Ketabat
قراءة تاريخية مغايرة لرواية الهزيمة المزعومة
(إلى أرواح شهداء الجيشين اليمني والمصري الذين امتزجت دماؤهم دفاعا عن ثورة 26 سبتمبر وعن حق اليمنيين في الحرية والجمهورية)
كلما جاء الحديث عن إسهام الجيش المصري في الدفاع عن النظام الجمهوري عقب ثورة 26 سبتمبر عام 1962 عادت مقولة (اليمن مقبرة الغزاة) وهي مقولة أقدم من المشاركة العسكرية المصرية غير أن أعداء الثورة يكررون استخدامها لتصوير القوات المصرية قوة غازية انهزمت ورحلت من دون أن تحقق شيئا متجاهلين سبب مجيئها والمهمة التي طلبها منها قادة الثورة وما حدث بعد انسحابها.
قادة ثورة 26 سبتمبر هم الذين طلبوا مساعدة مصر فقد كانت الجمهورية الوليدة تواجه خطر السقوط وعودة أنصار الإمامة إلى الحكم فجاءت القوات المصرية لمساندة الجيش الجمهوري وحماية النظام الجديد ولم يقتصر دورها على القتال؛ إذ شارك الضباط المصريون في تدريب الجنود وتنظيم القوات المسلحة، وأسهم خبراء مدنيون في بناء الوزارات وتطوير الإدارة ودعم التعليم والصحة والاقتصاد بينما كانت الجمهورية تقاتل من أجل البقاء وتحاول بناء جيش وطني ومؤسسات دولة حديثة.
أمضت القوات المصرية أكثر من أربع سنوات في اليمن وقاتلت إلى جانب الجيش الجمهوري في حرب طويلة وشاقة، ولم يكن أنصار الإمامة يقاتلون وحدهم؛ فقد تلقوا المال والسلاح والتدريب من دول وجهات، وحصلوا على دعم بريطاني سري واستعانوا بمرتزقة بريطانيين وفرنسيين، كما نقل الطيران (الإسرائيلي) إليهم السلاح والإمدادات في عمليات سرية ظهرت تفاصيلها لاحقا.
ومع مرور الوقت تحولت الخسائر المصرية إلى مادة للمبالغة والتهويل غير أن وثيقة رسمية أعدتها وزارة الحربية المصرية ورفعتها إلى الرئيس جمال عبد الناصر في 15 مارس 1970 تذكر أن عدد القتلى المصريين في حرب اليمن بلغ (3,218) بينهم (3,170) عسكريا و(48) مدنيا فيما بلغ عدد المصابين (10,905).
نشر موقع (القاهرة مباشر) تفاصيل الوثيقة، وهي الوثيقة الرسمية المنشورة الوحيدة التي أمكن التحقق منها حتى الآن، أما الحديث عن عشرة آلاف أو عشرين ألف قتيل فلا تسنده وثيقة رسمية منشورة يمكن الاعتماد عليها.
ولا مجال هنا للتهوين من مقتل أكثر من ثلاثة آلاف مصري فلكل واحد منهم أسرة دفعت معه ثمن الحرب دفاعا عن أشقائهم اليمنيين، لكن وقوع هذه الخسائر خلال أكثر من أربع سنوات من القتال لا يجعل منها وحدها دليلا على هزيمة الجيش أو فشل مهمته، كما لا يصح رفع عدد القتلى بأرقام غير موثقة لتثبيت رواية الهزيمة المزعومة.
كانت الحرب أوسع من مواجهة محلية فقد شاركت فيها قوى إقليمية ودولية، وكان أنصار الإمامة يقاتلون لإسقاط الجمهورية وإعادة حكم كهنوتي يزعم لنفسه حقا دينيا في السلطة.
ولهذا يجب أن نعود في الحكم على المهمة المصرية إلى أهدافها المباشرة: حماية الثورة ومنع سقوط النظام الجمهوري ودعم حركة التحرر من الاستعمار البريطاني في جنوب البلاد ومساعدة اليمنيين على بناء مؤسسات دولة حديثة كانت البلاد تفتقر إليها.. وقد تحققت هذه الأهداف بفضل الله ثم بتضحيات اليمنيين الجمهوريين وأشقائهم المصريين وامتزاج دمائهم في معركة واحدة.
وعندما انسحبت القوات المصرية عام 1967 ظلت الجمهورية العربية اليمنية قائمة ولم تعد الإمامة إلى الحكم.. ومنذ ذلك الوقت أصبحت مواصلة القتال حتى إنهاء الحرب وتحقيق السلام مسؤولية اليمنيين، فواصل الجيش الجمهوري القتال وساندته القوى الشعبية والقبلية وصمد الجمهوريون خلال حصار السبعين يوما حتى فكوا الحصار عن صنعاء ثم استمروا في الدفاع عن النظام الجديد حتى انتهت الحرب عام 1970.
لم تكن مهمة الجيش المصري أن يقاتل نيابة عن اليمنيين إلى ما لا نهاية وإنما أن يساعدهم على حماية ثورتهم وبناء دولتهم ثم يترك لهم مسؤولية استكمال الطريق.
ويوم خرج الجيش المصري من اليمن لم يسقط النظام الجمهوري ولم تنهَر الدولة الوليدة.. صمدت الجمهورية في وجه التحديات والمؤامرات وتحرر جنوب اليمن من الاستعمار وعرف اليمنيون في الشمال والجنوب مؤسسات الدولة الحديثة..فكيف توصف مهمة الجيش المصري المساند بالهزيمة وقد بقي النظام الذي جاء للدفاع عنه؟
Related News
صدقوني آتية...
aawsat
9 hours ago
جريمة الكرك وقراءاتها
aawsat
9 hours ago
في حضرة لوركا... والحمراء
aawsat
9 hours ago
سباق موسم الجوائز بدأ
aawsat
9 hours ago
إيران... المتعصبون ومؤججو الأزمات
aawsat
9 hours ago