Civil
يمن مونيتور/ وحدة الترجمة/ من دوف ليبر وخالد واصف – شبكة CBS News الأمريكية
تحولت جماعة الحوثيين في اليمن خلال العقد الماضي من حركة مسلحة غير معروفة نسبياً، تتمركز في شمال غربي البلاد، إلى أقوى حلفاء إيران في المنطقة، وأحد أبرز الخصوم للولايات المتحدة وحلفائها في أنحاء الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه قدرات جماعات أخرى تعمل بالوكالة لصالح إيران خلال السنوات الأخيرة، برز الحوثيون في قلب المواجهة الإقليمية، مقدمين مثالاً جديداً على قدرة قوة مسلحة أصغر حجماً، تعتمد أساليب حرب العصابات وتتمركز في مواقع محصنة، على إلحاق أضرار غير متكافئة بخصوم أكثر قوة، من خلال هجمات جوية يصعب التصدي لها.
ودعماً لحلفائهم الإيرانيين، بدأ الحوثيون شن هجمات على إسرائيل بعد وقت قصير من انضمام الولايات المتحدة إلى الهجمات الإسرائيلية الواسعة على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، والتي أشعلت الصراع المستمر في الشرق الأوسط.
وتتحمل السعودية، إحدى أغنى دول العالم والحليف الرئيسي للولايات المتحدة، حالياً العبء الأكبر من هجمات الحوثيين، التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً في مطارات سعودية خلال الأسبوع الماضي.
كما استهدف الحوثيون، إلى جانب جماعات حليفة أخرى، البنية التحتية النفطية السعودية، وأسهموا في دفع أسعار الطاقة العالمية إلى الارتفاع، من خلال تهديد مضيق باب المندب، الذي يمثل، شأنه شأن مضيق هرمز، ممراً بحرياً استراتيجياً رئيسياً لشحنات النفط والغاز.
وطلبت السعودية من الولايات المتحدة المشاركة في عملياتها العسكرية ضد الحوثيين. ورغم رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الطلب في البداية، فإنه قال خلال عطلة نهاية الأسبوع إنه يدرس إمكانية الاستجابة له.
تعز اليمنية تحت القصف والحصار.. نقص الإمدادات وارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية
«هرمز» آخر؟ ما الذي ينبغي معرفته عن تهديد الحوثيين للبحر الأحمر؟
“اسناد طويل الأمد”.. كيف يرى الخبراء السعوديون إعلان اليمن الحرب على الحوثيين؟!
بعد هجمات المطارات.. خبراء سعوديون يرجحون الذهاب نحو حرب شاملة مع الحوثيين
«أقوى وكلاء إيران» في المنطقة
لطالما أكد مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون، إلى جانب عدد من المحللين الإقليميين، أن الحوثيين يتلقون دعماً مالياً وعسكرياً من إيران.
وكانت الجماعة في السابق طرفاً هامشياً نسبياً ضمن ما تسميه طهران «محور المقاومة»، وهو تحالف غير رسمي يضم جماعات مسلحة مناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة، من بينها حركة حماس في قطاع غزة وحزب الله في لبنان.
وتعرضت حماس وحزب الله، اللذان تصنفهما الولايات المتحدة منظمتين إرهابيتين، لإضعاف شديد نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية التي أعقبت الهجوم الذي قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وشارك الحوثيون في الهجمات على إسرائيل إلى جانب حماس وحزب الله، ما جعلهم هدفاً لهجمات إسرائيلية مضادة، فضلاً عن عمليات عسكرية نفذتها إدارتا الرئيسين الأمريكيين جو بايدن ودونالد ترامب.
لكن الحوثيين، خلافاً لحماس وحزب الله، تمكنوا من استعادة قوتهم والظهور مجدداً بتسليح أكثر تطوراً وخبرة قتالية أكبر وثقة متزايدة بقدراتهم.
وقال محمد الباشا، مؤسس مجموعة «باشا ريبورت» الاستشارية المتخصصة في تقييم المخاطر، ومقرها الولايات المتحدة: «الحوثيون هم بلا منازع أقوى قوة وكيلة داخل الشبكة الإيرانية».
وأضاف: «أي استراتيجية عسكرية أمريكية تخطط لشن حملة ضد إيران لا بد أن تأخذ في الحسبان ما سيفعله الحوثيون بعد ذلك».
وبعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على إسرائيل، بدأت القدرات العسكرية للحوثيين تتطور بوتيرة متسارعة، بمساعدة إيرانية.
وقال الباشا لشبكة «سي بي إس نيوز»: «قبل السابع من أكتوبر، لم نكن نرى الحوثيين يحصلون على أحدث المعدات من إيران. لكن بعد ذلك التاريخ، حصلوا على الأفضل».
وأوضح أن طهران لم تكتفِ بتزويد الحوثيين بالأسلحة، بل ساعدت الجماعة أيضاً على تطوير مهاراتها في اختراق منظومات الدفاع الجوي.
وبدأ الحوثيون اعتماد تكتيكات قتالية جديدة، من بينها تنفيذ هجمات متعددة الطبقات ضد إسرائيل، باستخدام الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، تليها الصواريخ الباليستية، بهدف إرباك الدفاعات الجوية الإسرائيلية وإغراقها بأعداد متتالية من التهديدات.
وتستخدم الجماعة الآن التكتيكات نفسها في هجماتها على السعودية.
وفي عصر الحروب غير المتكافئة، حول الحوثيون أيضاً حقيقة أن اليمن يعد من أفقر دول العالم إلى ميزة استراتيجية من نوع خاص.
وقال يوئيل غوزانسكي، الباحث البارز المتخصص في سياسات وأمن الخليج العربي في معهد دراسات الأمن القومي، إن الجماعة تعتمد على قاعدة من المؤيدين ذوي الالتزام الأيديولوجي القوي، والمستعدين لتحمل المعاناة الاقتصادية والعزلة مقابل إلحاق أضرار جسيمة بالسعودية والاقتصاد العالمي.
وأضاف غوزانسكي: «كل ما تحتاج إليه لضرب مطار الرياض هو صاروخ أرض-أرض ليس شديد التعقيد. ويمكن للحوثيين تجميع مثل هذه الصواريخ في مصانع صغيرة داخل الجبال».
ماذا يريد الحوثيون؟
قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين،، مؤخراً، إن هجمات الجماعة على السعودية تأتي رداً على ما وصفه بأنه «عدوان سعودي وحشي على بلدنا وشعبنا».
لكن محمد الباشا يرى أن الأهداف الحقيقية للحوثيين لا تقتصر على الانتقام أو الرد العسكري، بل تتعلق بتوسيع السلطة وانتزاع الاعتراف السياسي.
وبحسب الباشا، يسعى الحوثيون إلى السيطرة على اليمن بأكمله، وإجبار السعودية على الاعتراف بشرعيتهم، فضلاً عن دفع الرياض إلى تمويل توسعهم.
ويعتقد أن هذا يفسر الجمع بين الهجمات العسكرية التي تشنها الجماعة داخل اليمن، وحملتها الصاروخية ضد السعودية.
كيف ساعدت إيران الحوثيين على التحول إلى قوة عسكرية إقليمية؟
نشأت الحركة الحوثية من البيئة الزيدية الشيعية، التي تمتد جذورها التاريخية إلى قرون في شمال اليمن.
ويمثل الزيديون أقلية داخل اليمن ذي الأغلبية المسلمة السنية، لكن نسبتهم السكانية كبيرة نسبياً، إذ تشير تقديرات إلى أنهم قد يشكلون ما يصل إلى ثلث سكان البلاد.
وظهرت الحركة الحوثية في بداياتها باعتبارها محاولة لحماية الثقافة والهوية الزيدية داخل اليمن، لكنها تطورت لاحقاً إلى جماعة تتبنى شعاراً يتضمن عبارات: «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام».
ويقدر محللون أن القوة المسلحة التابعة للحوثيين تضم مئات الآلاف من المقاتلين الجاهزين للقتال، بينما تزعم الجماعة نفسها أنها دربت أكثر من مليون مقاتل.
وبدأ صعود الحوثيين الفعلي نحو السلطة عام 2012، عندما استغلت الجماعة، التي كانت آنذاك أصغر حجماً ولا يتجاوز عدد مقاتليها بضعة آلاف، الاضطرابات التي شهدها اليمن عقب انتفاضة الربيع العربي والإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح، لتوسيع قاعدة أنصارها في شمال البلاد.
وفي عام 2014، سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، ما أشعل حرباً أهلية مع الحكومة المدعومة من الغرب والسعودية.
واضطرت الحكومة إلى الانتقال إلى مدينة عدن الساحلية في الجنوب، حيث لا تزال تتخذ منها مقراً، كما حافظت على سيطرتها على مناطق شرقية من اليمن أقل كثافة سكانية.
وسرعان ما أحكم الحوثيون سيطرتهم على مؤسسات عسكرية ومدنية رئيسية تابعة للدولة، بما فيها ألوية الصواريخ والقوات الخاصة، إلى جانب امتلاك سلطة فرض الضرائب وجباية الإيرادات، وفقاً لمحمد الباشا.
وتمكنت الجماعة من الصمود في مواجهة الجولة الأولى من العمليات العسكرية التي شنها التحالف بقيادة السعودية بين عامي 2015 و2022.
وخلال تلك الفترة، ساعد مستشارون عسكريون من حزب الله اللبناني وإيران في تدريب القادة والمقاتلين الحوثيين، وتطوير قدرات الجماعة على تصنيع أسلحتها محلياً، بما فيها الطائرات المسيّرة والصواريخ، وفقاً لمحللين.
الذكاء الاصطناعي يدخل مجال تطوير الأسلحة
من المحتمل أيضاً أن يكون الحوثيون قد بدأوا استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة أسلحتهم وتطوير أنظمة التحكم فيها.
ففي سبتمبر/أيلول الماضي، أصدرت شركة التكنولوجيا الأمريكية «أنثروبيك» تقريراً قالت فيه إنها رصدت جهات تشكل تهديداً أمنياً، وتتمركز في شمال اليمن، تستخدم برنامجها «كلود كود» (Claude Code) بديلاً عن مهندسي البرمجيات البشريين.
ووفقاً للشركة، استخدمت هذه الجهات البرمجية في تطوير أنظمة التوجيه والملاحة والتحكم (GNC)، المسؤولة عن توجيه المركبات الجوية والحفاظ على استقرارها أثناء الطيران.
وشملت الأسلحة التي كانت تلك الجهات، التي لم تكشف الشركة عن هويتها، تحاول تطويرها صواريخ موجهة وصواريخ باليستية متعددة المراحل.
لكن «أنثروبيك» أوضحت أنها لا تمتلك أدلة على نجاح هذه الجهات في إنتاج منظومة عملياتية قابلة للاستخدام الفعلي.
ورغم قدرة الحوثيين على تصنيع بعض أسلحتهم محلياً، فإنهم لا يزالون يعتمدون على إيران للحصول على تقنيات أساسية وقدرات عسكرية متقدمة.
وفي هذا السياق، كتب فابيان هينز، محلل الأسلحة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، العام الماضي، أن الحوثيين «ما زالوا يعتمدون على إيران في التقنيات الأساسية والقدرات المتقدمة».
وأضاف أن الدعم الإيراني تطور في بعض المجالات من التزويد المباشر بمنظومات تسليح مكتملة إلى تمكين التصنيع المحلي، لكنه يظل عاملاً بالغ الأهمية في استمرار النشاط العسكري للحوثيين.
الحوثيون ركيزة متزايدة الأهمية في استراتيجية طهران
مع ذلك، فإن العلاقة بين إيران والحوثيين ليست علاقة منفعة من طرف واحد.
ففي ظل الضعف الشديد الذي أصاب حماس وحزب الله، أصبح الحوثيون ركيزة متزايدة الأهمية في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية.
وقال يوئيل غوزانسكي لشبكة «سي بي إس نيوز» إن الحوثيين يوفرون لطهران وسيلة منخفضة التكلفة نسبياً، وتتمتع بقدر كبير من القدرة على الصمود، لتهديد السعودية وإسرائيل والملاحة البحرية الدولية، وإظهار القوة الإيرانية على مسافات بعيدة تتجاوز حدود اليمن.
وأضاف: «يمكن القول إن القيمة الاستراتيجية للحوثيين بالنسبة إلى إيران لم تكن في أي وقت مضى أكبر مما هي عليه الآن، حتى مع احتفاظ الجماعة بقدر كبير من الاستقلالية في اتخاذ قراراتها».
ويعكس هذا التحول تغيراً في موازين القوى داخل الشبكة الإقليمية الحليفة لإيران، حيث انتقل الحوثيون من موقع الطرف الأقل نفوذاً إلى موقع أكثر مركزية في حسابات طهران العسكرية والاستراتيجية.
حرب اليمن المدمرة تمنح الحوثيين مزايا جغرافية وعسكرية
يتمركز الحوثيون في الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، حيث يمنحهم موقعهم الجغرافي قدراً من العزلة عن أي قوات برية خارجية، باستثناء القوات السعودية.
لكن السعودية، وفقاً لمحللين، لا تمتلك العدد الكافي من القوات البرية لخوض مواجهة مباشرة مع خصم يتمتع بمواقع دفاعية شديدة التحصين.
أما داخل اليمن، فيواجه الحوثيون قوات مناوئة لهم تتسم بالانقسام، رغم أن معظمها يصطف إلى جانب الحكومة المدعومة من السعودية.
وتعمل هذه القوات المناهضة للحوثيين ضمن هياكل قيادة عسكرية منفصلة، في مقابل جماعة تتمتع بدرجة أعلى من التنسيق الداخلي.
ومنذ انزلاق اليمن إلى الحرب عام 2015، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وفاة نحو 377 ألف شخص، أكثر من نصفهم نتيجة أسباب غير مباشرة مرتبطة بالصراع، مثل المجاعة والأمراض.
كما أسفرت الحرب عن نزوح أعداد كبيرة من السكان، وتدهور واسع في الأوضاع الإنسانية والمعيشية.
ووفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، فر أكثر من 201 آلاف و210 أشخاص من منازلهم، بينهم أكثر من 3700 شخص عبروا البحر إلى جيبوتي.
وأظهرت بيانات نشرتها منظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي أن وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية سجلت 959 قتيلاً و4207 مصابين نتيجة الأعمال القتالية المباشرة في عشر محافظات، خلال الفترة الممتدة من بداية سبتمبر/أيلول وحتى الثاني من أكتوبر/تشرين الأول.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الصحة التابعة للحوثيين، الثلاثاء، أن حصيلة القتلى جراء التصعيد العسكري الأخير خلال الفترة نفسها بلغت 107 أشخاص، إضافة إلى 278 مصاباً.
وتعكس هذه الأرقام الأعباء الإنسانية المتزايدة للحرب اليمنية، في وقت تستمر فيه المواجهة العسكرية بين الحوثيين والقوات الحكومية، وتتسع تداعيات الصراع إلى السعودية والممرات البحرية الحيوية للاقتصاد العالمي.
The post كيف جعلت إيران الحوثيين أكبر تحديات الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط؟ appeared first on يمن مونيتور.