأدبية، وتشاركنا في المعترك الدعوي والسياسي، فكان نعم الرجل الذي لا تغريه المناصب، ولا تخيفه المكائد، ولا يرّفُ له جفن لتهديد أو وعيد، ولا يسيل لعابه لوعد أو ترغيب.. ولا أزكي على الله أحدًا.

    كان رحمه الله أديبا وشاعرًا صادقًا، يسبر أغوار

 

الأحداث، ويصيغ بحروفه منهاجًا للخروج من حالة الإحباط واليأس، ويفتح أبوابًا للأمل، وكان مربيًا فاضلًا مخلصا ومجتهدًا دؤوبًا لا تزيده التحديات إلا إصرارًا على النجاح، تولى مواقع قيادية في الدولة فكان كفوءًا شجاعًا مقداما، تراه متفانيًا في أداء واجبه، وخدمة وطنه وشعبه، حريصًا على استقامة طلابه وتفوقهم، دؤوبًا في متابعة مرؤوسيه لأداء واجباتهم، وإنصافهم في حقوقهم، لا يساوم في مبادئ الدين، ولا يفرط في القيم والأخلاق، ولا يطأطئ رأسه لكبير ولا صغير، ولا يخشى إلا لله وحده، يُمضي ما يؤمن به، ولا يبالي بكيد المتربصين ولا حقد أصحاب الضغائن، قوي الشكيمة، صلب المراس، حسن النية، تصدّق أفعالُـه أقوالَـه، صريح لا يجامل ولا يداهن، وما أزال أتذكر اللوحة التي كانت معلقة على جدار مكتبه (الصراحة بخشونتها، خير من اللؤم بنعومته).

   كان الأستاذ عبدالفتاح جمال في مكتب التربية بتعز وفي قطاع التوجيه بديوان الوزارة علمًا للإدراي المقتدر، والتربوي المخلص، وصاحب الحسّ المرهف، موجود في المكتب، وحاضر في المدرسة، وزائر للمديرية القريبة والبعيدة، ومحاضر في الدورة التدريبية، والشخصية البارزة في الاحتفالات، وصاحب الرأي السديد في الندوات والورش والمؤتمرات، والشاعر الحكيم على منصات مهرجانات الشعر والأدب، وكانت قضية فلسطين لا تفارق تفكيره، ولا ينساها على كل أحواله.

   إن تلك القدرات (والكاريزما) التي كان يتمتع بها سببت له الكثير من المتاعب، فتآمر عليه الأقزام، وكاد له ضعاف النفوس، وحسده من يكرهون النجاح ويعادون الإبداع، وفي ذاكرتي قصص حزين عن كل ذلك ليس هنا مجاله، لكن ما يريح النفس ويشرح الصدر، ان الله رفع مقامه، وأعلى مكانته، وقال فيه المواطنون كلمتهم ليصبح رئيسًا للمجلس المحلي في تعز، وأنصفته الدولة فصار وكيلًا لوزارة التربية، وتلك مواقع ارتقت بوجوده، وتطورت بأدائه، وشرفت بإدارته.

   ماذا أتذكر اليوم من حياة أخي عبدالفتاح؟ الذي كان يعطي ولا ينتظر الجزاء، ويبذل ويضحي ولا ينتظر من أحد ثناء، وقد ترك أثرًا كبيرا وعظيما في كل محطة من محطات حياته وأعماله، وظل جنديًا مخلصًا ينافح عن الإسلام والقيم والمبادئ، ويقف في وجه أفكار التغريب، ويقول كلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم.

 

       لقد عانى الأستاذ عبدالفتاح طويلًا من المرض، الذي تحمل وطأته، من دون شكوى ولا تبرم أو تضجر، فكان حامدًا شاكرًا راضيًا، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك زيادةً في أجره، وغفرانًا لذنوبه، ورفعًا لدرجاته، وكان من فضل الله عليه أن أقر عينه بأهله وأولاده، فكانوا كرامًا

 

بررة، لم يتركوا أباهم في مرضه وضعفه، ولم يقصروا في حقه في اليمن وخارجه، وظلوا بجواره حتى جاءه الأجل المحتوم، أسأل الله أن يكتب أجورهم، ويرفع قدرهم، ويكرمهم كما أكرموا أباهم، وإن لكل أجل كتاب، وكل نفس ذائقة الموت، تلك سنة الله في خلقه، فله الحمد على ما رضي وقدر.

     أسأل الله أن  يرحمه رحمة واسعة وأن يغفر الله له مغفرة جامعة، وأن يسكنه جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

 اللهم اجمعنا به في مستقر رحمتك ودار كرامتك، وألحقنا به من الصالحين.

●○●

 

من الملحمةالرائعة للأستاذ عبدالفتاح جمال:( الغريب وأدعياء الحضارة)

يا رفيقي: إن في الليل ذئابـًا وسمومـًا

 إن في الليل خفافيشَ وحَـيَّـاةٍ وبُـومًا

 كلها لا تعشق الأنوارَ.. بل تخشى الصباحا

 وترى في وحشة الأدغال أُنسـًا وانشراحا

وترى الفجر عدوًا يُشهٍـرُ الضوءَ سلاحـًا

غير أنَّا كلما أوغلت الظلماء ونال الليل منا

زاد فينا الشوقُ للفجر اجتياحا

 

واستجاشت في حنايانا أناشيدُ قوية

وسرى في دمنا العزمُ وعفنا كل أشكال الدنية

 

 يا رفيقي، إن تظنْ أنَّ سبيلًا غير شرع الله يهدي البشرية

إننا دربان، لن يلتقيا يوما طَـوال الأبدية

 أنت ظمآنُ لأوهام سراب

وأنا أرنو إلى عين نقية

 فليسموك إذا شئت سليلًا لأب من غير جنس البشرية

 أو يسموك لقيطـًا ضائعًا صدفةً ألقيت في ظهر البرية

 وليسموني مثاليـًا غريرًا

 أو يسموني طريدَ المدنية

 أنا رجعي إلى الإسلام دربي،

 فتقدم أنت نحو الجاهلية!!

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows