من سبتمبر وأكتوبر إلى استعادة الدولة.. جبال وتباب تختزن ذاكرة الثورات اليمنية
Party
3 hours ago
share

عادت جبال وتباب يمنية إلى واجهة المشهد مع كل مرحلة من مراحل مقاومة الإمامة والكهنوت، حاملةً أسماء ارتبطت بثورات وحروب ومعارك متعاقبة، حتى أصبح بعضها جزءًا من الذاكرة العسكرية والسياسية لليمن.

 

فمن سهول تهامة التي شهدت مقاومة الزرانيق في عشرينيات القرن الماضي، إلى مواقع ثورة 1948، ثم جبال الثورة والجمهورية وحصار صنعاء، وصولًا إلى جبال ردفان التي ارتبط اسمها بثورة 14 أكتوبر، ظل المكان حاضرًا في تفاصيل التحولات التي شهدها اليمن، ووراء هذه المواقع ثوار ومقاتلون واجهوا أنظمة الحكم الإمامي والاستعمار البريطاني ودافعوا عن الجمهورية.

 

وبعد عقود، عادت أسماء أخرى إلى الواجهة مع سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء في سبتمبر 2014 واتساع الحرب في العام التالي؛ فبرزت تباب وجبال في تعز ومأرب ولحج والضالع وصعدة وغيرها، وأصبحت مواقع مثل المصارية والبلق وصرواح، ومشرعة وحدنان وجبل صبر والدحي والنعمان، جزءًا من جغرافيا الحرب الحديثة.

 

وبينما تغيرت الأسلحة والقوات وخطوط التماس، بقيت الأرض في مواقع كثيرة على حالها، تحمل أسماء معارك مضت، وتستقبل مقاتلين جددًا في حروب مختلفة، ضمن مسار متصل لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

 

ثورة الزرانيق

 

قبل ثورة 26 سبتمبر بأكثر من ثلاثة عقود، كانت تهامة قد عرفت واحدة من أبرز حركات المقاومة المسلحة ضد حكم الإمامة، حين تحولت المواجهات بين الزرانيق والقوات الإمامية إلى حركة مقاومة واسعة في عشرينيات القرن الماضي.

 

وفي عام 1928 اتخذت المقاومة طابعًا أكثر اتساعًا بقيادة الشيخ أحمد فتيني جنيد، بعد سنوات من التوتر والمواجهات. وامتدت مناطق الزرانيق بين شمال بيت الفقيه والمنصورية، وجنوب بيت الفقيه والحسينية والقاصرة، لتصبح المنطقة مسرحًا لعمليات عسكرية متكررة.

 

ومن المواقع التي ارتبط اسمها بتلك المرحلة القوقر في منطقة الزرانيق بمحافظة الحديدة، حيث شهد مايو 1929 واحدة من المعارك المعروفة في تاريخ المقاومة التهامية.

 

كما ارتبطت غليفقة بالحركة الزرانيقية، وكانت المنطقة الساحلية وميناؤها جزءًا من البيئة الجغرافية التي تحركت فيها المقاومة واستفادت منها في تأمين الإمدادات.

 

ولذلك لم تكن مقاومة الزرانيق مرتبطة بمدينة واحدة أو مركز إداري محدد، وإنما تشكلت داخل امتداد جغرافي واجتماعي واسع في تهامة، جعل من السهل والقرى والمواقع الساحلية قاعدة لحركة استمرت سنوات.

 

1948.. مواقع دخلت ذاكرة الثورة

 

جاءت ثورة 1948 في سياق مختلف عن حروب الجبال الطويلة، لكنها تركت هي الأخرى مواقع ارتبطت بأحداثها ورجالها.

برزت حجة وقلعتها في مقدمة تلك المواقع، بعد أن وصلت إليها قوات الإمام أحمد، وتحولت القلعة إلى سجن وموقع احتجاز لعدد من الثوار والدستوريين، ثم أصبحت حجة واحدة من أهم مناطق التعامل مع آثار الثورة.

 

وفي تعز برزت قلعة القاهرة ضمن الخريطة التي ارتبطت بالحركة الوطنية والصراع على المدينة، فيما ظهرت المخادر في إب ضمن التحركات والطرق التي اتصلت بالثوار المتجهين نحو صنعاء.

 

وبذلك دخلت المدن والمرتفعات والطرق التي تحرك فيها رجال الثورة إلى ذاكرة تلك المرحلة، حتى وإن لم تتحول جميعها إلى ساحات قتال بالمعنى الذي عرفته حروب لاحقة.

 

 من الثورة إلى حصار السبعين

 

بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، دخل اليمن في حرب طويلة بين الجمهوريين والامامين، وتحولت الجبال المحيطة بصنعاء والمدن والطرق الرئيسية إلى مواقع للتمركز والدفاع والهجوم.

 

وفي حصار السبعين، الذي بدأ في 28 نوفمبر 1967 واستمر حتى فبراير 1968، اكتسبت المرتفعات المحيطة بصنعاء أهمية عسكرية كبيرة، واستخدمت في القصف والتمركز وقطع طرق الإمداد. وتظهر شهادات ومذكرات المشاركين في تلك الفترة أسماء نقم وبراش وعيبان وعصر والنهدين وغيرها ضمن خريطة المعارك حول العاصمة.

 

في الشرق برز جبل نقم، الذي شهد مواجهات وقصفًا متكررًا، وكان موقعه جزءًا أساسيًا من منظومة الدفاع عن العاصمة. وارتبط به جبل براش، الذي كان يسيطر على مواقع مهمة في محيط نقم، وتعرض الاثنان لهجمات وقصف مدفعي متكرر خلال الحصار.

 

وفي الغرب ظهر جبل عيبان إلى جانب عصر والنهدين والصباحة ضمن شبكة المواقع التي دارت حولها المعارك. وكان عيبان جزءًا من معركة فتح الطريق بين الحديدة وصنعاء، وانتهت العمليات إلى سيطرة القوات الجمهورية عليه، في سياق المعارك التي ساهمت في فك الحصار عن العاصمة.

 

وامتدت المواجهات إلى بني حشيش ومواقع أخرى في محيط صنعاء، فيما ظلت حجة وطرق الشمال الغربي جزءًا من مسرح العمليات.

 

وتوضح وثائق وشهادات تلك المرحلة أن السيطرة على المرتفعات والطرق كانت عنصرًا رئيسيًا في حركة القوات وعمليات الإمداد خلال الحصار.

 

وهكذا ارتبطت أسماء نقم وبراش وعيبان وعصر وبني حشيش وغيرها بمرحلة لم تكن فيها الجبال مجرد خلفية للمعارك، وإنما مواقع مؤثرة في الدفاع عن العاصمة وفتح طرق الإمداد إليها.

 

ردفان.. من سبتمبر إلى  أكتوبر

 

على الطرف الآخر من البلاد، كانت جبال ردفان تدخل مرحلة جديدة من التاريخ اليمني، فبعد مشاركته في القتال إلى جانب المدافعين عن ثورة 26 سبتمبر في الشمال، عاد الشهيد راجح بن غالب لبوزة إلى ردفان عام 1963، حاملًا معه تجربة القتال في جبهات الجمهورية.

وعندما تصاعد التوتر مع القوات البريطانية، تمركز الثوار في المرتفعات، ودارت في 14 أكتوبر 1963 مواجهات في ردفان انتهت باستشهاد لبوزة متأثرًا بشظايا قذيفة مدفعية، ليصبح اسمه مرتبطًا بانطلاق ثورة 14 أكتوبر.

 

ومنذ ذلك التاريخ ارتبطت جغرافيا ردفان بأسماء مواقع مثل نقيل الربوة، جبل البكري، وادي ربوة، جبل البتة، حبيل الصُّبحة والوفيزة وغيرها، وأصبحت الجبال قاعدة للعمليات ضد القوات البريطانية.

 

وتكشف مسيرة لبوزة عن تداخل جغرافي وبشري بين ثورتي سبتمبر وأكتوبر؛ فقد كان القتال في جبال الشمال بالنسبة لمقاتلين من الجنوب جزءًا من تجربة سبقت عودتهم إلى ردفان، ثم تحولت الجغرافيا نفسها إلى ساحة لثورة جديدة.

 

مأرب.. أسماء من حرب إلى أخرى

 

في مأرب، تحمل بعض المواقع ذاكرة عسكرية تتجاوز الحرب الحالية، وتأتي تبة المصارية في مقدمة هذه المواقع؛ فالاسم ارتبط بفترة وجود القوات المصرية إلى جانب الجمهوريين خلال حرب الستينيات ضد الاماميين، قبل أن يعود الموقع إلى واجهة القتال في الحرب التي اندلعت عام 2015.

 

وفي حرب استعادة الدولة برزت مواقع المصارية والجفينة والبلق ضمن جغرافيا القتال في مأرب، ثم أصبحت صرواح غرب المحافظة أحد أبرز محاور المواجهة.

 

وفي صرواح استشهد اللواء عبدالرب الشدادي في أكتوبر 2016 أثناء قيادته المعارك هناك، وبعد سنوات ارتبط اسم العميد عبدالغني شعلان بجبهة صرواح وجبل البلق، حيث استشهد في فبراير 2021 مع عدد من رفاقه أثناء المواجهات في جبهة مأرب.

 

وبقيت أسماء المصارية والجفينة والبلق وصرواح حاضرة في ذاكرة الحرب ضد الاماميين الجدد، إلى جانب مواقع وتباب أخرى في المحافظة.

 

تعز.. خريطة واسعة

 

في تعز تبدو العلاقة بين الجبل والمدينة أكثر وضوحًا، فالمدينة تحيط بها سلسلة من المرتفعات التي تحولت، منذ السنوات الأولى للحرب، إلى مواقع للتمركز والقصف والقتال.

 

في مقدمة هذه الجغرافيا يأتي جبل صبر، المطل على مدينة تعز من الجنوب، وترتبط به مشرعة وحدنان والمسراخ ونجد قسيم، التي شهدت واحدة من أبرز جبهات القتال في بدايات الحرب.

 

كانت مشرعة وحدنان من المناطق التي دارت فيها مواجهات واسعة عام 2015، وتحولت مرتفعاتها وطرقها وقراها إلى مواقع للقتال، قبل أن تنتقل المعارك إلى مواقع أخرى في جبل صبر ومحيطه.

 

وفي امتداد جبل صبر برزت مواقع ومرتفعات أخرى، بينها جبل جَرّة، فيما دخلت تبة السلال وتبة سوفتيل وجبل المكلكل ضمن الجغرافيا العسكرية للجهة الشرقية من مدينة تعز.

 

وفي الجهة الغربية من المدينة برز الدحي والتباب والمرتفعات المحيطة به، بينما ارتبطت مناطق الضباب ومواقعها بالمعارك التي شهدتها المدينة ومداخلها الغربية.

أما في الريف، فبرز جبل النعمان في مديرية جبل حبشي إلى جانب مناطق ومرتفعات أخرى في المديريات الغربية والجنوبية، وأصبحت الكدحة والبرح ومقبنة والأحكوم وحيفان والصلو وغيرها أسماء متداولة في خريطة الجبهات.

 

وتظهر التقارير الميدانية استمرار أهمية المرتفعات في جبهات تعز، مع تسجيل مواجهات في جبل حبشي ومناطق الكدحة والبرح ومقبنة والأحكوم وحيفان والصلو ومواقع أخرى.

 

وفي غرب تعز والساحل، تتصل هذه الجغرافيا بسلسلة أخرى من المرتفعات والمواقع، بينها الوازعية وموزع وذباب ومعسكر العمري وكهبوب المطلة على مضيق باب المندب.

 

وتقع كهبوب ضمن مديرية المضاربة ورأس العارة في محافظة لحج، وتطل مرتفعاتها على باب المندب، لتجمع بين طبيعة الموقع الجبلية وموقعه على أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.

 

وهكذا تمتد جغرافيا تعز من جبل صبر ومشرعة وحدنان في الجنوب، إلى جرة والسلال وسوفتيل والمكلكل والدحي في محيط المدينة، ثم إلى جبل النعمان وجبل حبشي والكدحة والبرح ومقبنة في الريف، وصولًا إلى الوازعية والساحل الغربي.

 

مران وبداية حروب جديدة

 

في صعدة، ارتبط جبل مران ببداية الحروب التي اندلعت بين جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية منذ عام 2004.

تحول الجبل إلى مركز للقتال والتحصينات، ثم امتدت المواجهات إلى مناطق جبلية أخرى في المحافظة، من بينها النقعة ورازح وباقم.

 

ومع اندلاع الحرب الأوسع عام 2015، عادت الجغرافيا الجبلية في صعدة إلى واجهة العمليات، في بيئة مختلفة من حيث حجم القوات والأسلحة واتساع رقعة الصراع.

 

وأصبح مران واحدًا من الأسماء التي تختصر مرحلة من مراحل الحرب اليمنية الحديثة، مثلما تختصر نقم وبراش وعيبان مرحلة حصار صنعاء، وردفان مرحلة ثورة أكتوبر.

 

جبال لها تاريخ

 

من القوقر وغليفقة في تهامة، إلى حجة والمخادر في ذاكرة 1948، ثم نقم وبراش وعيبان وعصر وبني حشيش في حرب الجمهورية والملكية، وصولًا إلى ردفان في ثورة أكتوبر، تتكرر في التاريخ  أسماء الجبال والمرتفعات باعتبارها مواقع ارتبطت بمراحل التحول والصراع.

 

وفي حرب استعادة الدولة، اتسعت الخريطة لتشمل المصارية والجفينة والبلق وصرواح في مأرب، وجبل صبر ومشرعة وحدنان وجبل جرة وتبة السلال وتبة سوفتيل وجبل المكلكل والدحي وجبل النعمان ومواقع جبل حبشي والكدحة والبرح في تعز، ومران والنقعة ورازح وباقم في صعدة، وكهبوب في لحج.

 

تغيرت الأسلحة، وتبدلت القوات وخطوط التماس، لكن الجبل بقي في مكانه، وفي كثير من هذه المواقع، تتجاور ذاكرة معركة قديمة مع آثار حرب أحدث، بينما يواصل أبطال آخرون وجودهم في مواقع القتال، وتبقى أسماء الشهداء الذين سقطوا فيها جزءًا من ذاكرة المكان.

 

ومن سبتمبر إلى أكتوبر، ومن الزرانيق إلى ردفان، ومن حصار صنعاء إلى جبهات مأرب وتعز وصعدة والساحل، تظل أسماء الجبال والتباب حاضرة في رواية اليمن الحديثة؛ تتغير الأجيال وتتبدل أدوات القتال، بينما تبقى الأرض شاهدة على ما جرى فوقها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows