Party
«صحيفة الثوري» – (تحليل):
وسام محمد
لعل أول ما يمكن التأسيس عليه بشأن معركة الصمود التي تخوضها مدينة تعز، انها معركة تتجاوز حدود الجغرافية اليمنية، وأن هذه المعركة تلقي بظلالها على الإقليم المحيط، في ظل احتدام الصراع بين مشاريع إقليمية متنافرة فيما تتصادم في الخلفية ارادات القوى الكبرى حيث يسعى كل طرف لإنهاك الاخر او حتى لمجرد اشغاله.
من هذا المنطلق، أضحى اليمن ساحة تقاطع لصراعات ظاهرة وأخرى خفية، ولا يعني ذلك استبعاد اليمنيين من هذا الصراع، بل هم في قلبه، وما تركز الحرب حول مدينة تعز، إلا تأكيدا على أن الصراع بين المشروع الوطني الجمهوري والمشروع الطائفي السلالي ذي البنية العصبوية، قد وصل الى ذروته الفاصلة.
تعيش مدينة تعز (عاصمة المحافظة) منذ الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تحت وطأة حصار خانق، نتيجة سيطرة جماعة الحوثيين على الشريان الحيوي الممتد بين تعز ومحافظتي لحج وعدن، وهو المنفذ الوحيد لإمداد المدينة بالاحتياجات الأساسية منذ احدى عشر عاما. هذا الحصار المطبق، بات جزء من عدة الحرب الضارية التي تشنها جماعة الحوثي في التلال الخلفية لمدينة تعز بهدف اجتياحها لكنها فشلت وتحطمت رهاناتها، وأمام هذا الثبات، يغدو استكشاف القيمة الاستراتيجية التي يمثلها صمود تعز، ضرورة لفهم معادلة الصراع الذي يتجاوز حدود المدينة وريفها، ليصوغ مستقبل اليمن ومستقبل صراع النفوذ في الاقليم.
القيمة الوطنية لصمود تعز
فور فرض السيطرة على مناطق باب المندب، نقل الحوثيون ثقل معاركهم الى مرتفعات محافظة تعز؛ لإدراكهم بأنه لا يمكن تأمين النفوذ في الممر المائي دون اخضاع المرتفعات الحاكمة. ورغم تمكنهم من التغلغل في بعض مناطق الريف الجنوبي، ان مركز المحافظة المكتظ بالسكان يظل بمثابة عقدة، تحول دون تحويل التمدد العسكري الى مكاسب سياسية دائمة.
وتأكيدا على هذه المحورية، فعقب فشل أكبر هجوم شنه الحوثيون على (جبل هان) بالجبهة الغربية لمدينة تعز –والذي تواصل لأكثر من 12 ساعة تواصل من مساء 13 وحتى صباح 14 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري– بالتوازي بث سيل من الاشاعات والترتيبات، أرادت تصوير أن سقوط تعز بات أمرا واقعا، قام الحوثيون بإطلاق صواريخ ومسيرات على قصر معاشيق في العاصمة المؤقتة عدن. ما يعني أن الحوثية بتكثيف محاولة السيطرة على تعز، تسعى ان تفرض في الواقع معادلة ترى أنها ستمكنها من تجاوز عقدة الشرعية. فتعز تمثل هذه الرمزية، وصمودها لا يعني فقط تقوية موقف الحكومة، ولكن هذا الصمود يعيد انتاج الشرعية السياسية والشعبية. لأنه يخلق جو عام سوف يسمح بإدخال تعديلات جوهرية في البنية السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
تمتد دلالة صمود تعز الى المسألة الوطنية، فقد رأينا مع بداية معارك ريف تعز، كيف توارى الخطاب المناطقي وتراجعت النبرة الانفصالية في الجنوب، وأبدى الكثير من الجنوبيين دعمهم للمقاومة في تعز، وهي نفسها المقاومة التي ظلوا يسخرون منها طوال السنوات الماضية. الناس لا تدرك الحقائق الكبيرة الا في أوقات الخطر، وصمود تعز يمثل فعلا حماية لعدن، وما سينتج عن هذا الصمود، من شأنه ان يساهم في تمتين اللحمة الوطنية، وأن يعيد ترتيب الأولويات بحسب ما تفرضه التهديدات المشتركة.
تعد تعز بمثابة مجال حيوي للقضية والهوية الوطنية والجمهورية، وصمود هذا المجال يعني حماية الامل في نفوس سائر اليمنيين الرافضين لمشروع الجماعة الحوثية الطائفية، بل هو بمثابة سور معنوي يجعل الغالبية العظمى من اليمنيين ينأون بنفسهم عن الجماعة. بعد سيطرة الحوثيين على الريف الجنوبي لمحافظة تعز، على الفور شرعت الجماعة في دعوة الناس للتجنيد، لكن الاستجابة كانت شبه منعدمة، وهذا الحال ليس فقط في الحجرية ولكن حتى في المديريات الواقعة تحت سيطرة الجماعة منذ بداية الحرب (كشرعب وماوية وخدير وغيرها)، إذا يمتنع المجتمع عن الالتحاق بالجماعة، لأن الأمل يظل قائما طالما المعركة لا تزال قائمة.
ومصدر هذا الامل هو بقاء مركز محافظة تعز صامدا. لو سقط هذا الامل، سيعني ذلك التفريط بخزان بشري جاهز لتحرير كل اليمن، فتعز هي أكبر محافظة من حيث عدد السكان، وإذا ما صمدت وتحررت فسوف تقود اليمن كلها الى الحرية.
يمثل صمود تعز من زاوية أخرى، التأكيد على أن بقاء المجال العام مفتوحا أمام الحراك السياسي والاجتماعي بالرغم من كل الظروف والمخاطر، هو عامل قوة وليس العكس، ومكسب وطني لا يمكن التنازل عنه. وأن كان هذا المجال لا يزال محكوما بالعفوية ويستند الى الارث السياسي أكثر مما يستند الى الوعي، لأن جزء كبير من الطاقة ذهب للتنافس والصراع البيني، على حساب الاستعداد للمعركة الفاصلة.
مع الاعتراف بأهمية هذا الحراك في الحفاظ على حيوية المجتمع وبالنتيجة بقاءه متحفزا في مواجهة التهديدات، إلا ان بقائه في الإطار العفوي بدون قواعد واضحة، يجعل مسألة الجاهزية دائما ضعيفة. حيوية المجتمع مهمة لمواجهة المخاطر، لكن ايضا وجود مؤسسات قوية وجيش وامن احترافي وآليات تنظيم وبنية تقنية، كل هذه الاشياء ايضا مهمة خاصة في مواجهة جماعة كالحوثية، حيث تركز كل طاقتها في سبيل بناء قدراتها العسكرية.
صمود تعز في معادلة الصراع الإقليمي
يسابق الحوثيون الزمن لكسر إرادة تعز؛ كونها العقدة الجيوساسية التي تمنعهم من إحكام السيطرة وتثبيت مكاسبهم الميدانية عقب تمددهم نحو مضيق باب المندب. لقد استهدف التصعيد العسكري الحوثي الوصول الى باب المندب لمنح إيران سلاح جيوسياسي في حربها ضد جيرانها، وكذا في مواجهة الضربات الامريكية –التي وان توقفت مرحليا– إلا أن احتمال استئنافها على نحو أكثر ضراوة يظل قائما، لا سيما بعد الانتخابات الامريكية النصفية مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. حيث سبق لإيران ان استخدمت اغلاق مضيق هرمز كسلاح بإغلاقه امام الملاحة الدولية، وتكبيد اقتصادات المنطقة خسائر فادحة.
إقليميا، تتجلى أبعاد المعركة في استعداد السعودية ومن خلفها حلفاء اقليميين ودوليين، لمواجهة التهديدات التي أصبح مصدرها الاول، سيطرة جماعة الحوثي على باب المندب في 11 سبتمبر/ أيلول الماضي. كان الحوثيون قبل ذلك قد أعلنوا الحظر على السفن السعودية ومنع مرورها من البحر الاحمر، كما قصفوا منشآت نفطية، لكن الانعطافة الحادة في مشهد الصراع، جاءت عقب سيطرة الجماعة الحوثية على المضيق الأهم والذي تمر منه الجزء الأكبر من صادراتها النفطية، وما استهداف السعودية قبل تلك السيطرة الا تغطية على الهدف الحقيقي، كما ظل يحدث في الاستهداف اللاحق والمتواصل، حيث يسعى الحوثيون الى تثبيت مكاسبهم في مدخل البحر الاحمر.
وضمن هذا المسعى جاء تطوير الحوثيين لهجماتهم باتجاه ريف تعز ثم السيطرة عليه، ثم نقل المعركة الى محيط المدينة. هنا تبرز الاهمية التي يشكلها صمود تعز، لجهة ابقاء سيطرة الحوثيين على الممر المائي هشة ومهددة. ولعل هذا الصمود يلعب دورا تكامليا مع رفض السعودية الاعتراف بالأمر الواقع، حيث كل دور يقوي الاخر، بينما انهيار أحدهما سوف يؤدي بالضرورة الى اضعاف الدور الاخر.
وبالنظر الى كون سيطرة الحوثيين على باب المندب جاءت في الاصل لتحقيق هدف مشترك للجماعة ولإيران، فإن الحرب التي يبدو وكأنها تدور في محيط مدينة صغيرة، تكاد ان تكون هي الحرب الوحيدة الحقيقية في مواجهة المطامح الامبراطورية التي تسعى إيران الى تحقيقها على حساب الدول الوطنية العربية. ومحاولة جماعة الحوثي التسابق مع الزمن للسيطرة على تعز، الهدف منه، استباق اكتمال الترتيبات على المستوى الاقليمي والدولي، لرسم معادلة ردع حاسمة.
وهناك رمزية أخرى تتعلق بكشف حقيقة الجماعة الحوثية. حتى لو تأخر الادراك السياسي لما يسعى اليه الحوثيون ومن خلفهم إيران، وهي مساعي خراب وتدمير وتطييف للمنطقة العربية، فإن صمود تعز، أمام الحصار المطبق والحرب الضارية، ومشاهدة العرب لذلك ومعهم العالم، كل هذا يصبح بمثابة عملية فضح للشعارات البراقة حول نصرة غزة. يعيش سكان تعز اليوم وضع مشابه لما عاشه سكان غزة عندما كانوا يتعرضون للحرب والحصار من قبل اسرائيل.
وقد استثمر الحوثي في بورصة التعاطف والغضب ونجح في تحقيق نجاحات كبيرة. لكن ما تمارسه الجماعة في تعز، يهدم كل تلك الصورة التي جرى خداع العالم بها. وقد بدأ كثير من العرب وحتى الفلسطينيين يدركون أي نوع من الخداع تعرضوا له، عندما صدقوا ان الجماعة الحوثية تسند غزة لدواعي انسانية وعروبية واسلامية، لأن من يفعل ذلك، في حال كان صادقا، لن يمارس نفس سلوك اسرائيل بحق أبناء وطنه. قد لا يكون حصار تعز والحرب ضد سكانها، القصة الاولى في الاعلام والصحافة الدولية، ولكن ذلك مرهون فقط بمزيد من الصمود. ما سيعني ان تعز بوضعها الحالي باتت بمثابة محكمة علنية لفضح أكبر خدعة شهدها العالم في السنوات الاخيرة.
متطلبات إسناد صمود تعز
تبدأ عملية إسناد صمود مدينة تعز، من عدم تطبيع ريف تعز الجنوبي مع الجماعة الحوثية، وفي ابقاء حالة المقاومة قائمة، سواء عسكريا او المقاومة المدنية. عدم استقرار سيطرة الحوثيين على مناطق الحجرية، كون ذلك سوف يسهم في بقاء التوتر في خطوط الامداد، وسينعكس على شكل ضعف في قدرة الجماعة على ترتيب هجماتها العسكرية ضد المدينة. لابد من بناء آليات مقاومة فعالة، قادرة على الاستجابة للتطورات، خاصة إذا ما لجأت الحوثية الى شن قصف يستهدف المدنيين العزل. ويجب أن تمتد المقاومة الى المديريات التي ظلت منذ بداية الحرب تحت سيطرة الجماعة.
بعد أن تم تجاوز قواعد الاشتباك التي ظلت قائمة طوال سنوات ونظرا لمقدار الخطر الذي يتهدد مركز المحافظة، فقد بات من الواجب والضروري توسيع دائرة اللهب، ولعل نصب الكمائن في خطوط الامداد هو أحد الخيارات المتاحة. غير أن هذا النوع من الاسناد في ريف محافظة تعز، يتطلب استراتيجية، تشمل الجوانب العسكرية والسياسية والاجتماعية وايضا الاعلامية، وهذه مهمة السلطة المحلية والاحزاب بالدرجة الاساسية ومهم النخب الثقافية والاجتماعية والاعلام.
على المستوى الوطني، يتطلب اسناد صمود تعز، جعل تحرك باقي الجبهات في باقي المحافظات مؤثرا، من خلال اختيار مفاصل حساسة لإشعال المعارك فيها، خاصة في محافظة صعدة التي تمثل معقل للجماعة، وايضا في حجة باتجاه محافظة الحديدة، وفي أي مكان تتوفر على امكانية تحقيق اختراقات حاسمة، سواء في البيضاء أو في مأرب أو في الجوف. الى جانب مواصلة معركة الوازعية، تحتاج تعز ايضا ان يبدأ العمل بشكل جدي على إطلاق عملية التفاف واسعة من محافظتي لحج والضالع، نحو اب وخطوط الامداد التي قامت الجماعة بفتحها الى عمق مناطق تعز.
على مستوى تحالف دعم الشرعية، يظل من الملح والحاسم، استمرار الضربات الجوية في الخطوط الخلفية لجميع الجبهات المحيطة بمدينة تعز، وايضا في استهداف مراكز القيادة والسيطرة. وبالنظر الى ضرورة وأهمية استهداف التعزيزات والتحشيدات في خطوط الامداد، ربما يتطلب الامر، ادخال انواع فعالة من الطيران المسير، فهو الاكثر قدرة على ضرب الاهداف المتحركة.
أفق الصمود
تستمد مدينة تعز صمودها الحالي، من صمودها طوال السنوات الماضية، وعدم انكسارها أمام الحصار الذي ظل مفروضا عليها من ثلاث جهات. أي أن المسألة تراكمية، لهذا فإن الوضع القائم اليوم، يؤسس حتما لما سيحدث غدا، فهو يحفز طبقات أخرى من المقاومة، من الحرب الشعبية الى حرب العصابات، وحتى المقاومة المدنية. بل يمكن القول إن عدم ظهور مقاومة مسلحة حتى الآن في أرياف تعز التي ظلت تحت سيطرة الحوثيين، يعود في الأساس الى بقاء مركز المحافظة صامدا، لكن إذا تغير الوضع، فقد تبرز طبقة أخرى من المقاومة سوف تكون بمثابة جحيم حقيقي للحوثيين في تعز. حماية مكتسبات الماضي والذود عن استحقاقات الحاضر ورسم برنامج المستقبل، كل ذلك إذن يتوقف على هذا الصمود.
نقلاً عن مركز تعز للدراسات اليمنية والخليجية
The post القيمة الاستراتيجية لصمود تعز في ميزان المعركة الوطنية وفي معادلة الصراع الاقليمي first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.