Party
بسبب الحصار الحوثي المستمر على مدينة تعز، تواجه المنظومة الصحية أزمة متفاقمة، مع اقتراب أغلب المستشفيات الرئيسية من التوقف عن تقديم خدماتها، جراء الشح الحاد في مادتي الديزل والبترول، الأمر الذي يضاعف معاناة المواطنين ويضع حياة آلاف المرضى أمام خطر حقيقي.
وأطلق مكتب الصحة العامة والسكان، وهيئة مستشفى الثورة العام، والمستشفى اليمني السويدي للأمومة والطفولة، تحذيرات متتالية من تداعيات نفاد الوقود حصار استمرار الحصار الحوثي، مؤكدين أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى توقف أقسام حيوية، في مقدمتها الغسيل الكلوي والحضانات والعناية المركزة.
خطر الانهيار الوشيك
وقال مكتب الصحة إن القطاع الصحي يواجه خطر الانهيار الوشيك بسبب نفاد الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية، التي تمثل المصدر الوحيد للطاقة في ظل انقطاع التيار الكهربائي الحكومي عن المدينة منذ تسع سنوات.
وأوضح أن المستشفيات الحكومية والخاصة تعتمد بصورة كاملة على مادة الديزل لتشغيل أقسام العناية المركزة والعمليات الجراحية والطوارئ وبنوك الدم والمختبرات والأشعة، محذراً من أن توقف المولدات سيعرض حياة المرضى، خصوصاً الذين يعتمدون على أجهزة التنفس الاصطناعي وأجهزة العناية المركزة، لخطر جسيم.
وأضاف المكتب أن حصار مليشيا الحوثي للمدينة وإغلاق طرق الإمداد الرئيسية، إلى جانب استهداف شاحنات النقل في خطوط التماس، أسهم في تفاقم الأزمة ورفع تكاليف النقل، وأدى إلى شح الوقود في السوق المحلية وارتفاع أسعاره بصورة كبيرة، الأمر الذي جعل المستشفيات عاجزة عن تأمين احتياجاتها.
وفي ظل هذه التحذيرات، تتضاعف معاناة المرضى وذويهم، الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى المستشفيات وتأمين تكاليف العلاج والمواصلات، فضلاً عن الخوف من توقف الخدمات الطبية التي ترتبط بها حياتهم.
ويروي المواطن أسامة الشرعبي، نجل أحد مرضى الفشل الكلوي في مدينة تعز، جانباً من المعاناة التي تعيشها أسرته، قائلاً: "نعيش في خوف وقلق دائم لا ينقطع، كل يوم ونحن في معركة جديدة مع المرض لكنها تضاعفت الأن أكثر بسبب الحصار الحوثي".
ويضيف لـ"الصحوة نت":" والدي مريض فشل كلوي ويحتاج إلى غسيل ثلاث مرات في الأسبوع، حياته كلها متعلقة بهذا الجهاز، وعندما سمعنا تحذير مستشفى الثورة في تعز من توقف خدمات الغسيل بسبب الحصار ونقص الوقود والمستلزمات، انهارت الدنيا أمامنا".
معاناة وتكاليف مضاعفة
وتابع: "معاناتنا اليومية لا توصف، نرى والدنا يتألم أمام أعيننا ولا نستطيع أن نفعل شيئاً، نجري من مكان لآخر لتوفير قيمة المواصلات والأدوية التي ارتفعت أضعاف، نحن أمام كارثة فالطرق مغلقة والأسعار نار".
وعبر خوفه إزاء حياة والده وقال:" نشعر برعب حقيقي، ونخشى سماع خبر توقف جلسات الغسيل، لأننا نعلم أن انقطاعها قد يعرّض حياته للخطر. توقف الغسيل ليس مجرد تأخير للعلاج، بل تهديد مباشر لحياة آلاف المرضى أمثال والدي".
وكانت هيئة مستشفى الثورة العام في تعز قد أطلقت تحذيرا عاجلاً من قرب توقف قسم الغسيل الكلوي بصورة كاملة خلال الساعات المقبلة، بسبب نفاد مادة الديزل.
وأوضحت الهيئة أن القسم يقدم خدماته لأكثر من 300 مريض بالفشل الكلوي بصورة دورية، معظمهم من مديريات المحافظة المختلفة، مشيرة إلى أن توقف جلسات الغسيل سيعرض حياتهم لخطر بالغ نتيجة تراكم السموم في الدم.
وأضافت أن المستشفى اضطر خلال اليومين الماضيين إلى تقليص عدد الجلسات وترشيد استهلاك الوقود، في محاولة لإطالة فترة تشغيل المولدات، غير أن المخزون نفد بالكامل.
من جهته قال المواطن عبد الله الزعزعي، وهو أحد مرضى الفشل الكلوي، إن الأعباء التي يواجهها للوصول إلى مدينة تعز أصبحت شاقة، لافتا أن الرحلة كانت تستغرق نحو ثلاث ساعات عندما كان الطريق مفتوحاً، لكنه اضطر حالياً إلى استئجار سيارة مقابل مبالغ كبيرة لإنقاذ حياته".
وأضاف الزعزعي المنحدر من منطقة الزعازع بمديرية الشمايتين لـ"الصحوةنت"، أن ارتفاع أجور النقل يعود إلى تغير الطرق وانعدام المشتقات النفطية، موضحاً أنه تمكن من الوصول إلى تعز وإجراء جلسة الغسيل، لكنه عاش حالة من الخوف بعد سماعه العاملين في المستشفى يتحدثون عن قرب نفاد مادة الديزل.
وتابع: "أنا الآن غير قادر على العودة إلى القرية بسبب الأسعار الباهظة للأجور، وأعاني من البقاء في المدينة، كما أنني غير قادر على العيش فيها بسبب غلاء المعيشة، وأسكن حالياً وسط دكان في المدينة، وسط مخاوف من توقف الخدمة".
الكارثة ليست مقتصرة على مرضى الفشل الكلوي، فالأطفال الخدج تنتظرهم كارثة محققة، حيث أطلق مدير المستشفى اليمني السويدي للأمومة والطفولة الدكتور سامي الشرعبي، مناشدة عاجلة لإنقاذ الأطفال الموجودين في قسم الحاضنات، محذرا من كارثة إنسانية تهدد حياتهم جراء نقص الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية.
حياة الأطفال في خطر
وقال الشرعبي إن المركز الذي يقدم الرعاية لآلاف الأطفال في المحافظة مهدد بالتوقف، مؤكداً أن عشرات الأطفال الخدج في قسم الحاضنات يواجهون خطرا على حياتهم إذا لم يتم توفير الديزل بصورة عاجلة لتشغيل المولدات الكهربائية المغذية لأجهزة التنفس الاصطناعي والحاضنات.
ويواجه المرضى صعوبات كبيرة في الوصول إلى المستشفيات نتيجة إغلاق الطرق الرئيسية، ما يضاعف معاناتهم ويهدد حياتهم، خصوصا مرضى السرطان الذين يحتاجون إلى جرعات علاجية منتظمة، ومرضى الفشل الكلوي المرتبطين بجلسات غسيل دورية.
وتأتي أزمة الوقود التي تسببت بها المليشيا نتيجة منعها دخوله للمدينة في وقت تشهد فيه المحافظة تزايدا في أعداد الجرحى المدنيين جراء القصف الذي يستهدف الأحياء والمناطق السكنية في الشقب وكحلان ومناطق متفرقة، ما يرفع الضغط على المستشفيات ويزيد احتياجاتها إلى الطاقة والوقود لتشغيل أقسام الطوارئ وإجراء العمليات الجراحية العاجلة.
كما تواجه سيارات الإسعاف خطر التوقف بسبب شح مادة البترول، الأمر الذي قد يعيق نقل الجرحى المدنيين من مناطق القصف إلى المستشفيات، ويؤخر وصول الحالات الطارئة إلى الرعاية الطبية اللازمة، فضلا عن استهدافها المباشر من قبل المليشيا.
وكانت وزارة الصحة قد قالت إن نحو 246,711 شخصًا في تعز فقدوا إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، بينهم 186,415 طفلًا دون الخامسة و22,986 امرأة حاملًا، فيما توقفت خدمات التحصين في 44 مرفقًا، والتغذية في 44 مرفقًا، والصحة الإنجابية في 74 مرفقًا، إضافة إلى توقف 3 من خدمات طوارئ التوليد (50%) و4 من مراكز التغذية العلاجية، وحُرم 9,454 رضيعًا دون العام من التحصين، وتأثرت رعاية 5,057 طفلًا مصابًا بسوء التغذية الحاد الوخيم و27,752 طفلًا بسوء التغذية الحاد المتوسط.
تحذيرات من نفاد المخزون
وأكد تقرير الوزارة أن المخزون الدوائي بلغ مستويات حرجة؛ إذ لا يتجاوز المتوفر من المحروقات 5% ومن الأكسجين 2%، ومن أدوية الطوارئ والمستلزمات الطبية 30%، فيما يبلغ مخزون الوقود المُعلن 20,394 لترًا مقابل احتياج يومي قدره 5,336 لترًا، بما يغطي حسابيًا نحو 3.8 أيام، فيما يبلغ إجمالي الاحتياج الشهري 160,080 لترًا قبل خصم المخزون.
وأوضح أن البيانات تشير إلى تهديد استمرارية الخدمات في 12 مستشفى بسبب نقص الوقود، وعجز يومي يقدر بـ 201 أسطوانة أكسجين، حيث تشمل الاحتياجات 127 صنفًا دوائيًا مطلوبًا، مع 115 صنفًا أساسيًا مهددًا بالنفاد؛ وقد تتداخل القائمتان.
وحذّرت وكالات الأمم المتحدة من أن المرافق الطبية الحيوية في تعز تعاني نقصًا حادًا في الوقود والأكسجين؛ وأن إمدادات القمح والدقيق قد تنفد في أقل من ثلاثة أسابيع؛ وأن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنحو 50%؛ وأن غاز الطهو بات غير متوفر إلى حد كبير.
وطالبت منظمة العفو الدولية، مليشيا الحوثي الإرهابية بفتح طرقات محافظة تعز، بشكل فوري، وتسهيل دخول المساعدات والسلع التجارية إلى المواطنين في المدينة التي تكمل شهرها الأول منذ الحصار الجديد والمطبق على تعز، وسط معاناة مئات آلاف الأشخاص.
وتعاني محافظة تعز منذ سنوات من الحصار الحوثي وإغلاق الطرق الرئيسية، ما أدى إلى عزل المدينة عن منافذ الإمداد ورفع تكاليف النقل وتفاقم الأوضاع المعيشية والإنسانية، وتفاقمت المعاناة أكثر مع إطباق الحصار منذ نحو شهر، ما انعكس بصورة مباشرة على القطاع الصحي، في ظل استمرار المواجهات والقصف الحوثي الذي يضاعف الضغط على المرافق الصحية.