Party
بينما ترفع مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران شعار نصرة غزة ومناهضة الحصار، تفرض حصارا مطبقا على سكان مدينة تعز، وتقصف الأحياء السكنية، ويواجه مئات الآلاف من سكانها أزمات متفاقمة في المياه والوقود والغذاء والدواء، نتيجة للحصار، وسط تصاعد التحذيرات الأممية من تدهور الوضع الإنساني.
قصف وحصار
وفي الوقت الذي تتصدر فيه غزة خطاب مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، يعيش سكان تعز واقعا مختلفا، عنوانه القصف والحصار وشح الخدمات الأساسية، فالأحياء السكنية تتعرض للهجمات، وإمدادات المياه والوقود تواجه قيودا متزايدة، فيما تتفاقم معاناة المرضى والأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها اليومية.
وتعيد هذه المفارقة طرح سؤال جوهري إذ كيف يمكن لمن يرفع شعار مناهضة الحصار ونصرة المدنيين أن يقوم بمحاصرة مدينة يمنية وتعريض سكانها للحرمان من مقومات الحياة؟ ليضع معاناة المدنيين وحقهم في الحماية أمام اختبار لا تحسمه الشعارات، بل الممارسات على الأرض.
خلال الساعات الماضية، شهدت مدينة تعز قصفا شنته مليشيا الحوثي استهدف أحياء سكنية، بينها صينة وعصيفرة، وأسفر عن سقوط 22 شخصا بين شهيد وجريح، إلى جانب تضرر منازل، وتأتي هذه الهجمات في سياق اعتداءات متكررة تطال مناطق مأهولة بالسكان، وتضاعف المخاطر على المدنيين، خصوصًا النساء والأطفال.
وفي تعليق ساخر على الشعار الذي ترفعه المليشيا، انتقد العقيد عبدالباسط البحر التناقض بين الخطاب المعلن وممارسات الحوثيين في تعز، مستحضرا استهداف منزل وسقوط ضحايا من أفراد أسرة كانوا يتناولون وجبة الغداء.
وقال البحر: "وهي في طريقها إلى القدس.. مليشيات (السيء) عبد الملك، تستهدف منزل هذا الخبير (الأمريكي) في مدينة تعز بصاروخ بالستي، فتقتل زوجته وأطفاله وهم يتناولون طعام الغداء (صحفة عصيد)"..
ويضع تعليق البحر المفارقة بين الشعارات التي ترفعها المليشيا والضحايا الذين يسقطون في تعز في صلب الانتقادات الموجهة إليها، خصوصا أن المدنيين هم من يتحملون تبعات الهجمات على مناطقهم السكنية.
تحذيرات أممية
لا تقف تداعيات الأزمة عند القصف، إذ تتزامن الهجمات مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وتراجع القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية نقصا في الإمدادات الحيوية نتيجة الحصار المفروض على المدينة.
وحذر منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، لوران بوكيرا، من التدهور السريع للوضع الإنساني والاقتصادي في تعز، مؤكدًا أن إغلاق الطرق وانعدام الأمن يعرقلان وصول الإمدادات الحيوية، بما فيها الوقود، إلى المدينة والمناطق المحيطة بها.
وفي بيان صدر في 20 أكتوبر 2026، أوضح بوكيرا أن النظام الصحي يقترب من الانهيار، وأن نقص الطاقة والأكسجين الطبي يهدد حياة مئات المرضى. كما أشار إلى تضاعف أسعار المواد الغذائية والوقود المتاحة، وانخفاض إنتاج المياه إلى النصف، ما يفاقم معاناة مئات الآلاف من الأسر التي تواجه صعوبة في الحصول على المياه.
ودعا المسؤول الأممي مليشيا الحوثي إلى فتح ممرات آمنة تضمن وصول السلع الأساسية والغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية، مشددًا على ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
وتكشف هذه التحذيرات أن الأزمة في تعز لم تعد محصورة في آثار المواجهات العسكرية، بل امتدت إلى الخدمات التي تقوم عليها حياة السكان، من المياه والطاقة إلى الرعاية الصحية والغذاء، ومع استمرار العوائق أمام الإمدادات، تتسع دائرة المتضررين، وتصبح قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية أكثر صعوبة.
تعز وغزة تناقض يثير الانتقادات
أثار التناقض بين خطاب مليشيا الحوثي بشأن نصرة غزة وممارساتها في تعز انتقادات سياسية وإعلامية، ركزت على الفجوة بين إعلان التضامن مع المدنيين في فلسطين وبين الانتهاكات والممارسات التي تقوم بها والقيود التي يعانيها المدنيون في تعز.
وفي مقال بعنوان "من يحاصر تعز لا ولن يُحرر غزة"، تساءلت الكاتبة إحسان الفقيه عما إذا كانت القضية الفلسطينية قد تحولت إلى "صك غفران"، للمليشيا وغيرها ممن يرتكبون انتهاكات بحق المدنيين.
ورأت الفقيه أن التناقض لا يتعلق بالشعارات وحدها، بل بما يواجهه سكان تعز من قصف وحصار وحرمان من الخدمات الأساسية، واستشهدت بتقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش بشأن أزمة المياه في المدينة، ذكر أن الحوثيين منعوا تدفق المياه من حوضين كانا يوفران نحو 77% من إمدادات تعز، إلى جانب عرقلة دخول صهاريج المياه والمساعدات، واستخدام ألغام قرب مرافق المياه.
كما أشارت إلى انتقادات المنظمة في يناير 2024 للتناقض بين هجمات الحوثيين على السفن بذريعة حصار غزة، والقيود التي يعانيها المدنيون في تعز.
وتكتسب أزمة المياه أهمية خاصة في مدينة تعاني شح الإمدادات، إذ لا يقتصر أثرها على حرمان الأسر من احتياجاتها اليومية، بل يمتد إلى المرافق الصحية والخدمات العامة، ويضاعف الأعباء على الفئات الأكثر احتياجًا.
وفي سياق توضيح حجم الأزمة الإنسانية، استندت الفقيه إلى تقرير لوكالة رويترز نُشر في 14 أكتوبر 2026، أفاد بانقطاع المساعدات الغذائية المنقذة للحياة عن نحو 800 ألف شخص في اليمن، وأن أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات، بينهم أكثر من 200 ألف طفل.
وتكشف هذه الأرقام حجم الاحتياجات الإنسانية في المدينة، حيث يعتمد مئات الآلاف على المساعدات لتأمين الغذاء، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والخدمية، كما تضع هذه الاحتياجات الخطاب السياسي المتعلق بنصرة المظلومين أمام سؤال عملي: ما الموقف من المدنيين الذين يواجهون الجوع والعطش والمرض في تعز؟
وفي السياق ذاته، تناول الدكتور عامر الخميسي القضية في مقال بعنوان "ليس في غزة... بل في تعز"، معتبرًا أن مشاهد الدمار ومعاناة المدنيين في المدينة تكشف التناقض بين ادعاء نصرة غزة وممارسة القصف والحصار بحق سكان تعز.
وأشار الخميسي إلى أن أوجه التشابه بين معاناة المدينتين لا تقتصر على مشاهد الدمار، بل تشمل الحرمان من مقومات الحياة الأساسية، معتبرًا أن استهداف الأحياء السكنية وعرقلة وصول الغذاء والدواء والمياه يتعارضان مع ادعاء الدفاع عن المستضعفين ومناهضة الحصار.
وانتقد صمت المجتمع الدولي إزاء استمرار حصار تعز، معتبرًا أن تجاهل معاناة المدنيين والتغاضي عن الانتهاكات يضعفان فرص الحماية والمساءلة. وخلص إلى أن المعيار الإنساني لا ينبغي أن يتغير باختلاف هوية الجهة المسؤولة عن الانتهاكات، وأن التضامن مع غزة لا يستقيم مع تجاهل ما يتعرض له المدنيون في تعز.
انتقادات لتجاهل معاناة تعز
ولم تقتصر الانتقادات على الكتّاب والمعلقين، بل امتدت إلى مواقف سياسية وإعلامية تناولت ما اعتبرته تجاهلًا لمعاناة اليمنيين في سياق الانشغال بحسابات الصراع الإقليمي.
ففي مقال بعنوان "حين يرانا أشقاؤنا بعيون إيرانية!"، نشره في 17 أكتوبر، انتقد رئيس دائرة الإعلام والثقافة في التجمع اليمني للإصلاح، علي الجرادي، اختزال القضية اليمنية في حسابات الصراع الإقليمي، وتجاهل الانتهاكات التي يتعرض لها اليمنيون على أيدي مليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
ووصف الجرادي تعز بأنها "مدينة النور والبندقية"، مستحضرًا رمزية المدينة في مقاومة المشروع الحوثي، وما يواجهه سكانها من حصار ومعاناة وقيود على طرق الإمداد.
من جانبه، انتقد الإعلامي والبرلماني المصري مصطفى بكري ممارسات الحوثيين في تعز، قائلًا: "الذين يحاصرون تعز، ويمنعون عنها الماء والغذاء، ويطلقون الصواريخ والمسيرات على أهلها لا يختلفون في شيء عن الصهاينة الذين يحاصرون غزة".
وتتقاطع هذه المواقف عند نقطة أساسية، تتمثل في رفض الانتقائية في التعامل مع معاناة المدنيين، والدعوة إلى إخضاع المواقف السياسية لمعيار واحد لا يتبدل بتغير المكان أو هوية الطرف المسؤول عن الانتهاكات.
تضع التطورات في تعز قضية حماية المدنيين وفتح الطرق أمام استحقاق إنساني عاجل، يتطلب ضمان وصول الغذاء والدواء والمياه والوقود دون عوائق، وحماية الأحياء السكنية والبنية التحتية، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وفقًا للقانون.
وبينما تتواصل الشعارات المتعلقة بنصرة غزة ومناهضة الحصار، يظل واقع تعز شاهدًا على معاناة مدنيين يواجهون القصف وشح المياه ونقص الإمدادات وتراجع الخدمات الصحية. وهي معاناة لا يمكن تجاوزها بمجرد الخطابات السياسية، ولا ينبغي أن تحجبها الحسابات الإقليمية أو ازدواجية المواقف.