سبتمبر نت: القاضي/ صلاح القميري
أحاط المشرّع اليمني القدرة الدفاعية للقوات المسلحة بحماية جنائية مشددة في الباب الثالث من قانون الجرائم والعقوبات العسكرية رقم (21) لسنة 1998م، ولا سيما الأحكام الخاصة بالجرائم المرتبطة بالعدو، فلم يقصر التجريم على الأفعال التي تقع في مواجهة العدو مباشرة، وإنما امتد إلى كل سلوك يؤدي إلى تسليمه أو تمكينه من موقع أو منشأة عسكرية، أو ترك وسائل الدفاع والمعدات والمهمات في حوزته، أو كشف أسرار الدفاع، أو تعطيل العمليات القتالية، متى توافرت الشروط التي حددها القانون.
وتشمل الحماية الجنائية:
المعسكرات والثكنات والقواعد والمراكز والمواقع والمنشآت والمخازن والحاميات والمعدات والأسلحة والذخائر والمهمات والتجهيزات ووسائل المواصلات والمؤن، فضلًا عن الوثائق والخطط والخرائط والسجلات والمعلومات والأسرار ذات الصلة بالدفاع والعمليات العسكرية؛ إذ إن الموقع العسكري لا يمثل مجرد مكان، وإنما يمثل وحدة دفاعية متكاملة تتصل سلامتها بما أُعد فيها وما يتوافر لها من قوة ووسائل ومعلومات.
وتأتي المادة (15) في صدارة النصوص ذات الصلة، إذ تعاقب من يرتكب بقصد الخيانة إحدى الجرائم التي عددها المشرّع، ومن أبرزها تسليم حامية أو موقع أو مركز للعدو، أو إلقاء الأسلحة أو الذخائر أو المهمات أو التجهيزات أمامه دون سبب قاهر، وكذلك تسهيل دخول العدو أو تسليمه مواقع أو منشآت أو معدات أو أسلحة أو ذخائر أو غير ذلك مما أُعد للدفاع أو يستعمل فيه دون استنفاذ جميع وسائل الدفاع التي لديه ودون القيام بما يقتضيه الواجب والشرف العسكري.
وهذه العبارة ذات دلالة جوهرية في تكييف حالات الإخلاء العسكري؛ إذ إن الانسحاب ليس جريمة بمجرده، وقد يكون قرارًا عسكريًا مشروعًا تفرضه الضرورة العملياتية أو تقتضيه إعادة الانتشار. وإنما يثور التجريم عندما يتجاوز الإخلاء حدود القرار العسكري المشروع، فيتحول إلى تسليم أو تمكين للعدو، أو يتم دون استنفاذ وسائل الدفاع المتاحة ودون القيام بما يقتضيه الواجب العسكري، ولا سيما إذا ترتب عليه ترك الأسلحة والذخائر والمهمات والتجهيزات والمعدات أو تسليم الموقع ومرافقه للعدو.
وعليه، فإن فحص مشروعية الإخلاء ينصرف إلى الظروف التي صدر فيها القرار، والسلطة المختصة بإصداره، والوسائل الدفاعية المتاحة ومدى استنفاذها، وإمكان مواصلة الدفاع أو إعادة الانتشار المنظم، والتدابير المتخذة لتأمين القوة وإخلاء وسائل الدفاع، وحماية ما تعذر نقله من الوقوع في يد العدو.
ولا تنتهي المسألة عند الأسلحة والذخائر، فالحماية الجنائية تمتد إلى وثائق الدفاع وأسراره ومعلوماته. وقد جرّمت المادة (15) تسليم أو إفشاء أسرار الدفاع للعدو أو لمن يعمل لمصلحته، كما جرّمت إتلافها لمصلحته أو جعلها غير صالحة للانتفاع بها. ومن ثم فإن إخلاء أي موقع عسكري يقتضي بحث كيفية التعامل مع الوثائق والخرائط والخطط والسجلات ووسائل الاتصال والمعلومات ذات الطبيعة الدفاعية، وما إذا أُخليت وأُمنت واتخذت التدابير اللازمة لمنع العدو من الانتفاع بها، أم تُركت في موقع أصبح معرضًا لسيطرته.
كما تمتد المسؤولية إلى واجبات العمليات والتأمين؛ فقد جرّمت المادة (15) عدم القيام عمدًا بواجب العمليات المكلف بها أو بالإعداد لها أو تنفيذها أو إتمامها أو تأمينها، كما جرّمت عرقلة أو السعي إلى عرقلة نصر القوات المسلحة أو تقدمها أو تحركها أو تأمينها، والإضرار عمدًا بالعمليات القتالية. ومن ثم قد يكون محل البحث الجنائي ليس فقط قرار الإخلاء، وإنما ما إذا كان قد اقترن بإخلال عمدي بواجب عملياتي أو بسلوك أضر بالقدرة القتالية على النحو الذي قصده النص.
ولا يشترط أن تكون المسؤولية عن فعل إيجابي، فقد تنشأ عن الامتناع متى كان ثمة واجب عسكري محدد، واختصاص فعلي بأدائه، وقدرة واقعية وقانونية على تنفيذه، وعلم بظروف وجوبه، ثم وقع الامتناع على نحو أسهم في تحقق الفعل المجرّم أو النتيجة التي عالجها النص. وقد أخذ المشرّع بهذا صراحة في المادة (15/ي) بالنسبة إلى عدم القيام عمدًا بواجب العمليات.
أما إذا وقع السلوك بطريق الإهمال أو عدم الاحتياط أو التقصير، دون قيام قصد الخيانة، فإن المادة (16) تنظم المسؤولية عن ارتكاب الأفعال التي نصت عليها المادة (15)، أو تسهيلها، بهذه الصور من الخطأ. وبذلك فإن الفارق بين المادتين لا يقوم على مجرد التمييز بين فعل وامتناع، وإنما على طبيعة السلوك والركن المعنوي المصاحب له: قصد الخيانة في المادة (15)، والإهمال أو عدم الاحتياط أو التقصير في المادة (16).
ومن ثم لا يكفي لإسناد المسؤولية أن يكون الشخص قائدًا أو مسؤولًا عن الموقع، ولا أن يكون الموقع قد سقط أو أن العدو قد استولى على ما ترك فيه؛ وإنما يتعين تحديد الدور والسلوك المنسوب إلى كل قائد، وواجبه واختصاصه وقدرته، والوسائل الدفاعية التي كانت تحت تصرفه ومدى استنفاذها، والتدابير التي اتخذها لحماية الموقع ومقدراته وأسراره، ثم الصلة السببية بين سلوكه والنتيجة أو تمكين العدو، وتحديد القصد أو الخطأ الذي صاحب ذلك السلوك.
وعليه، فإن التكييف القانوني يبدأ بالواقعة ولا ينتهي عند نتيجتها: هل كان الإخلاء ضرورة عسكرية مشروعة؟ وهل استُنفذت وسائل الدفاع المتاحة؟ وهل بُذلت الوسائل اللازمة لحماية القوة والموقع؟ وهل أُخليت الأسلحة والذخائر والمعدات والمهمات، وحُفظت الوثائق والأسرار والمعلومات؟ وهل كان تركها حتميًا أم نتيجة فعل أو امتناع يمكن تفاديه؟ ثم يُحدد الركن المعنوي: أكان السلوك عمديًا بقصد الخيانة، أم ناشئًا عن إهمال أو عدم احتياط أو تقصير؟
وتتحدد المسؤولية والعقوبة وفق ذلك؛ فالمادة (15) تعاقب الجرائم المرتبطة بالعدو متى ارتُكبت بقصد الخيانة بالإعدام أو بجزاء يتناسب مع نتائج الجريمة، بينما تعاقب المادة (16) على ارتكابها أو تسهيلها بطريق الإهمال أو عدم الاحتياط أو التقصير بالحبس مدة لا تزيد على ثماني سنوات. وعليه، لا يكفي مجرد إخلاء الموقع أو سقوطه أو استيلاء العدو على ما فيه لإقامة المسؤولية، وإنما يتعين ثبوت الفعل أو الامتناع، والواجب والقدرة على أدائه، والرابطة السببية، والركن المعنوي؛ فالضرورة العسكرية لا تبرر بذاتها ترك مقدرات الدفاع للعدو، وإنما تقدر بقدرها وفي حدود ما تفرضه ظروف العمليات.