الرشـــــــــــــــــــــــاد بـــــــــــــــرس | تقــــــــاريـــــــــــــــر
بعد أكثر من عقد على اندلاع واحدة من أعقد الأزمات السياسية في اليمن ، يبرز حزب اتحاد الرشاد اليمني كأحد الأحزاب القليلة التي حافظت على وضوح موقفها السياسي وثبات بوصلتها الوطنية، في مشهد اتسم بتبدل التحالفات وتسارع الانقسامات. ويعيد مراقبون قراءة تجربة الحزب بوصفها نموذجًا لتيار سياسي اختار الانحياز إلى الدولة ومؤسساتها، لا إلى موازين القوة المتغيرة.
استشراف مبكر للأزمة
منذ مشاركته في مؤتمر الحوار الوطني الشامل (2013–2014)، تبنّى حزب الرشاد خطابًا قائمًا على معالجة جذور الأزمة اليمنية، محذرًا من مخاطر القفز على القضايا البنيوية المرتبطة ببناء الدولة، والعدالة، والشراكة السياسية. وفي الوقت الذي ركزت فيه أطراف سياسية على ترتيبات تقاسم السلطة، شدد الحزب على ضرورة بناء عقد اجتماعي قائم على التوافق لا الإكراه.
ويرى متابعون أن هذه المقاربة فسّرت لاحقًا موقف الحزب من التطورات التي أعقبت سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء في سبتمبر 2014، إذ عبّر الرشاد عن رفضه لأي مسار سياسي يتم فرضه بقوة السلاح.
رفض الانقلاب والتمسك بالشرعية
في 7 فبراير 2015، أعلن حزب الرشاد رفضه لما عُرف بـ”الإعلان الدستوري” الصادر عن جماعة الحوثي، واعتبره تعطيلًا للمسار الانتقالي وانقلابًا على الشرعية الدستورية ومؤسسات الدولة. ودعا الحزب آنذاك إلى العودة للحوار السياسي بعيدًا عن منطق القوة، مؤكدًا أن أي تسوية تُفرض تحت الضغط العسكري تفتقر إلى مقومات الاستدامة.
ومنذ ذلك الحين، حافظ الحزب على موقف ثابت يعتبر أن الأزمة اليمنية لا يمكن حلها إلا عبر استعادة الدولة وبناء مؤسسات وطنية جامعة، بعيدًا عن المشاريع المسلحة أو الأمر الواقع.
القضية الجنوبية: مقاربة حقوقية شاملة
تميّز طرح حزب الرشاد تجاه القضية الجنوبية بمقاربة تجمع بين الاعتراف بالمظالم التاريخية التي تعرض لها الجنوب، وبين التأكيد على أن العدالة والشراكة هما الأساس لأي صيغة سياسية مستقرة تحت مظلة الوحدة . ودعا الحزب إلى دسترة الحقوق وضمان توزيع عادل للسلطة والثروة، معتبرًا أن الوحدة لا يمكن أن تُحمى إلا بالإنصاف.
ويرى محللون أن هذا الخطاب أسهم في تقديم الحزب كطرف قادر على التواصل مع مختلف المكونات السياسية، في مرحلة اتسمت بحدة الاستقطاب والانقسام.
سنوات الحرب: خطاب الدولة في مواجهة السلاح
خلال سنوات الحرب الممتدة منذ 2015، واصل حزب الرشاد التأكيد على رفضه للمشروع الانقلابي، ودعا إلى حماية العمل السياسي ورفض الاعتقالات والانتهاكات بحق الأحزاب والنشطاء. وفي بياناته الدورية، شدد الحزب على أن الحل السياسي المستدام يبدأ من إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، وبناء نظام سياسي قائم على الشراكة واحترام التعددية.
وتشير تقارير سياسية إلى أن الحزب وقياداته تعرضوا لضغوط ومضايقات في مناطق سيطرة الحوثيين، في سياق التضييق على العمل الحزبي والسياسي.
مع الشرعية اليمنية
وقف حزب الرشاد إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا باعتبارها الإطار الدستوري للدولة، مؤكدًا أن دعمه موجّه لمبدأ الشرعية والمؤسسات، لا للأفراد أو الاصطفافات الضيقة. وشارك الحزب في جهود سياسية تهدف إلى إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة الدولة اليمنية وسيادتها.
قيادة بخطاب توافقي
يقود الحزب الدكتور محمد موسى العامري، الذي يُنظر إليه في الأوساط السياسية اليمنية كأحد الأصوات الداعية إلى التوافق الوطني وسيادة القرار اليمني. ويؤكد العامري في خطاباته على أهمية تحييد اليمن عن الصراعات الإقليمية، وبناء دولة تستوعب التعدد السياسي والاجتماعي، وتحمي حقوق مواطنيها على قدم المساواة.
رؤية للمستقبل
تقوم رؤية حزب الرشاد على مفهوم “الدولة الضامنة”، التي ترفض الإقصاء وتؤمن بأن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر الشراكة الوطنية والاحتكام إلى القانون. ويرى مراقبون أن هذه الرؤية، التي جمعت بين الدفاع عن الدولة ومعالجة المظالم، تشكل أحد الأطر الممكنة لأي تسوية سياسية طويلة الأمد في اليمن.
خلاصة
في مشهد سياسي يمني شديد التعقيد، يقدّم حزب اتحاد الرشاد نفسه كقوة سياسية حافظت على ثبات الموقف والالتزام بخيار الدولة، منذ ما قبل اندلاع الحرب وحتى اليوم. ومع استمرار الجهود الإقليمية والدولية للبحث عن تسوية شاملة، تعود تجربة الحزب إلى الواجهة بوصفها مثالًا على خطاب سياسي راهن على المؤسسات والشراكة، في زمن غلبت فيه منطق القوة على منطق الدولة.