الموقف المصري الداعم للسعودية.. تضامن عربي تتجاوز دلالاته حدود اليمن
Party
2 days ago
share
يمثل إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد بلاده لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن أمن المملكة العربية السعودية، إذا طلبت الرياض ذلك، تطورا لافتًا في الموقف العربي من التصعيد الذي تشهده المنطقة، في ظل الهجمات الحوثية المتصاعدة على الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية، وما تفرضه من تهديدات لأمن الخليج والملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي. وجاء الإعلان، السبت 17 أكتوبر الجاري، خلال كلمة للسيسي في حفل تخريج دفعة من طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية، دعا فيها إلى عقد جلسة طارئة للبرلمان للنظر في تفويض باتخاذ إجراءات دفاعية لحماية السعودية عند الحاجة، مؤكدا أن بلاده لا تسعى إلى الاعتداء على أحد، لكنها لن تقبل المساس بأمن المملكة واستقرارها. وفي اليوم التالي، أكد مجلس الدفاع الوطني المصري، برئاسة السيسي، تضامن القاهرة الكامل مع الرياض، واستعدادها لتقديم جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة لحماية أمن المملكة وسيادتها. فيما عقد البرلمان جلسات لمناقشة طلب التفويض، قبل أن يرجئ، الاثنين 19 أكتوبر، التصويت عليه إلى الاثنين المقبل، 26 أكتوبر. ويعيد هذا التحرك تأكيد المكانة الاستراتيجية للعلاقات المصرية السعودية في معادلة الأمن العربي، في وقت لم تعد فيه تداعيات الصراع اليمني محصورة داخل حدوده الجغرافية، بل امتدت إلى أمن دول الخليج والممرات البحرية والمصالح الاقتصادية المرتبطة باستقرار المنطقة. وحدة الأمن القومي العربي تتجاوز دلالات الموقف المصري حدود العلاقة الثنائية بين القاهرة والرياض؛ إذ تعكس إدراكا متزايدا للترابط بين أمن الدول العربية، في مواجهة تهديدات تتداخل فيها الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة مع استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية وطرق التجارة الدولية. وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي والاستراتيجي محجوب الزويري أن إعلان السيسي ودعوته إلى جلسة برلمانية طارئة يمثلان خطوة سياسية وإقليمية جوهرية، تحمل رسالة واضحة بأن الدول العربية المركزية، وفي مقدمتها مصر، ترفض تداعيات التصعيد في اليمن على أمن المملكة العربية السعودية. وأوضح الزويري، في حديث لقناة الجزيرة، أن مخاطر الاعتداءات الحوثية لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الأمن الاقتصادي الإقليمي والعالمي، بالنظر إلى ارتباط اقتصادات دول الخليج بملايين العمالة الوافدة وأسرها، فضلًا عن المصالح التجارية والاستثمارية التي قد تتضرر من أي اضطراب أمني واسع. وربط الزويري الموقف المصري بحماية الأراضي السعودية والمصالح الاقتصادية المشتركة، إلى جانب صون الأمن القومي المصري وتأمين شرايين الملاحة الدولية، وفي مقدمتها قناة السويس ومضيق باب المندب. وأشار إلى أن التحرك المصري ينسجم مع توجهات إقليمية لتعزيز التعاون الدفاعي، من بينها «تحالف دفاع مكة» الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، في إطار مواجهة التهديدات التي تستهدف أمن الدول واستقرارها، والحد من قدرة الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة على فرض معادلاتها بالقوة. وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة في ظل اتساع نطاق التهديدات العابرة للحدود؛ فاستهداف السعودية أو الممرات البحرية لا تقتصر تداعياته على الدولة المستهدفة، وإنما تطال مختلف الدول التي ترتبط مصالحها باستقرار الخليج والبحر الأحمر وحركة التجارة العالمية. ومن هذه الزاوية، يبدو الموقف المصري تعبيرا عن إدراك أوسع لوحدة المصالح والمخاطر العربية، ورسالة بأن حماية أمن الدول واستقرارها لا يمكن فصلها عن مواجهة مصادر التهديد التي تتجاوز الحدود الوطنية. اليمن وتهديد أمن الجوار لا يمكن فصل التصعيد الحوثي تجاه السعودية عن مسار الانقلاب على الدولة اليمنية ومؤسساتها، وما ترتب عليه من حرب ممتدة وتوسع في نطاق التهديدات العسكرية والأمنية. فمنذ سيطرة مليشيا الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة في سبتمبر 2014، تحولت الأزمة اليمنية تدريجيًا إلى مصدر تهديد يتجاوز حدود البلاد، مع انتقال الهجمات إلى الأراضي السعودية واستهداف منشآت حيوية ومدنية. وأعادت الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي ومنشآت أرامكو وغيرها من المواقع السعودية طرح العلاقة الوثيقة بين استعادة الدولة اليمنية وأمن جيرانها؛ إذ إن استمرار وجود قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة، تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة وتستخدمها في عمليات عابرة للحدود، يضاعف مخاطر عدم الاستقرار في اليمن والمنطقة. وفي هذا السياق، يبرز الموقف المصري بوصفه دعمًا لأمن السعودية في مواجهة الاعتداءات الحوثية، ورسالة سياسية تتجاوز حدود التضامن الثنائي إلى ضرورة التعامل مع جذور التهديد، وفي مقدمتها استمرار الانقلاب الحوثي والدعم الإيراني الذي يعزز القدرات العسكرية للجماعة. كما يعيد هذا الموقف التأكيد على أن استعادة الدولة اليمنية وسيادتها ليست مطلبا وطنيا يمنيا فحسب، بل مصلحة إقليمية ترتبط بأمن الدول المجاورة واستقرار الممرات البحرية، وتشكّل أساسًا لأي تسوية مستدامة تضع حدا للتهديدات العابرة للحدود. وفي أولى ردود الفعل اليمنية، رحّب مستشار رئيس الجمهورية، عضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح ورئيس كتلته البرلمانية، عبد الرزاق الهجري، بالموقف المصري، واصفًا إياه بالتضامن الأخوي مع المملكة العربية السعودية. وقال الهجري، في تصريح لـ«الإصلاح نت»، إن الموقف المصري بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي ينسجم مع الروح الأخوية والقومية في مواجهة التهديدات المشتركة للأمن القومي العربي ومصالح الشعوب العربية. وثمّن وقوف مصر والسعودية إلى جانب الشعب اليمني وقيادته الشرعية في معركتهما الوطنية لاستعادة الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار. وأشار إلى أن استهداف الحوثيين للدولة اليمنية أفضى إلى تداعيات إقليمية أسهمت في زعزعة أمن المنطقة واستقرارها، معربًا عن أمله في أن تسهم هذه المواقف في تحقيق تطلعات اليمنيين إلى استعادة بلادهم وعاصمتهم ومؤسسات دولتهم، وحماية الجمهورية ومكتسباتها الوطنية. وتعكس هذه التصريحات رؤية يمنية تربط بين حماية أمن الجوار وإنهاء أسباب الصراع الداخلي، انطلاقًا من أن استمرار الانقلاب وما أفرزه من اختلال في مؤسسات الدولة يتيح للجماعة توظيف الأراضي اليمنية وقدراتها العسكرية في تهديد الأمن الإقليمي. البحر الأحمر وباب المندب.. مصالح استراتيجية مشتركة تتصل أهمية الموقف المصري كذلك بالموقع الاستراتيجي لليمن، وإشرافه على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتؤدي دورًا محوريًا في حركة التجارة الدولية وعبور السفن المتجهة إلى قناة السويس. وقد أظهرت الهجمات والتهديدات التي طالت الملاحة في البحر الأحمر أن استمرار الصراع اليمني دون معالجة سياسية وأمنية جادة يفتح المجال أمام استخدام الممرات البحرية ورقة ضغط في الصراعات الإقليمية. ويضع ذلك أمن الملاحة في صلب المصالح الاستراتيجية المصرية، بالنظر إلى الأهمية الاقتصادية لقناة السويس، وارتباط حركة العبور فيها باستقرار البحر الأحمر وأمن مضيق باب المندب. وفي موقف خليجي متزامن، شدد البيان الختامي للدورة الـ168 للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الصادر في المنامة يوم الأحد 18 أكتوبر، على أن مضيقي باب المندب وهرمز والبحر الأحمر ممرات مائية حيوية تتجاوز أهميتها دول المنطقة، وتمثل شرايين رئيسية للاقتصاد العالمي. وأدان المجلس الاعتداءات الحوثية على السعودية، بما فيها الهجمات التي استهدفت المطارات المدنية والمنشآت الحيوية، مؤكدًا تضامن دول الخليج الكامل مع المملكة، ودعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها وسيادتها ومصالحها. وشدد على أن أمن دول مجلس التعاون كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، وفقًا لاتفاقية الدفاع المشترك، مع التأكيد على حقها في الدفاع عن نفسها فرديًا وجماعيًا وفق ميثاق الأمم المتحدة. ودعا المجلس إلى التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، ولا سيما القرار 2216 لعام 2015 والقرار 2722 لعام 2024 بشأن الهجمات على السفن في البحر الأحمر، وضمان تطبيق حظر توريد الأسلحة إلى الحوثيين. كما طالب بتصنيف الجماعة منظمة إرهابية، ووقف أشكال الدعم التي تمكّنها من امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة، مرحبا بالبيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن في 15 أكتوبر، الذي أدان الاعتداءات الحوثية على السعودية والتهديدات التي تطال الملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب. وفي الوقت نفسه، أكد المجلس دعمه سيادة اليمن ووحدة أراضيه، والتوصل إلى حل سياسي للأزمة عبر الحوار والتفاهم، وفق المرجعيات الثلاث المتفق عليها. وتعكس هذه المواقف تقاطع المصالح المصرية والسعودية والخليجية في حماية الممرات البحرية، ومنع تحول اليمن إلى منصة لتهديد أمن المنطقة والتجارة الدولية. كما تؤكد أن حماية حرية الملاحة ليست مسؤولية الدول المشاطئة للبحر الأحمر وحدها، بل مسؤولية دولية مشتركة تتطلب تنفيذ القرارات الأممية، ومنع تدفق الأسلحة إلى الجماعات التي تستخدمها في استهداف الدول والسفن التجارية. مصر واليمن.. روابط تاريخية تتجدد ترتبط مصر واليمن بعلاقات تاريخية وسياسية ممتدة، كان من أبرز محطاتها دعم القاهرة ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، التي أطاحت بالحكم الإمامي وأعلنت قيام الجمهورية العربية اليمنية. وشكّلت تلك المرحلة أحد أبرز أوجه الحضور المصري في التاريخ اليمني الحديث، حين ارتبط الدور المصري بدعم النظام الجمهوري في مواجهة محاولات إعادة الحكم الإمامي، في مرحلة مفصلية من الصراع على شكل الدولة ومستقبل اليمن. واليوم، تبرز العلاقات بين البلدين في سياق مختلف، لكنه يتصل بالقضايا ذاتها المتعلقة بالدولة والسيادة والاستقرار الإقليمي؛ فاليمن الذي أنهكته الحرب وأضعف الانقلاب مؤسساته يحتاج إلى إسناد عربي يدعم تطلعات شعبه إلى استعادة دولته، وإنهاء أسباب الصراع، وبناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية سيادته واستقراره. وفي المقابل، تواجه دول المنطقة تداعيات استمرار الأزمة اليمنية، واتساع التهديدات العسكرية والأمنية التي لم تعد محصورة داخل الحدود اليمنية. ومن هنا، يكتسب الموقف المصري تجاه السعودية دلالات تتصل بمستقبل اليمن بقدر ارتباطها بأمن المملكة؛ فحماية السعودية من الاعتداءات الحوثية لا تنفصل عن معالجة مصادر التهديد، فيما تمثل استعادة مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدرتها على بسط سيادتها مسارًا أساسيًا لتقليص المخاطر التي يفرضها استمرار الانقلاب على الجوار والملاحة الدولية. وتستدعي هذه العلاقة التاريخية دورًا عربيًا أكثر فاعلية في دعم الدولة اليمنية ومؤسساتها، بما يحفظ النظام الجمهوري والسيادة الوطنية، ويمنع استخدام البلاد ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية أو تهديد مصالح الدول المجاورة. وفي هذا الإطار، يحمل التقارب المصري السعودي بعدًا يتجاوز التعاون الدفاعي المباشر، ليعكس الحاجة إلى رؤية عربية مشتركة تجعل استقرار اليمن واستعادة مؤسساته جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي، لا ملفًا منفصلًا عنها. تضامن يتجاوز المواقف السياسية يضع الموقف المصري، إلى جانب المواقف الخليجية المتزامنة، قضية الأمن القومي العربي مجددًا في واجهة التطورات الإقليمية، ويثير تساؤلات بشأن قدرة الدول العربية على تحويل التضامن السياسي إلى تنسيق عملي يحمي أمنها ومصالحها المشتركة. كما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في تنفيذ القرارات المتعلقة باليمن وأمن الملاحة البحرية، ومواجهة تدفق الأسلحة والدعم العسكري الذي يتيح للحوثيين مواصلة الهجمات وتهديد الاستقرار الإقليمي. غير أن أهمية هذه المواقف لا تتوقف عند حدود الردع والدفاع عن أمن الدول، بل تمتد إلى ضرورة بلورة مقاربة سياسية وأمنية متكاملة تعالج جذور الأزمة اليمنية، وتدعم استعادة مؤسسات الدولة، وتمنع استمرار استخدام الأراضي اليمنية منطلقًا للاعتداءات العابرة للحدود. وفي المحصلة، تتجاوز دلالات الموقف المصري إسناد السعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، لتؤكد الترابط الوثيق بين أمن اليمن وأمن الخليج والبحر الأحمر والمصالح الاستراتيجية للدول العربية. ويبقى تحقيق استقرار مستدام مرهونًا بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية وسيادتها، والتوصل إلى تسوية تضمن احتكار الدولة للسلاح والقرار السيادي، وتضع حدًا لاستخدام الأراضي اليمنية وقدراتها العسكرية في تهديد دول الجوار والملاحة الدولية. وبذلك، فإن التضامن العربي مع السعودية لا يحمل رسالة دفاع عن أمن المملكة فحسب، بل يفتح الباب أمام تأكيد أوسع مفاده أن استقرار المنطقة يبدأ من استعادة الدولة اليمنية، وإنهاء مصادر التهديد التي جعلت من الصراع الداخلي أزمة تتجاوز آثارها حدود اليمن.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows