
في سياق المسلّمات وإلقاء الكلام على عواهنه، كان كثيرون بيننا يعقدون مقارنات بين الدول المتحضّرة (العالم الأول)، والدول المتخلّفة (العالم الثالث). كانت أميركا ودول أوروبا الغربية، حسب هذا النهج التفكيري، دولاً متحضّرةً تسليماً وقبولاً. أُسُس ذلك كثيرة، أهمها أنها تحتكم إلى قيم ودساتير وقوانين وأنظمة ومنهج فصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي تمنع أيّاً من فروع السلطة من التغوّل على الأخريين، ضمن إطار صارم من الضوابط والتوازنات. في هذا بعض الصحّة، لكن الخطأ كان (ولا يزال) في المبالغة في تقدير صلابة الديمقراطية والعدالة في بلاد الغرب. وفي الحقيقة، تعرّضت الديمقراطية الغربية لاختبارات عديدة، قديماً وراهناً، أخفقت في كثير منها، مثل العنصرية وكراهية الأجانب والتمييز ضدّهم. دع عنك، طبعاً، سياسات دولها الخارجية الإمبريالية ومعاييرها المزدوجة. واليوم، تتعرّى مزاعم الديمقراطية في "منارة" الحرّية والأمل والديمقراطية في العالم، الولايات المتحدة.
ما تفعله إدارة ترامب استكمال لما بدأته إدارة بايدن من ترهيب واعتداء على الطلاب المناصرين للحقوق الفلسطينية ومحاولة السيطرة على الجامعات الأميركية
فيديو كاميرا المراقبة الذي وثََّق (الثلاثاء الماضي) اعتقال طالبة الدكتوراه روميسا أوزتورك في بلدة سومرفيل في ولاية ماساتشوستس كان صادماً وفاضحاً. وهي مواطنة تركية تبلغ 30 عاماً تدرس في جامعة تافتس العريقة، وتقيم بتأشيرة طالب قانونية، وجدت نفسها، وهي في طريقها إلى تناول طعام إفطار رمضان مع أصدقاء لها، محاصرةً من ستّة عناصر في دائرة الهجرة والجمارك الأميركية يرتدون ملابس مدنية. لم يقدّم هؤلاء (كما يفترض القانون) أيَّ مستنداتٍ تُعرّف بهُويَّتهم، إلا بعدما قيّدوا يديها واقتادوها إلى سيارة مدنية من دون إشاراتٍ تثبت أنها سيارة حكومية. أيضاً، لم يبرز رجال الأمن إذناً قضائياً يخوّلهم اعتقال شابّة غير متهمة بأيّ جناية. كل ما في الأمر أن أحد عناصر الهجرة خاطبها قائلاً إن التأشيرة "امتياز وليست حقاً"، وإن "تمجيد ودعم الإرهابيين الذين يقتلون الأميركيين يُعدّان أساساً لإلغاء التأشيرة". لقد كان اعتقال أوزتورك أقرب إلى اختطاف منه إلى اعتقال قانوني. اختطاف يليق بالعصابات لا بأجهزة إنفاذ قانون، خصوصاً أن محاميتها (إلى حين كتابة هذه السطور) لا تزال لا تعرف مكان اعتقالها. ومع أن القانون يخوّل القضاء حقّ فحص أيّ اتهامات حكومية ضدّ أيٍّ كان، فإن إدارة دونالد ترامب لا تعترف بسلطة قضائية على تصرفاتها وأفعالها، ليس في مسائل استهداف النشطاء المناصرين للحقوق الفلسطينية فقط، بل كذلك في مسائل أخرى كثيرة، بما في ذلك محاولتها السطو على كيفية تنظيم الانتخابات الفيدرالية في البلاد.
"جريمة" أوزتورك الأساسية أنها تجرّأت في مارس / آذار 2024 على كتابة مقال في صحيفة جامعتها دعت فيه الجامعة إلى سحب استثماراتها من الشركات الإسرائيلية، "والاعتراف بالإبادة الجماعية بحقّ الفلسطينيين". وكان لافتاً ما كشفه تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز عن أن موقع كاناري ميشين (الصهيوني) المتخصّص في تشويه الطلاب والنشطاء لفلسطين في الولايات المتحدة واستهدافهم، شنَّ حملةَ تحريض واسعة عليها قبل أسابيع قليلة، وهو ما جعلها هدفاً لعملية القمع الحكومية. التعاون بين المنظّمات الصهيونية الأميركية الغامضة المرتبطة بإسرائيل ووكالات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة أمر خطير ومثير للقلق، وقد يكون مؤشّراً على أن الوكالات الحكومية الأميركية قد تكون في موقع تلقّي توجيهات من جماعات مرتبطة بحكومات أجنبية، وتحديداً إسرائيل هنا. قد يظنّ بعضهم أن هذا أمر مُستجِدّ تحت إدارة ترامب، الذي أعلن مرشّحاً ورئيساً نيّته استهداف الطلاب المناصرين للقضية الفلسطينية، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فهذه المنظّمات تتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون وتمارس تأثيراً غير مفهوم عليها، بغضّ النظر عن الإدارة أكانت جمهورية أم ديمقراطية، وهي كانت تملك تأثيراً كبيراً تحت إدارتي باراك أوباما وجو بايدن.
لا يستبعد أن يقوّض ترامب أميركا نفسها التي يدّعي أنه يسعى إلى حمايتها
ليس اعتقال أوزتورك حالة منفردة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من عمليات اختطاف قامت بها دائرة الهجرة والجمارك الأميركية بحقّ طلابٍ في جميع أنحاء الولايات المتحدة. كانت البداية مع خريج جامعة كولومبيا محمود خليل، والطالبة فيها لقاء كردية، وكلاهما فلسطينيان. لم يشفع لخليل أنه يتمتّع بالإقامة الدائمة (الكرت الأخضر)، وهو حالياً يواجه من معتقله خطر الترحيل. الأمر نفسه تواجهه الطالبة من أصول كورية في جامعة كولومبيا يونسو تشونغ. أيضاً، اعتقلت السلطات الباحث من أصول هندية في جامعة جورج تاون بدر خان سوري. ولا يزال عناصر الهجرة والجمارك يبحثون عن طلابٍ آخرين ويطالبونهم بتسليم أنفسهم، في حين اختار آخرون منهم أن يقوموا بعمليات "إبعاد طوعي" لتفادي مرارات وإهانات السجن.
ما تفعله إدارة ترامب استكمال لما بدأته إدارة بايدن من ترهيب واعتداء على الطلاب المناصرين للحقوق الفلسطينية ومحاولة السيطرة على الجامعات الأميركية وتبديد الإنجازات التي حقّقتها عقوداً طويلة، وضمنت لها سقوفاً عالية من الحرّيات الأكاديمية. غير أن إدارة ترامب تذهب أبعد بكثير من إدارة بايدن، عبر تعدّيها الفجِّ والصريح على الحقوق الدستورية والحرّيات المدنية، ليس لطلبةٍ يحملون إقامات وتأشيرات قانونية فقط، بل كذلك ضدّ مواطنين أميركيين. تحت إدارة ترامب لم يعد هناك "قيم مقدّسة" أولاها حرّية التعبير، وحرّية التجمع والتظاهر السلمي، وحقّ المعارضة، وحقّ الضغط على الحكومة وممثليها لتغيير سياسات خاطئة وتبنّي أخرى سليمة. يتحرّك ترامب كثورٍ هائجٍ في محلّ خزفٍ يحطّم كلّ شيء حوله، وهو لا يعترف بدستور، ولا قانون ولا قضاء، ولا يستبعد أن يقوّض أميركا نفسها التي يدّعي أنه يسعى إلى حمايتها. هو يتصرّف زعيمَ عصابةٍ لا رئيس دولة، ولا يبدو أن أحداً قادر على ضبطه ولجمه. ولا يُستبعَد أن يأتي اليوم الذي يعضُّ فيه من يدعمون دكتاتوريته وبلطجته أصابعهم ندماً، فمن يسمّن كلبه قد ينتهي به الأمر وجبةً له.

Related News

