تجاوزت ممارسات مليشيا الحوثي في صنعاء تجاه القطاع الخاص حدود الإتاوات المالية التقليدية، لتنتقل إلى مرحلة التعطيل الشامل للمنشآت الصناعية الكبرى، في تحول يعكس تصعيدًا خطيرًا في طريقة إدارة الاقتصاد، إذ لم يعد يقتصر على تحصيل الموارد، بل بات يستهدف شلّ مفاصل الإنتاج والسيطرة عليها، دون اعتبار لانعكاساته الواسعة على الأمن الغذائي وسوق العمل.
وتجسد أزمة مجموعة "إخوان ثابت" هذا المسار بوضوح بعد أن أدى حصار إداري وأمني إلى إغلاق مصانعها وتوقف خطوط إنتاجها كليًا، في واقعة لا تُقرأ بمعزل عن سياق أوسع من الضغوط التي تطال التجار ورجال الأعمال في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.
وفي هذا الصدد، يرى مستشار وزير التجارة والصناعة، محمد الجماعي، أن مليشيا الحوثي تمضي منذ انقلابها قبل أكثر من عشرة أعوام وفق سياسة اقتصادية ممنهجة، تقوم إلى جانب التجويع والإفقار، على استراتيجية "الإحلال والإبدال" عبر بناء طبقة جديدة من رؤوس الأموال الموالية، سعيًا لوضع اليد على مستقبل البلاد الاقتصادي في حال فشل مشروعها العسكري.
ويضيف الجماعي في تصريح لـ"الصحوة نت"،أن شركات ومصانع "إخوان ثابت"، بوصفها أحد أقدم وأهم البيوت التجارية التقليدية التي أسهمت لعقود في بناء الاقتصاد الوطني، أصبحت هدفًا مباشرًا لهذه السياسة، إذ لا يتصور الكيان المالي للجماعة وجود مجموعة تجارية مستقلة بهذا الحجم، وهو ما يعني عمليًا دفع عشرات الآلاف من العمال وأسرهم والطبقة الوسطى نحو رصيف البطالة والاحتياج.
وتكشف المعطيات الميدانية أن الإغلاق بلغ ذروته في سبتمبر 2025، عقب منع دخول المواد الخام اللازمة للتشغيل، نتيجة قرارات صادرة عن ما يسمى بـ"اللجنة الاقتصادية" برئاسة هاشم إسماعيل المؤيد (المكنى أبو أحمد الهلالي) وبمشاركة خالد خليل مسؤول وحدة الاستخبارات في اللجنة.
وقد جرى توظيف ملفات لوجستية، بينها ملف الوكالات الملاحية وتحويل مسار الحاويات من ميناء الحديدة إلى ميناء عدن عقب الغارات الجوية، كذرائع لفرض قيود قسرية وتجميد نشاط المجموعة التي ارتبطت بوجدان اليمنيين منذ سبعينيات القرن الماضي عبر منتجات "يماني".
وفي السياق ذاته طالب محامي مصانع مجموعة إخوان ثابت بسرعة معالجة ملف البضائع والمواد الخام المحتجزة، مؤكدًا أن كميات من المواد الأولية لا تزال محتجزة في جمرك عفار وجمرك ميناء الحديدة دون أي مسوغ قانوني. وأوضح أن استمرار احتجاز هذه المواد أدى عمليًا إلى توقف الإنتاج، وهدد الاستقرار الوظيفي لأكثر من عشرة آلاف موظف يمني يعملون في مصانع المجموعة.
وأشار المحامي إلى أن الشركة ملتزمة التزامًا كاملًا بسداد الإقرارات الضريبية ودفع التأمينات الاجتماعية الخاصة بالموظفين بصورة منتظمة، نافيًا وجود أي مخالفات قانونية تبرر هذه الإجراءات، ومؤكدًا أن استمرار التعطيل يضاعف الخسائر الاقتصادية والإنسانية المترتبة على الإغلاق.
وعلى المستوى الاجتماعي، يتجاوز أثر هذا التعسف حدود السجلات التجارية ليصل إلى واقع معيشي بالغ القسوة، إذ أدى توقف المصانع إلى قطع سبل العيش عن عشرة آلاف عامل، بما يعنيه ذلك من دفع عشرة آلاف أسرة يمنية بشكل مباشر نحو دائرة العوز والفقر.
وفي شهادة من داخل القطاع الخاص، قال رجل أعمال في صنعاء فضّل عدم ذكر اسمه للصحوة نت :إن القطاع الخاص يعيش حالة انهيار مستمر منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة، موضحًا أن الجماعة بدأت منذ وقت مبكر بفرض جبايات وإتاوات وضرائب وزكوات وتبرعات قسرية، تحت مسميات ومناسبات متزايدة، استهدفت بها التجار ورجال الأعمال.
وأضاف أن هذه السياسات تأتي ضمن مسعى واضح لإحلال شبكة تجارية موالية للجماعة، دون أي اكتراث لعواقب ذلك على الاقتصاد الوطني أو لتأثيره المباشر على المستوى المعيشي للمواطنين، وهو ما دفع برؤوس الأموال الوطنية والمستثمرين إلى الهجرة، وأسهم في ارتفاع متسارع في نسب البطالة وتسريح العمال والموظفين.
وأشار إلى أن ما يحدث مع مصانع "إخوان ثابت" يمثل نموذجًا صارخًا لهذه السياسة، حيث لم يقتصر الضرر على المصانع والعاملين فيها، بل امتد إلى المزارعين ومنتجي الألبان والوسطاء المسوقين، ما يعني عمليًا إضافة ما لا يقل عن عشرة آلاف عامل جديد إلى صفوف البطالة، بكل ما يحمله ذلك من تبعات اقتصادية واجتماعية ونفسية.
وأكد رجل الأعمال أن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى مزيد من تدني مستوى المعيشة، وتقليص الإنتاج المحلي، وتعميق الاعتماد على الاستيراد بالعملة الصعبة المستنزفة، الأمر الذي يوسع الفجوة التمويلية للسلع والخدمات الأساسية. وحذر بالقول: "نحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما إما الفناء الاقتصادي أو الرحيل بما تبقى من رؤوس أموالنا حتى لا نفقد كل شيء".
ويرى خبراء اقتصاديون و حقوقيون أن تحويل هذا العدد الكبير من الكوادر المنتجة إلى عاطلين عن العمل يمثل ضربة قاسية للاستقرار الاجتماعي، في ظل وضع اقتصادي في صنعاء يمر بـ"رمقه الأخير" نتيجة سلسلة الجبايات ومسميات النهب التي تتستر بالقانون، بينما تفرغ الاقتصاد من مضمونه الإنتاجي.
وبناءً على ذلك، أطلق ناشطون حقوقيون واقتصاديون تحذيراتهم، مؤكدين أن الصمت عن خنق المصانع الوطنية وتشريد آلاف الأسر يمثل جريمة اقتصادية تتجاوز آثارها حدود المواجهات العسكرية، وتهدد مستقبل السلم الاجتماعي، مطالبين المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بالتدخل العاجل لوقف هذه السياسات وإنقاذ مصادر عيش آلاف الأسر اليمنية.