"تحذير مناخي عاجل": ادعاء رسمي يثير الخوف بين سكان عدن
Facts
1 hour ago
share


يكشف التقرير عن قيام مؤسسة يمنية حكومية متخصصة ببث تحذيرات جوية غير دقيقة، ربطتها بالتغير المناخي، من دون دليل علمي؛ ما أثار حالة من القلق بين السكان في عدن، ودفعت عدداً منهم لاتخاذ تدابير ذات تكاليف مالية إضافية.

قبل حلول صيف عام 2026، حذرت هيئة الأرصاد والملاحة الجوية في عدن، عبر صفحتها على فيسبوك، السكان من موجة حرّ “خطيرة” في “تحذير مناخي عاجل”.

تفاعل المستخدمون مع البيان بالمشاركة، في حين كتب آخرون على حساباتهم عبارات تعكس الهلع الذي أصابهم؛ “خلاصة الكلام: ذبحات صدرية” أو “درجات حرارة عدن تقترب من المستوى القاتل”. كما تداول مستخدمون منشورات تتضمن عبارات من البيان، ومعلومات أخرى لم يُحدد مصدرها، أسهمت في المزيد من التهويل.

شاركت حسابات على فيسبوك بيان هيئة الأرصاد بعدن وأضافت عبارات تعكس الهلع الذي أصاب السكان



استيقظ حي “كريتر” بعدن على هذا التحذير. لم يكن ارتفاع درجات الحرارة بالجديد على سكان المنطقة، التي تعيش داخل فوهة بركان خامد، لكنّ البيان الذي افتقر إلي الدقة تضمن عبارات أثارت مخاوفهم.

يسكن محمد الشعبي، 39 سنة، في “كريتر” حيث يعيش والده هناك منذ عقود؛ تُحيط بالمنطقة جبال تشكّلت بفعل الحمم البركانية، فيما تنفتح واجهتها البحرية على فضاء رحب، شكّل على مدار أكثر من ألفي عام متنفساً لسكانها، واحتضن ميناء ظل جزءاً أصيلاً من تاريخها.

أثار بيان هيئة الأرصاد الجوية بعدن قلق محمد بشأن صحة والده الثمانيني. فكر الشاب في اقتناء مكيف يعمل بالطاقة الشمسية، فالكهرباء ليست متاحة دائماً، رغم أنه لا يملك المال لشرائه؛ فطلب من صديق له أن يضمنه عند أحد التجار.

يملك والد محمد مكيفاً يعمل بالكهرباء، لكنّه لا يبدو مفيداً في ظل انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة عن المدينة. تلك التحذيرات دفعت محمد إلى شراء نظام التبريد مرتفع الثمن، فالأمر هذه المرة عالي الخطورة، كما يشير “بيان لهيئة الأرصاد والملاحة الجوية” في عدن؛ إذ تستعد المدينة لاستقبال “موجة إجهاد حراري رطب خطيرة تهدد السكان” مع ارتفاع مؤشر الحرارة -مقترن بالرطوبة- يفوق قدرة تحمل البشر.

في الخامس والعشرين من شهر أيار/مايو 2026، أصدر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، “تحذيراً صحياً ومناخياً عاجلًا من موجة إجهاد حراري رطب خطيرة تهدد سكان مدينة عدن”.

تحذير” غامض” يثير المخاوف

نشرت وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” بيان هيئة الأرصاد. كما تفاعلت مواقع إخبارية عديدة ونشرت تحذير الهيئة، على نحو لاقى انتشاراً بين مستخدمي فيسبوك.

لم يقدم البيان معلومات واضحة، ومنها الفترة الزمنية لحدوث الموجة. انطوت لغة البيان على التهويل والمبالغة؛ إذ استخدمت عبارات مثل “تحذير صحي ومناخي عاجل” و”الظاهرة المناخية الخطيرة” و”المهددة لسكان مدينة عدن”.

إلى جانب ذلك، ربط بيان هيئة الأرصاد بين موجة الحر تلك والتغير المناخي، مؤكداً أن “مدينة عدن من أكثر المدن تأثراً”، وأن “التغير المناخي أصبح واقعاً ملموساً”، من دون تقديم دليل علمي يربط تلك الحالة الجوية المحددة بالتغير المناخي.

في الأيام التي تلت نشر البيان، أصدرت الهيئة منشورات تتضمن درجات الحرارة المتوقعة، ضمن المعدل السنوي، من دون نشر أي معلومات عن مؤشرات الرطوبة التي حذرت منها الهيئة. كما لم تشر لاحقاً إلى الموجة في منشورات.

عبر تتبع نشرات الهيئة الصادرة عام 2025، تبيّن أن درجات الحرارة المسجّلة نهاية أيار/مايو 2025 تجاوزت تلك التي أعلنتها الهيئة خلال الفترة ذاتها لعام 2026. غياب مؤشرات الرطوبة عن بيانات الهيئة، التي حذرت من خطورة تزامنها مع ارتفاع درجات الحرارة، جعل موجة الحر في أيار/مايو 2025 تبدو أكثر حدة؛ ما يعكس ضرورة تقديم معلومات واضحة للجمهور.

أعلنت هيئة الأرصاد درجات الحرارة لعام 2025، وهي أعلى مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2026. ملاحظة: غابت قراءات الرطوبة عن النشرات عموماً.

مرر المؤشر على الشكل لإظهار التفاصيل

2026 2025
26أيار
34°
34°
27أيار
34°
38°
28أيار
35°
39°
29أيار
35°
39°
30أيار
لم تُعلن
38°
31أيار
36°
لم تُعلن
01حزيران
39°
38°


“مبالغة وتهويل”

يرى الخبير في مجال المناخ، د. ياسر الهتاري، أن بيان مركز التنبؤات بالغ في طرح المعلومة وتوقع الضرر، موضحاً أنه افتقر إلى المعلومة العلمية الصحيحة، مؤكداً أن عدن لم تشهد لهجة تحذيرية مماثلة حتى في ظل وباء كورونا، رغم ما سُجّل من وفيات بين السكان خلال تلك الفترة. يضيف: “عندما تقرأ هذا البيان يبقى عليك مغادرة عدن”.

يوضح الهتاري، وهو مختص في مجال جغرافيا المناخ، أن مثل هذه الموجات قد تأتي ضمن سياق التذبذبات المناخية الطبيعية، وقد تكون لها صلة بالتغيرات المناخية، لكنّ إثبات ذلك يتطلب الاستناد إلى بيانات علمية دقيقة، ومقارنة المؤشرات لعقود سابقة.

وأشار الهتاري إلى أهمية التحذيرات الصادرة من جهات الاختصاص، شريطة عدم المبالغة في المضمون، حتى لا يتسبب ذلك بانعدام الثقة لدى الجمهور.

من جهته، أقر مسؤول من الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد في عدن، بعدم دقة ما جاء في البيان التحذيري، فيما لم تقم الهيئة بسحب البيان أوإصدار اعتذار بشأنه.

يقول الوكيل المساعد لقطاع الأرصاد الجوية في الهيئة، علوي العبدلي، إنه “لا يمكن ربط حدث معين بالتغير المناخي، من دون الاستناد إلى دراسة علمية متخصصة”.

يوضح العبدلي أنّ موجات الحر قد تحدث نتيجة عوامل جوية موسمية طبيعية، مثل: أنظمة الضغط والرياح والكتل الهوائية وحرارة البحر، مضيفاً أن التغير المناخي يؤثر في متوسط درجات الحرارة، ويزيد من احتمالية حدوث موجات الحر وشدتها.

يؤكد العبدلي أن عدن شهدت في السابق درجات حرارة مرتفعة، مضيفاً أن الجزم بأن الحرارة والرطوبة كانتا “الأعلى تاريخياً” في تلك الموجة يتطلب “تحليل السجل الساعي التاريخي لمحطة عدن”.

أين يكمن الخطر؟

يؤكد باحثون أن المبالغة في تناول المعلومات المتصلة بالمناخ في ظل غياب الشفافية، قد ينعكس سلباً على وعي الجمهور في هذا الشأن. ويحذرون من أن التهويل والمبالغة، من جانب مختصين، قد يدفعا الناس إلى مزيد من الشك، وفق ما نشرته دورية PLOS Climat المختصة في بحوث المناخ عام 2024.

تبدو المسألة أكثر أهمية في بلد كاليمن، والذي يعد من أكثر البلدان عرضة لتأثيرات التغير المناخي، في ظل أزمة مياه مزمنة يواجهها، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

في السياق التاريخي، عانت عدن ندرة الأمطار؛ فتشير وثائق نشرت عام 1908 إلى أن الهطول المطري في منطقة “كريتر” كان غير منتظم ولم يتجاوز، في المتوسط، ثلاث بوصات سنوياً. كما اشتهرت المنطقة بهبوب رياح (رملية حارة) بين شهري أيار/مايو وأيلول/سبتمبر. لا يشمل ذلك المناطق الغربية، التي كانت تشهد نسمات بحرية لطيفة، وفق الأرشيف البريطاني.

وفي الوقت الراهن، يتفاقم الوضع في عدن بسبب تزايد ارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط هطول الأمطار، وسوء إدارة المياه. كما تعاني المنطقة عجزاً مائياً يقدر بنحو 90 مليون متر مكعب، نتيجة استنزاف الآبار الجوفية التي تشكل المصدر الرئيس للمياه.

تشير نتائج استطلاع لمركز “بيو” للأبحاث في الولايات المتحدة، بشأن التواصل المتعلق بالمناخ، إلى أن المبالغة في الرسائل ذات الصلة بهذا الموضوع، قد تؤدي إلى نتائج عكسية عند البعض؛ فبدلاً من تحفيز الجمهور، تُثير الشكوك وتُعمّق انعدام الثقة.

يظهر هذا التفاعل السلبي من الجمهور في تعليق أحد الأشخاص على منشور متداول، بشأن بيان هيئة الأرصاد، قال فيه: “هذا تحذير أم تهديد؟”.

بيان الهيئة لاقى أيضاً رواجاً على مجموعات “واتساب”، وفق أحد السكان، عمر حسن. يضيف: “بعد أن قرأت تحذير الأرصاد في أحد جروبات واتساب، انتابني القلق على زوجتي”.

تعاني زوجة عمر حالة صحية تتفاقم حدتها مع ارتفاع درجة الحرارة، وفق ما أوضح. يقول: “ما زاد خوفي هو مصادفة ذلك التحذير مع آخر متداول على فيسبوك، في الوقت الذي تنقطع فيه الكهرباء في اليوم قرابة 20 ساعة”.

اضطر عُمر إلى استدانة مبلغ من المال ليتمكن من توفير مكان مناسب لعائلته خلال موجة الحر “الخطيرة”، في ظل عدم امتلاكه جهاز تكييف في المنزل. تكبد رب الأسرة تكاليف حجز غرفة في أحد الفنادق، لجأ إليها مع زوجته وأطفاله؛ لا للاستجمام، بل لضرورة قسرية كما وصفها: “مكرهٌ أخاك لا بطل”، هرباً من موجة “إجهاد حراري رطب خطيرة تهدد السكان”، حسب تحذير الهيئة.

أنتج هذا التقرير بدعم من أريج.

نشر هذا التقرير بالعربية في المواقع التالية:

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows