رغيف خبز يسند جلسات العلاج.. حكاية أطفال الشلل الدماغي في عدن
Party
1 day ago
share
في مخبز صغير بمديرية المعلا في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، لا تنتهي حكاية رغيف الخبز عند من يشتريه، فخلف هذا المشروع أطفال ينتظرون جلسات علاج وتأهيل، وأسر تتشبث بأي فرصة لتحسين حياة أبنائها، بعدما أصبحت عائدات المخبز أحد مصادر الدعم القليلة التي تساعد على إبقاء خدمات الرعاية مستمرة. وعلى مسافة من المخبز، في منطقة الخساف بمديرية كريتر، تفتح مؤسسة "الحق في الحياة" أبوابها لأطفال مصابين بالشلل الدماغي، يحتاج بعضهم إلى المساعدة في الحركة والجلوس والتواصل، بينما يخوض آخرون رحلة طويلة من جلسات التأهيل لاكتساب مهارات قد تبدو بسيطة، لكنها تعني الكثير لهم ولعائلاتهم. غير أن هذه الرحلة باتت تواجه عقبات متزايدة، مع تراجع التمويل وارتفاع تكاليف التشغيل، في وقت تعجز فيه أسر كثيرة عن تحمل نفقات العلاج والمواصلات، مما يجعل استمرار الخدمات المجانية أكثر أهمية من أي وقت مضى. خطوات صغيرة وأحلام كبيرة داخل مؤسسة "الحق في الحياة"، لا تقاس نتائج التأهيل بخطوات المشي وحدها، فقد يكون تمكن طفل من الجلوس دون مساعدة، أو تحريك يده بصورة أفضل، أو نطق كلمة انتظرها والداه طويلا، إنجازا يمنح الأسرة أملا جديدا في تحسن قدراته. ويقول المسؤول الإعلامي للمؤسسة، علي الكويتي، للصحوة نت، إن المؤسسة تقدم خدمات مجانية لأكثر من 400 طفل مصاب بالشلل الدماغي من مديريات عدن الثماني، عبر تسعة أقسام وبرامج تشمل العلاج الطبيعي والوظيفي والتخاطب والتعليم والأنشطة الرياضية والترفيهية. ويوضح أن خدمات المؤسسة لا تقتصر على جلسات العلاج، بل تشمل نقل الأطفال من منازلهم وإعادتهم إليها، في محاولة لتخفيف الأعباء عن أسر قد لا تستطيع تحمل تكاليف المواصلات بصورة منتظمة. لكن تراجع الدعم انعكس على هذه الخدمة، وأجبر بعض العائلات على تقليل عدد مرات حضور أطفالها، في ظل الحاجة إلى جلسات تأهيل متواصلة للحفاظ على ما اكتسبوه من مهارات ومساعدتهم على تطوير قدراتهم. ويحذر الكويتي من أن استمرار الأزمة التمويلية يهدد بتقليص الخدمات التي يعتمد عليها مئات الأطفال، مؤكدا أن المؤسسة تحتاج إلى دعم يضمن مواصلة عملها دون تحميل الأسر أعباء إضافية. ومن داخل أقسام التأهيل، يشرح اختصاصي العلاج الطبيعي الدكتور أسامة محمد أحمد طبيعة العمل مع الأطفال، موضحا أن المؤسسة تستقبل حالات تعاني من الشلل الدماغي واضطرابات الحركة، وتقدم لها برامج تتناسب مع احتياجات كل طفل وقدراته. وتشمل هذه البرامج تمارين لتحسين الحركة والتوازن، والتدريب على الجلوس والتقلب والمشي، وتنمية القدرة على أداء الأنشطة اليومية، إلى جانب جلسات التخاطب والتأهيل الوظيفي. ويقول أحمد إن عددا من الأطفال حققوا تحسنا ملحوظا بعد انتظامهم في جلسات التأهيل، مشيرا إلى أن استمرار هذه البرامج عامل مهم في تطوير قدراتهم الحركية والتواصلية ومساعدتهم على اكتساب قدر أكبر من الاستقلال في حياتهم اليومية. لكن المشكلة، كما يوضح، أن احتياجات هؤلاء الأطفال لا تنتهي عند جلسة أو برنامج محدد، بل تتطلب متابعة مستمرة، وهو ما يجعل تراجع الخدمات مصدر قلق للأسر التي قطعت مع أطفالها مراحل طويلة من العلاج. أمهات يحملن عبء الطريق والعلاج بالنسبة إلى سمية علي ناصر، والدة الطفل أحمد، لم تكن مؤسسة "الحق في الحياة" مجرد مكان يتلقى فيه ابنها العلاج، بل مساحة وجدت فيها خدمات يصعب الحصول عليها في أماكن أخرى، إلى جانب أمهات يتقاسمن معها مشقة رعاية أطفال يحتاجون إلى اهتمام يومي. تروي سمية للصحوة نت أن المؤسسة وفرت للأطفال جلسات العلاج الطبيعي والوظيفي، وساعدت الأسر على الانتظام فيها من خلال خدمة المواصلات المجانية، التي خففت عن الأمهات عبء التنقل بين المنازل ومركز التأهيل. وتوضح أن الأمهات وجدن في المؤسسة فرصة لتبادل الخبرات ومساندة بعضهن بعضا، بعدما جمعتهن ظروف متشابهة ومسؤوليات تتجاوز توفير الطعام والدواء إلى المساعدة في الحركة والجلوس وقضاء الاحتياجات اليومية. غير أن تراجع خدمات النقل أعاد مشقة الطريق إلى الواجهة، وأصبح وصول بعض الأطفال إلى جلسات التأهيل مرتبطا بقدرة أسرهم على توفير أجرة المواصلات، في مدينة ترهق فيها تكاليف المعيشة ميزانيات العائلات. وتقول سمية إن احتياجات الطفل المصاب بالشلل الدماغي لا تتوقف عند العلاج، بل تشمل الأدوية والرعاية اليومية والمساعدة المستمرة، وهي متطلبات يصعب على كثير من الأسر توفيرها بمفردها. وتخشى أن تؤدي الأزمة المالية إلى حرمان الأطفال من الخدمات التي ساعدتهم على تحقيق تقدم في قدراتهم، مناشدة الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية توفير الأدوية والعلاج وضمان استمرار برامج التأهيل المجانية. ولا تبدو مخاوف سمية منفصلة عن واقع بقية الأسر، فغياب وسيلة النقل قد يعني غياب الطفل عن جلسة علاج، وتكرار الغياب قد يؤثر على انتظام خطة التأهيل التي يحتاج إليها، حتى وإن بقيت أبواب المؤسسة مفتوحة. وبين مشقة الوصول إلى المركز والحاجة إلى رعاية متواصلة داخل المنزل، تتحمل الأمهات جانبا كبيرا من هذه المسؤولية، بينما يظل استمرار الخدمات المجانية عاملا أساسيا في تخفيف الأعباء عن العائلات. حين يصبح الخبز سندا للعلاج في مديرية المعلا، يحاول مخبز «الحق في الحياة» تقديم جزء من الإجابة عن سؤال يواجه المؤسسة كل يوم: كيف يمكن مواصلة تقديم الرعاية المجانية للأطفال في ظل شح التمويل؟ فالمشروع الذي يبيع الخبز للمواطنين لا يقتصر دوره على النشاط التجاري، بل تخصص عائداته لدعم المؤسسة وتغطية جانب من نفقات خدماتها، ليصبح مصدر دخل يساعدها على مواجهة بعض احتياجات التشغيل والتأهيل. ويقف خلف هذه التجربة أشخاص يعرفون معاناة الأسر عن قرب، من بينهم عمار عبدالله، والد طفل مصاب بالشلل الدماغي وأحد القائمين على المخبز، الذي يرى في المشروع وسيلة لمساندة الأطفال الذين تحتاج أسرهم إلى دعم مستمر. ويقول عمار للصحوة نت إن المخبز جاء للمساعدة في تأمين مورد مالي للمؤسسة، بما يمكنها من مواصلة خدماتها، مشيدا بدور مؤسسة "بصمات" في دعم المشروع وتعزيز قدرته على خدمة الأطفال. ولا ينظر عمار إلى المشروع بمعزل عن تجربته أبا لطفل يحتاج إلى التأهيل والرعاية، فهو يدرك حجم الأعباء التي تتحملها الأسر في توفير الأدوية والعلاج والاحتياجات اليومية، وما يعنيه أن تتوقف خدمة مجانية كانت تخفف عنها بعض هذه التكاليف. لكن عائدات المخبز، رغم أهميتها، لا تكفي لتغطية جميع متطلبات المؤسسة، في ظل ارتفاع نفقات التشغيل وتعدد احتياجات الأطفال، مما يجعل الاعتماد عليه وحده خيارا غير كاف لضمان استمرار الرعاية. ويؤكد عمار أن استمرار المؤسسة لا يتعلق بنفقات تشغيلها فحسب، بل بمئات الأطفال الذين تعتمد أسرهم على برامجها، وبالفرص التي تمنحها جلسات التأهيل لتحسين قدراتهم ومساعدتهم على ممارسة حياتهم بصورة أكثر استقلالا. ومن جهته، يدعو المسؤول الإعلامي علي الكويتي السلطات المحلية ورجال الأعمال والمنظمات الإنسانية إلى مساندة المؤسسة وتوفير دعم مستدام لخدماتها، حتى لا تتحول الأزمة المالية إلى عائق أمام حصول الأطفال على الرعاية. وبين مخبز في المعلا ومركز للتأهيل في الخساف، تتقاطع حكايات أطفال ينتظرون جلساتهم، وأمهات يكافحن لإيصالهم إليها، وآباء يبحثون عن وسائل لإبقاء الخدمات مستمرة. وبينما يساعد رغيف الخبز على تحمل جزء من الأعباء، يظل مستقبل الرعاية بحاجة إلى ما هو أبعد من عائدات المخبز، حتى لا تصبح قدرة الأسرة على دفع تكاليف العلاج هي التي تحدد فرص طفلها في الحركة والتواصل والاستقلال.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows