من الساحل إلى صنعاء.. ماذا يعني إعلان التعبئة العامة للحرب في اليمن؟
Civil
1 week ago
share
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من فاطمة حسين لم يعد الحديث الحكومي عن الوصول إلى صنعاء مجرد هدف عسكري مؤجل أو شعار يتكرر مع كل جولة قتال. فبعد التحولات الكبيرة التي شهدها الساحل الغربي خلال الأسابيع الماضية، تحركت القيادة اليمنية باتجاه إجراء لم تلجأ إليه بهذه الصورة منذ اندلاع الحرب: التعبئة العامة. الخطوة تعني، إذا انتقلت من النصوص القانونية إلى التطبيق الكامل، أن المعركة لن تعود شأناً خاصاً بوحدات الجيش الموجودة على خطوط التماس؛ بل يمكن أن تمتد إلى مؤسسات الدولة ومواردها وقطاعات النقل والاتصالات والمستشفيات والموانئ والمطارات، إضافة إلى الاحتياط البشري والعسكري. وفي 25 سبتمبر/أيلول، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اليمنيين إلى “التعبئة العامة والنفير الوطني”، والالتحاق بالقوات المسلحة والأمن عبر القنوات الرسمية، بالتوازي مع إعلان فتح باب العودة لمن يتركون جماعة الحوثيين ويتوقفون عن القتال أو العمل لصالحها. وفي 28 سبتمبر، أعلن مكتبه أن الإجراءات التنفيذية لقراري التعبئة و”العودة الآمنة” تجري مناقشتها بعد استكمال مساراتهما الدستورية والقانونية. وهنا تكمن أهمية التطور: فالحكومة لا تتحدث فقط عن جولة قتال جديدة، وإنما عن تغيير الطريقة التي تُدار بها الحرب نفسها. من الساحل إلى المرحلة التالية جاء قرار التعبئة في ظرف عسكري مختلف عن السنوات الماضية. فتطورات الساحل الغربي دفعت إلى إعادة ترتيب مسرح العمليات الحكومي، في وقت تصاعد فيه الخطاب الرسمي بشأن الانتقال من احتواء الحوثيين إلى استعادة زمام المبادرة، وصولاً إلى الحديث عن تحرير بقية المناطق الخاضعة لسيطرتهم. وكان العليمي قد أكد في 17 سبتمبر قدرة الدولة على استعادة المبادرة في الساحل الغربي و”استكمال تحرير كافة أراضيها”، قبل أن يدعو بعد ثمانية أيام إلى التعبئة العامة. وبين الحدثين تبدو الرسالة السياسية والعسكرية واضحة من حيث الاتجاه، وإن كانت تفاصيل الخطط الميدانية غير معلنة: ما بعد معركة الساحل لا يراد له، من وجهة نظر القيادة الحكومية، أن يكون مجرد تثبيت لخطوط جديدة، وإنما مقدمة لإعادة تنظيم أوسع للحرب. مدير مكتب الجزيرة في اليمن سعيد ثابت يرى أن هذا هو المعنى الأهم للخطوة. ويقول إن قرار التعبئة يحمل مؤشراً إلى أن العمليات “لن تتوقف عند حدود التعبئة”، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد عمليات عسكرية أكبر تحت غطاء رسمي وقانوني. ويضيف: “الأمر ليس كما كان في السابق، عمليات محدودة، وإنما عملية شاملة”، مشيراً إلى أن الحكومة عملت خلال الفترة الماضية على توحيد صناعة القرار العسكري وإعادة تنظيم المناطق العسكرية، وأن ما حدث في الساحل دفع الجانب الحكومي إلى إعادة ترتيب وضعه. ماذا تعني التعبئة فعلياً؟ قانونياً، التعبئة العامة أوسع بكثير من فتح باب التجنيد. فقانون الاحتياط العام رقم 23 لسنة 1990 يعرفها بأنها تهيئة جميع موارد البلاد المادية والبشرية والمعنوية ونقلها من الوضع السلمي إلى وضع يتناسب مع الحرب. كما يضع منظومة للاحتياط البشري والمادي يمكن تفعيلها عند التعبئة. العميد ياسر صالح، المحلل العسكري، يختصر المفهوم بقوله إن التعبئة تعني “تسخير الدولة لكل مواردها لدعم العمل العسكري”. وبحسب صالح، يمكن أن يشمل ذلك استدعاء عسكريين سابقين، وفتح المعسكرات، وتوسيع التجنيد، إلى جانب وضع إمكانات مؤسسات الدولة في خدمة الهدف العسكري. ويقول صالح: تصبح مؤسسات الدولة، مثل وزارات التربية والاتصالات والصحة، مسخرة لخدمة القوات المسلحة”، في إشارة إلى أن القرار لا ينقل الجيش وحده إلى حالة مختلفة، وإنما يعيد ترتيب أولويات الجهاز الحكومي نفسه. وهذا المعنى يجد له أساساً مباشراً في قانون الاحتياط؛ فالمادة 39 تنص على أنه عند إعلان التعبئة العامة تتحول وسائل النقل والاتصالات والمطارات والموانئ ومحطات الوقود والمستشفيات والعيادات والمجمعات الصحية إلى “نظام المجهود الحربي”. كما يسمح القانون باستخدام وسائل النقل البرية والجوية والبحرية، وشبكات الاتصال، ومعدات الإعلام والهندسة والبناء، والمطارات والموانئ والطرق الاستراتيجية والمنشآت الطبية لخدمة الاحتياط والمجهود العسكري. هل نحن أمام «حكومة حرب»؟ يذهب صالح إلى وصف المرحلة المحتملة بأنها أقرب إلى مفهوم “حكومة الحرب”؛ أي حكومة تعيد توجيه جزء أساسي من قراراتها ومواردها لخدمة الهدف العسكري. ويقول: “عندما تدخل الدولة في حالة حرب، يجب على الحكومة بكاملها أن تخدم الأداة التي تحقق الهدف الاستراتيجي”. لكن ذلك لا يعني بالضرورة إيقاف الخدمات المدنية أو تحويل جميع الموظفين إلى مقاتلين. فالمفهوم القانوني أوسع: المستشفى يخدم المجهود الحربي من خلال قدرته الطبية، وقطاع الاتصالات من خلال شبكاته، والنقل من خلال آلياته، والسلطات المحلية من خلال إدارة الموارد الموجودة تحت تصرفها. المحلل السياسي اليمني مانع المطري يؤكد النقطة ذاتها، قائلاً إن إعلان التعبئة “لا يعني فقط مسألة الحشد البشري”. ويضيف: “هو يعني تسخير كل موارد الدولة الاقتصادية والمادية والبشرية وفقاً لقانون الاحتياط العام رقم 23”. وبحسب المطري، الفرق بين الخطوة الحالية ودعوات النفير السابقة هو أن التعبئة ليست مجرد دعوة سياسية طوعية، بل إجراء يستند إلى إطار قانوني ويمنح الجهات الحكومية صلاحيات والتزامات أوسع في إدارة الموارد والاحتياط. البشر أيضاً ضمن المعادلة ولا يخلو القرار بطبيعة الحال من بُعد بشري. فقانون الاحتياط ينظم استدعاء فئات من الاحتياط العسكري والبشري، ويشمل ضمن تعريفاته مواطنين وعسكريين سابقين وفق شروط وفئات عمرية محددة، كما يفرض التزامات مرتبطة بالاستدعاء أثناء الحرب والتعبئة. لكن سعيد ثابت يحذر من اختزال الخطوة في صورة حملة تجنيد جماعي. ويقول إن التعبئة “ليست بالضرورة جانباً بشرياً، إنما وضع كل إمكانات الدولة ومقدراتها المحدودة في خدمة العملية العسكرية”. وهذا ربما يفسر لماذا يترافق الحديث عن التعبئة حالياً مع إعادة تنظيم القوات ومسرح العمليات والقرارات العسكرية أكثر من اقترانه بإعلانات فورية عن تجنيد واسع. صنعاء في خلفية القرار المغزى الأهم يبقى في السؤال: ما الهدف النهائي لكل ذلك؟ في الخطاب الحكومي، تتكرر عبارة “استعادة الدولة”، فيما أصبح الوصول إلى صنعاء حاضراً بصورة أكثر وضوحاً في الخطاب العسكري والسياسي المصاحب للتطورات الأخيرة. ويرى سعيد ثابت أن الحكومة تتجه إلى وضع مختلف عما سبق، قائلاً إن الإمكانات يجري توجيهها نحو ما يسميه مجلس القيادة مشروع “استعادة صنعاء والدولة”. أما العميد ياسر صالح فيعتبر أن المرحلة تجاوزت، في تقديره، سنوات الجمع بين الخيارين السياسي والعسكري، إلى تقديم الخيار العسكري بوصفه المسار الأكثر حضوراً. ويقول: “اتُخذ قرار الحرب” بعد سنوات من محاولات الوصول إلى تسوية، حسب توصيفه. لكن إعلان التعبئة، من الناحية القانونية، لا يلغي بذاته إمكانية أي مسار سياسي مستقبلي. ولذلك يبقى الحديث عن إغلاق نهائي للمفاوضات قراءة سياسية يقدمها محللون، وليس أثراً قانونياً تلقائياً للقرار. العفو.. تفكيك الجبهة المقابلة بالتوازي مع التعبئة، تبنت القيادة الحكومية مساراً آخر يقوم على محاولة تقليص الكتلة البشرية التي تقاتل إلى جانب الحوثيين. ففي خطابه في 25 سبتمبر، أعلن العليمي فتح باب “العودة الآمنة”، وقال إن من يترك الجماعة ويتوقف عن القتال أو العمل لصالحها سيكون مشمولاً بعفو يصدر وفق الإجراءات القانونية والدستورية. ويرى ياسر صالح أن وضع العفو إلى جانب التعبئة ليس تفصيلاً منفصلاً، بل جزء من استراتيجية المرحلة. ويقول إن الرسالة الموجهة إلى الموجودين في صفوف الحوثيين هي أن “كل من سيضع السلاح سيكون خارج هذه المعادلة”، معتبراً أن الهدف يشمل أيضاً الشخصيات الاجتماعية والموظفين والمسؤولين الذين قد يجدون أنفسهم تحت ضغط للمشاركة في الحشد. بهذا المعنى تعمل الحكومة على خطين متوازيين: تعبئة الموارد والقوى الموجودة تحت سلطتها، وفي المقابل تشجيع خروج أفراد من صفوف الطرف الآخر. الاختبار الأصعب يبدأ الآن مع ذلك، يبقى الانتقال من إعلان التعبئة إلى تنفيذها أكثر تعقيداً من إصدار القرار نفسه. فالحكومة تحتاج إلى تحديد آليات استدعاء الاحتياط، وتنظيم عملية التجنيد، وضبط العلاقة بين وزارة الدفاع والسلطات المحلية، وتحديد الموارد المدنية التي ستدخل فعلياً في المجهود الحربي. وفوق ذلك، عليها التعامل مع إرث سنوات من تعدد التشكيلات العسكرية ومراكز القيادة داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت التعبئة تمنح الحكومة أدوات قانونية أوسع؛ فالقانون يفعل ذلك بالفعل، وإنما ما إذا كانت قادرة على تحويل هذه الأدوات إلى قيادة عسكرية موحدة وموارد قابلة للاستخدام في حرب واسعة. الخطوات التنفيذية التي ناقشتها القيادة في 28 سبتمبر ستكون أول اختبار لذلك. وبين الساحل الغربي وصنعاء مسافات وجبهات وحسابات عسكرية شديدة التعقيد، ولا يكفي إعلان التعبئة وحده لتحديد اتجاه الحرب أو نتائجها. لكنه يكشف، في الحد الأدنى، عن تغيير في تصور الحكومة للمرحلة المقبلة: من إدارة جبهات متفرقة وعمليات محدودة، إلى محاولة تعبئة الدولة ومؤسساتها ومواردها خلف مجهود عسكري أكثر اتساعاً. ولهذا فإن السؤال في الأيام المقبلة لن يكون فقط كم شخصاً سيلتحق بالجبهات، بل ما إذا كانت الحكومة ستنجح في بناء المنظومة التي يفترض أن تقف خلفهم: قيادة موحدة، اقتصاد حرب، إمداد، مؤسسات مدنية مساندة، وقرار عسكري قادر على الانتقال من تثبيت ما بعد الساحل إلى المرحلة التي يضع الخطاب الحكومي صنعاء في نهايتها. The post من الساحل إلى صنعاء.. ماذا يعني إعلان التعبئة العامة للحرب في اليمن؟ appeared first on يمن مونيتور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows