
صحيفة الثوري – (ثقافة وفنون)
خالد طربوش
كلما عدت إلى بعض الأغاني اليمنية القديمة أشعر أننا لم نقرأها بعد كما ينبغي.
نسمعها، نغني معها، وننطرب ونستمتع بها، لكن في داخل بعضها حكاية كاملة للإنسان والمكان والزمن: حب وفراق وغياب وانتظار، وأحياناً مأساة تصلح موضوعاتها لأن تكون فيلماً سينمائياً.
مثلاً «يا حمامي أمانة ما دهاك» من أشهر ما غناه الفنان محمود الحارثي، وهي من قصائد عبدالرحمن الأنسي.
تدور القصيدة حول حمامة غادرت موضع الأمان وانتهت إلى الهلاك، وتعكس قصة حقيقية متداولة تقول إن الحمامة ترمز إلى فتاة جميلة كانت تغني بصوت عذب، أحبها أحد الأمراء وأرادها لنفسه، فلما رفضته اختطفها، وانتهى الأمر بقتلها، وأن القصيدة جاءت رثاءً لها وعتاباً من أبيها لأنها غادرت موضع الأمان.
لكن هذه قصة متداولة وتحتاج إلى أن تجمع بشكل أوسع وتوثيق، فهي مادة مغرية لأي كاتب رواية أو سيناريست محترف.
نصل إلى أغنية «وادي الضباب»، كلمات عبدالله عبدالوهاب نعمان الفضول وغناء وألحان أيوب طارش.
هنا تبدو الحكاية أكثر وضوحاً، لكنها أيضاً تحتاج إلى التمييز بين ما هو موثق وما هو مروي.
بحسب رواية منسوبة إلى عزيزة النعمان، زوجة الفضول، فإن القصيدة ارتبطت بقصة حب وفراق تعود إلى فترة ما قبل زواجهما. كانت عزيزة في طريقها من تعز إلى صنعاء برفقة والدها، وكان الفضول متعلقاً بها، وتروي الرواية أنه ركب سيارة أخرى وسار خلف السيارة التي كانت تقلها، وظل يتبادل معها النظرات من خلال زجاج النوافذ حتى وصلا إلى وادي الضباب، حيث افترقت الرحلة ومضت هي في طريقها، بينما بقي هو هناك.
في تلك اللحظة، لم يعد الوادي مجرد مكان على الطريق.
تحول إلى شاهد على الفراق.
ومن هنا يمكن أن نفهم واحدة من أجمل صور القصيدة:
وادي الضباب ماءك غزير سكاب
نصك سيول والنص دمع الأحباب
الماء الذي يملأ الوادي يتحول في عين العاشق إلى نصفين: نصفه ماء الوادي، والنصف الآخر دموع الأحباب.
ثم تأتي الجبال:
هذي الجبال الشامخات الانكاب
من خلفها وجه الحبيب قد غاب
الجبل هنا ليس منظراً طبيعياً، إنه الحاجز الذي أخفى وجه الحبيب.
وهذه الرواية، مهما احتاجت إلى مزيد من التوثيق، تفتح باباً مهماً لقراءة الأغنية الفضولية التي أكثر من جيد نقلها والوعي بها الأخ عبد الملك الحاج.
ثم نصل إلى «حجة الغائب معاه» لأبي بكر سالم، فنجد نموذجاً مختلفاً: الغياب والعتاب والأسرة تتحول إلى أغنية بقيت في الذاكرة، وكان وراء الكلمات حياة كاملة لم يقل لنا أصحابها كل تفاصيلها.
وهنا أظن أن السؤال يستحق أن يُطرح:
لماذا لا نبحث في الأغنية اليمنية عن الحكاية التي وراءها؟
من كتبها؟ ولمن؟ وما الذي حصل؟
لدينا مئات الأغاني والقصائد من صنعاء وتعز ولحج وحضرموت وعدن وتهامة وأبين وتعز والمهرة وغيرها، وفي كثير منها تفاصيل عن حياة اليمنيين لا نجدها مكتوبة في الكتب: أماكن وعادات وأسفار وهجرة وحب وفقد وانتظار وطريقة الناس في رؤية الحياة والزمن.
سنجد مواد سينمائية بها ثرية.
فربما نكتشف أن أغنية كانت تبدو لنا مجرد وصف لمكان، هي في الحقيقة رسالة عاشق إلى امرأة، وأن أغنية أخرى تخفي وراء كلماتها حادثة موت أو هجرة أو فراق، وأن مكاناً نردده في الغناء كان شاهداً على لحظة لم تُكتب في أي كتاب.
لأن الأغنية اليمنية ليست صوتاً ولحناً وكلمات فقط.
في بعضها ذاكرة إنسان، وذاكرة مكان، وذاكرة زمن.
فأبناؤنا لا ينبغي أن ترث الأغنية وحدها.
ينبغي أن ترث الحكاية التي جعلتها تعيش.
The post الأغنية اليمنية حكاية first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.