الشرعية أولاً: السياسة بين الواقع والقانون
Party
1 week ago
share

بقلم / مازن حكمي
يخطئ من يختزل السياسة في كونها مجرد «فن الممكن» على الأرض، فالممارسة السياسية، مهما بلغت من واقعية وبراغماتية، تظل محتاجة إلى إطار قانوني يمنحها الاستمرارية والشرعية. فالوقائع الميدانية، إن لم تُسند بقواعد قانونية معترف بها، تبقى عرضة للتآكل أمام ميزان الشرعية الدولية، التي لا تعترف إلا بما يستند إلى أصول واضحة ومتوافق عليها.
مع مطلع يناير/كانون الثاني 2026، وجد اليمن نفسه أمام محطة جديدة في مسار أزمته المعقدة، عقب إعلان عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي تدشين ما أسماه «المرحلة الانتقالية الثانية» في جنوب البلاد. ورغم ما يوحي به الإعلان من طابع مؤسسي وتنظيمي، فإنه يثير في جوهره جملة من التساؤلات القانونية والسيادية، تتجاوز الإطار المحلي لتلامس محددات النظام الدولي ذاته.
الشرعية الدولية… الإطار الحاكم للسيادة
في أساسيات القانون الدولي المعاصر، لا تُنشأ الدول عبر البيانات الأحادية، ولا تُكتسب السيادة بمجرد السيطرة الفعلية على الأرض. فالنظام الدولي، كما أرسته مواثيق الأمم المتحدة، يقوم على مبدأ راسخ يتمثل في احترام وحدة أراضي الدول الأعضاء وعدم المساس بها خارج الأطر القانونية المتوافق عليها.
وبرغم ما شهده اليمن من تصدعات سياسية وأمنية خلال السنوات الماضية، فإنه لا يزال يُعامل دولياً بوصفه كياناً قانونياً واحداً، تمثله سلطة معترف بها دولياً، “الحكومة الشرعية”وتحظى بمقعدها في المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة. ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل الجوهري حول الأثر القانوني لأي إعلان أحادي يتعلق بمستقبل جزء من الدولة.
من منظور الفقه القانوني الدولي، تظل مثل هذه الإعلانات شأناً سياسياً داخلياً، لا يترتب عليه أي تغيير في المركز القانوني للدولة، ما لم يحظَ باعتراف دولي واسع وصريح. وهو شرط لم تتوافر له، حتى اللحظة، أي من مقومات التحقق، الأمر الذي يجعل الإعلان محدود التأثير خارج سياقه السياسي الداخلي.
الالتزامات التعاقدية ومفهوم الشراكة
إلى جانب البعد الدولي، يواجه الإعلان تحدياً قانونياً داخلياً لا يقل أهمية. فعضوية مجلس القيادة الرئاسي تستند في مشروعيتها إلى مرجعيات سياسية وقانونية واضحة، في مقدمتها «إعلان نقل السلطة» الصادر في أبريل/نيسان 2022، وما سبقه من تفاهمات واتفاقات، أبرزها اتفاق الرياض.
هذه المرجعيات شكّلت أساس الشراكة السياسية، وحددت إطار العمل المشترك داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم، فإن أي مسار أحادي يتجاوز هذه الأسس يثير إشكاليات تتعلق بطبيعة الالتزامات المترتبة على أطراف الشراكة، وحدود العمل السياسي ضمن منظومة الحكم المعترف بها.
كما أن الواقع السياسي في جنوب اليمن يتسم بتعدد المكونات وتنوعها، وهو ما يجعل الادعاء بتمثيل كامل الإرادة الجنوبية مسألة إجرائية معقدة، تتطلب توافقاً سياسياً واسعاً وآليات تفويض واضحة، لا يمكن اختزالها في طرف واحد مهما بلغ حضوره السياسي أو الميداني.
حق تقرير المصير… قراءة قانونية متأنية
يرتكز الخطاب السياسي المصاحب لإعلان «المرحلة الانتقالية» على مبدأ «حق تقرير المصير»، وهو مبدأ أصيل كفله ميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية اللاحقة. غير أن هذا الحق، في تطبيقاته القانونية، لا يُفهم بمعزل عن سياقه وشروطه.
فالقانون الدولي يمنح الأولوية لما يُعرف بـ«تقرير المصير الداخلي»، أي ضمان المشاركة السياسية العادلة والمتكافئة ضمن إطار الدولة الواحدة. ولا يُفتح الباب أمام خيار الانفصال إلا في حالات استثنائية ومحددة، تتعلق بوجود حرمان ممنهج ومثبت من الحقوق الأساسية، وهو توصيف لم تتبنّه أي جهة دولية رسمية في الحالة اليمنية حتى الآن.
وعليه، فإن الاستناد إلى هذا المبدأ لتبرير مسارات أحادية يظل محل نقاش قانوني واسع، ولا يشكّل بحد ذاته سنداً كافياً لإحداث تغيير في الوضع القانوني للدولة أمام المحافل الدولية.
السياسة في مواجهة التسوية الشاملة
في المحصلة، يمكن النظر إلى إعلان «المرحلة الانتقالية» بوصفه ورقة سياسية تهدف إلى تعزيز الموقع التفاوضي في مرحلة تتسم بحساسية عالية، مع اقتراب الحديث عن تسويات شاملة للأزمة اليمنية. غير أن فعالية مثل هذه الأوراق تبقى مرهونة بقدرتها على الانسجام مع الإطار القانوني الوطني والدولي، وعدم إحداث تشققات إضافية في بنية الشرعية القائمة.
إن أي تحول حقيقي ومستدام في الجغرافيا السياسية لليمن، من منظور القانون الدولي، لا يمكن أن يتحقق عبر خطوات أحادية، بل عبر مسار قانوني وسياسي واضح، يقوم على التوافق الوطني، ويحظى برعاية إقليمية ودولية، ويُتوَّج باعتراف أممي صريح.
وما دون ذلك، تظل التحركات السياسية محكومة بسقف الواقع القانوني الدولي، الذي لا يعترف إلا بما يُبنى على الشرعية والتوافق، ويُصاغ بلغة القانون قبل أن يُفرض بلغة السياسة.

http://الشرعية أولاً: السياسة بين الواقع والقانون

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows