تعز.. حيث يتنفس الخندق من رئة الشارع
official
1 hour ago
share
سبتمبر نت: مقال الدكتور/ عبدالله المسوري في أبجديات الحروب، غالباً ما تتجه عدسات التاريخ نحو القادة العسكريين، والخطط التكتيكية، وحركة الدبابات على الأرض، لكن القراءة الأعمق لفلسفة النزاعات تخبرنا أن الجيوش لا تقاتل في فراغ، بل تستند إلى جدار مجتمعي صلب؛ فإذا تداعى، انهارت الجبهة مهما بلغت قوتها التسليحية. وفي اليمن، وتحديداً في محافظة تعز خلال شهر سبتمبر/أيلول 2026، قدمت المحافظة نموذجاً حياً لهذه المقاربة؛ إذ لم يكن خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الذي دعا فيه إلى التعبئة العامة والنفير الوطني -في معركة استكمال تحرير ماتبقى من تراب الوطن من مليشيا الحوثي الارهابية المدعومة من ايران – مجرد استهلاك سياسي أو توجيه روتيني، بل كان أشبه بحجر أُلقي في بحيرة مجتمعية متحفزة. فما إن تجددت المواجهات، حتى التقط الشارع التعزي شفرة الخطاب، ليترجمها إلى ملحمة كبرى متجاوزاً المفهوم الكلاسيكي الذي يفصل بين “المؤسسة العسكرية” و”الحاضنة الشعبية”، ويعيد تعريف دور المجتمع من خانة “الضحية” إلى صانع رئيسي لمعادلة الصمود. لم يقتصر النفير في هذه المعركة الوطنية الكبرى على حمل السلاح في وجه مليشيا الحوثي الارهابية بل تجلى في حركة دؤوبة للمجموعات الأهلية التي حولت التفاصيل اليومية البسيطة إلى أدوات إسناد إستراتيجية مساندة للقوات المسلحة والمقاومة. وفي قلب هذا الحراك برزت المبادرات النسائية التي أعادت تعريف دور المرأة في تعز؛ فلم تعد مجرد أُمٍّ تنتظر عودة ابنها، بل أصبحت ركيزة لوجستية بامتياز، انتقل الجهد النسوي بمرونة لافتة من العفوية الفردية إلى التنظيم المؤسسي المتقن، عبر تشكيل لجان متخصصة تتوزع فيها الأدوار بانضباط عالٍ بين جمع التبرعات، والشراء، والطبخ والتغليف، وتأمين الأدوية وإيصال القوافل إلى خطوط النار. هذا الانتقال من العاطفة العشوائية إلى الفعل المنظم يعكس نضجاً مجتمعياً في التعاطي مع الأزمات، حيث يصبح التكافل الاجتماعي سلاحاً موازياً يضخ الحياة في عروق المقاتلين. وبموازاة هذا الجهد المادي اللوجستي، تشكل جدار صد معنوي لا يقل أهمية، تقاسمت أدواره مختلف مكونات وشرائح المجتمع في تعز، فلم يترك المجتمع ثغرة يمكن أن يتسلل منها اليأس؛ إذ عملت المساجد بمنابرها ومكوناتها الدعوية على التأصيل الروحي لمفهوم الدفاع عن الأرض والحرية والكرامة والحق في الحياة مؤيدةً مسار التعبئة العامة. وإلى جانبها، اصطف الإعلاميون والمثقفون والفنانون والوجهاء الاجتماعيون، كلٌّ يعزف على وتره الخاص بطمأنة الأهالي، وتأطير وعي الشارع، وتحصين الجبهة الداخلية من الشائعات. لقد خلقت هذه الحالة سيمفونية مجتمعية أعادت صياغة الوجدان العام ليتلاءم مع متطلبات اللحظة، وأسقطت الحدود الجغرافية والنفسية للجبهة. ففي تعز اليوم، امتدت خطوط النار اجتماعياً لتخترق الأحياء وتستقر في المنازل والأسواق، وباتت أسرة المقاتل، والتاجر في سوقه، والطبيب في عيادته، أجزاءً عضوية من منظومة الإسناد لمعركة دحر مليشيا الحوثي الارهابية المتربصة شرا بالمدينة وابناءها وباليمن ككل، وتجلت حركة جماعية من المشاركة تصهر الفوارق وتثبت أن الحرب رغم قسوتها، قادرة على استخراج أصلب ما في المجتمعات من إرادة، لتؤكد في النهاية أن الجيوش المؤمنة بعدالة قضيتها واسناد فئات المجتمع هي من تصنع النصر .

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows